![]()
يترقب أهالي قطاع غزة إعادة فتح معبر رفح الأسبوع المقبل باعتباره الشريان الأساسي الذي يربطهم بالعالم الخارجي، وسط حالة من الترقب الحذر، في ظل خلافات برزت إلى الواجهة بين القاهرة وتل أبيب، بشأن آلية التشغيل، وأعداد المغادرين والعائدين من وإلى القطاع.
ولا تتوقف المخاوف الفلسطينية عند هذا الحد، إذ يزيد الغموض الذي يلف آلية عمل المعبر، إلى جانب الحديث عن رقابة إسرائيلية مباشرة، من القلق الشعبي، خصوصًا مع ربط فتح المعبر باستحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تتضمن بنودًا حساسة، أبرزها نزع السلاح.
فتح معبر رفح
ومساء الجمعة، أعلن رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة علي شعث، فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة رسميًا بالاتجاهين اعتبارًا من الإثنين المقبل.
وفي وقت سابق الجمعة، أعلنت إسرائيل، إعادة فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر، اعتبارًا من الأحد المقبل، بالاتجاهين، للسماح بحركة “محدودة” للأشخاص فقط، ضمن الخطوات المنصوص عليها بوقف إطلاق النار.
وبحسب تل أبيب، سيُسمح بخروج ودخول السكان عن طريق معبر رفح بتنسيق مع مصر، وذلك بعد الحصول على موافقة أمنية مسبقة للسكان من قبل إسرائيل، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، على غرار الآلية التي طُبِّقت في يناير/ كانون الثاني 2025.
وتأتي هذه الخطوة ضمن بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والتي كانت إسرائيل تماطل بالانتقال إليها قبل استلامها رفات الأسير الأخير ران غويلي، الإثنين الماضي، في خطوة تدفع للبدء بتطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق.
وتشمل هذه المرحلة من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكوّنة من 20 بندا بشأن غزة، إعادة فتح معبر رفح، ونزع سلاح حركة حماس، وبقية الفصائل الفلسطينية، وتنفيذ انسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي من غزة، وبدء جهود إعادة الإعمار.
ومنذ مايو/ أيار 2024، تحتل إسرائيل الجانب الفلسطيني من المعبر، ضمن حرب إبادة جماعية بدأتها بغزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين.
وتثير هذه القضية تساؤلات جوهرية لدى الفلسطينيين، من بينها: ماذا يعني فتح معبر رفح بالنسبة للفلسطينيين؟ وهل ستعرقل القيود الإسرائيلية والإجراءات فتح المعبر وسير عمله؟
“معبر رفح”.. شريان الحياة الأساسي لقطاع غزة
وفي هذا الإطار، أكد الباحث الحقوقي فضل المزيني أن معبر رفح يمثل شريان الحياة الأساسي لقطاع غزة، في ظل سيطرة الاحتلال على باقي المعابر، حيث تتحكم قواته منذ أكثر من عامين ونصف بما يدخل إلى القطاع وما يخرج منه، في سياق سياسة إبادة جماعية ممنهجة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من غزة، أوضح المزيني أن الاحتلال منع خلال العدوان دخول وخروج الأفراد والوفود الدولية والإقليمية، كما فرض سيطرته على حركة الواردات، ما أدى إلى تفاقم المجاعة والعطش وانتشار الأمراض بين السكان.
وأضاف أن أهالي غزة يعلقون آمالًا على فتح معبر رفح لتخفيف معاناتهم، خاصة مع وجود آلاف المرضى الذين يحتاجون بشكل عاجل للسفر لتلقي العلاج خارج القطاع.
وأشار المزيني إلى أن الحق في الصحة والاستشفاء في غزة يعتمد على المستشفيات خارجها بسبب الحصار المستمر منذ 17 عامًا، ما حرم المرضى من العلاج والطلاب من الوصول إلى جامعاتهم، كما لفت إلى أن آلاف التجار والعائلات المشتتة لم يتمكنوا من العودة إلى غزة أو لمّ شملهم نتيجة إغلاق المعبر.
وبيّن أن القطاع كان يعتمد على الجانب المصري في وارداته الغذائية والصناعية، إلا أن الحديث الحالي عن فتح معبر رفح يقتصر على مرور الأفراد فقط، بينما يبقى المعبر التجاري مغلقًا، ما يعني استمرار فقدان غزة لاحتياجاتها الأساسية.
وأضاف المزيني أن إسرائيل استخدمت معبر بيت حانون (إيرز) على مدار عشرين عامًا كأداة للابتزاز والتحقيق مع الفلسطينيين، حيث كانت تستجوبهم وتطلب منهم معلومات تضر بالأمن القومي الفلسطيني، مشيرًا إلى أن السلطات الإسرائيلية أعلنت نيتها تطبيق نفس الإجراءات وربما بشكل أشد على معبر رفح.
وختم بالقول إن ذلك يعني حرمان الفلسطينيين من حقهم في التنقل وحرية الحركة، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
“قضية سيادة وليس مجرد مسألة إنسانية”
من جهته، تحدث الكاتب والباحث الحقوقي مصطفى إبراهيم عن خصوصية معبر رفح مقارنة ببقية المعابر المحيطة بقطاع غزة، موضحًا أن الفلسطينيين يرونه قضية سيادة وسياسة، وليس مجرد مسألة إنسانية كما تحاول إسرائيل تصويرها.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من غزة، أشار إبراهيم إلى أن الأوضاع الإنسانية ازدادت خطورة منذ حرب الإبادة وإغلاق معبر رفح واحتلال مدينة رفح، مؤكدًا أنه كان من المفترض أن يُفتح المعبر مباشرة بعد وقف إطلاق النار.
وأضاف أن إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعتبر سيطرتها الأمنية والعسكرية على القطاع هدفًا رئيسيًا من الحرب، وتزعم أنها حققت إنجازات بالقضاء على قدرات حماس العسكرية وتدمير غزة.
وبيّن أن إسرائيل ترى أن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل مايو الماضي، وتدّعي أن اتفاقية 2005 المتعلقة بمعبر رفح أفقدتها السيطرة الأمنية بعد انسحابها من غزة، لكنها اليوم تؤكد أن جيشها ينتشر في محور فيلادلفيا ومحيط المعبر، وأن هذه السيطرة يجب أن تستمر ضمن شروطها المتعلقة بنزع السلاح.
وعن مسألة التهجير، قال إبراهيم إن إسرائيل تعتبره أحد أهداف الحرب، وتستخدم معبر رفح كأداة للسيطرة والابتزاز، متجاهلة القانون الدولي الإنساني، إذ تتعامل معه من منظور أمني وسياسي بحت.
ولفت إلى أن إسرائيل تدير هذه الأزمة الكارثية بأسلوبها الخاص لتحقيق أهدافها في التهجير والسيطرة الأمنية والسياسية على المعبر.
اختبار حقيقي للوسطاء والفصائل
من جانبه، قال رئيس تحرير وكالة “صفا” الإخبارية محمد أبو قمر إن الاحتلال يسعى إلى سحب أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية، وهو ما بدا واضحًا منذ وقف إطلاق النار.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من غزة، أوضح أبو قمر أن الاحتلال يتبع سياسة التسويف والمماطلة، كما ظهر خلال الأشهر الماضية، وحتى في حال أجبرته الأطراف الدولية أو مجلس السلام على فتح معبر رفح، فإنه يسعى لأن يبقى المتحكم الفعلي فيه وكأنه لم يُفتح أصلًا.
وأكد أبو قمر أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا للفصائل الفلسطينية مع الوسطاء، مشددًا على ضرورة العمل لإجبار الاحتلال على توسيع الإجراءات في المعبر وتسهيل الحركة، بدلًا من التضييق الذي يسعى إليه
وأضاف أن الاحتلال يريد إعادة معبر رفح إلى ما كان عليه قبل عام 2005 حين كان تحت سيطرته المباشرة، ويبرر ذلك تحت عنوان “الأمن القومي”.
لكنه شدد على أن هذا المسعى لن يمر بسهولة، مؤكدًا أن الفصائل، وعلى رأسها حركة حماس، تحاول عبر الوسطاء التفاوض لإسقاط ذرائع نتنياهو ومنع العودة إلى الحرب، مع الحفاظ على بعض المكاسب التي تحققت، ومنها فتح معبر رفح في الاتجاهين
