![]()
بعد 12 عامًا، يعود رئيس ائتلاف “دولة القانون” في العراق نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي، مع إعلان الإطار التنسيقي ترشيحه لرئاسة الحكومة للمرة الثالثة.
هذا الترشيح أثار جدلًا واسعًا داخل العراق، حيث يصر الإطار التنسيقي على الدفع باسم المالكي لتولي المنصب، فيما امتد صداه إلى الولايات المتحدة، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستخدام الفيتو ضد المالكي وهدد بوقف الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لبغداد.
والسبت، جدد “الإطار التنسيقي”، تمسكه بترشيحه نوري المالكي لرئاسة الوزراء، “بعيدًا عن الإملاءات الخارجية”.
وشغل المالكي منصب رئاسة الوزراء لفترتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، شهد العراق خلالهما تحديات أمنية كبيرة، ولا سيما تصاعد هجمات تنظيم الدولة، الذي استولى على نحو ثلث مساحة البلاد، قبل أن تعلن بغداد في 2017 “تحقيق النصر” عليه.
ويطرح هذا التطور جملة من التساؤلات حول فرص عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة في ظل الموقف الأميركي، وما إذا كان الإطار التنسيقي مستعدًا للدخول في مواجهة سياسية مع واشنطن، فضلًا عن طبيعة الانقسامات داخل الإطار نفسه، والبدائل المطروحة، وهل يمثل ترشيح المالكي إعادة إنتاج لأزمات سابقة أم محاولة لإعادة ترتيب التوازنات في ظل الصراع الأميركي–الإيراني في المنطقة.
الإطار التنسيقي “يتمسك بترشيحه”
وفي هذا الإطار، اعتبر المتحدث باسم ائتلاف دولة القانون، عقيل الفتلاوي، أن منشور ترمب منح الإطار التنسيقي قوة إضافية وربما ساهم في إذابة الخلافات الداخلية، مشددًا على أن القضية تمس السيادة العراقية وتشكل تجاوزًا على الدستور.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من بغداد أن الإطار التنسيقي متمسك بترشيح المالكي سواء كرئيس للوزراء أو كمرشح للكتلة الأكبر.
وبشأن التهديدات الأميركية بقطع الإمدادات العسكرية والاستخبارية والاقتصادية، أكد الفتلاوي أن العراق لا يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام منشور ترمب، بل يسعى لفتح قنوات تفاهم وحوار، معتبرًا أن رفض واشنطن لترشيح المالكي يمس السيادة والدستور العراقي بشكل مباشر.
وأضاف الفتلاوي أن الوضع الإقليمي يتطلب وجود قائد قوي قادر على إدارة الأزمات، وأن الإطار التنسيقي لم يرشح المالكي إلا لإدراكه أهمية وجوده، مشددًا على أن هذا لأخير يُحسب له أنه نجح سابقًا في إخراج العراق من نفق الإرهاب.
وختم الفتلاوي بالقول إن سحب ترشيح المالكي تحت الضغط الأميركي سيكون محرجًا للإطار التنسيقي، مؤكدًا أن العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يثبت ديمقراطيته أو يخضع لإملاءات واشنطن.
مخاوف من تعقيد الأزمة
من جانبها، اعتبرت الباحثة في الشأن السياسي العراقي سهاد الشمري أن ترشيح نوري المالكي في هذه المرحلة يثير تساؤلات حول ما إذا كان يمثل حلًا للأزمة أم أنه سيزيدها تعقيدًا. وأوضحت أن العراق مقبل على أزمات ذات تبعات داخلية وخارجية، وقد ينعكس ذلك سلبًا على الاقتصاد الوطني.
وفي حديثها للتلفزيون العربي من بغداد، أشارت الشمري إلى أن ميزان القوى بين العراق والولايات المتحدة يظهر بوضوح أن العراق يفتقر إلى المقومات التي تمكنه من مواجهة دولة كبرى قادرة على فرض عقوبات اقتصادية واسعة.
وأضافت أن الخطوات الأميركية، سواء كانت فرضًا أو تدخلًا، تُقرأ في الداخل العراقي على أنها مساس بالسيادة والقرار السياسي، رغم أن الخارجية الأميركية نفت نيتها خلق أزمة في هذه المنطقة الحرجة.
وشددت الشمري على أن الضغط الأميركي ينعكس بشكل مباشر على الشعب العراقي، وهو عامل لا يمكن تجاهله.
وأكدت رفض أي تدخل خارجي في الشأن العراقي، لكنها لفتت إلى ضرورة الموازنة بين القرار السياسي الداخلي والاعتبارات الإقليمية، داعية إلى صياغة قرار وطني يحصّن العراق ويغلق الباب أمام التدخلات الإقليمية والدولية.
“عجز الإطار عن إنتاج شخصيات سياسية”
وفي ما يتعلق بإصرار الإطار التنسيقي على ترشيح نوري المالكي، يرى الكاتب والباحث في الشأن السياسي العراقي فلاح المشعل أن هذا الإصرار يعكس عجز الإطار عن إنتاج شخصيات سياسية جديدة تتسم بالمرونة والقدرة على التوافق، وتطرح حلولًا مبتكرة تخرج البلاد من أزماتها المتواصلة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح المشعل أن العراق منذ عام 2003 يعيش سلسلة أزمات متصلة، انعكست آثارها على مختلف المكونات، بما في ذلك القوى السنية والكردية.
وأضاف أن المعطيات الدولية والموقف الأميركي يوحيان بنتائج خطيرة إذا مضى المالكي في الترشح، خاصة مع وجود اعتراضات داخل الإطار نفسه، فضلًا عن تحفظات من بعض القوى السنية والكردية التي ترتبط مواقفها بتوازنات المصالح السياسية، مثل تبادل الترشيحات بين منصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
وأشار المشعل إلى أن الأمن والاقتصاد في العراق يرتبطان بشكل مباشر بالولايات المتحدة، متسائلًا عن كيفية معالجة هذه الملفات الحساسة التي تمس حياة العراقيين اليومية.
ولفت إلى أن تصريحات الخارجية الأميركية، إلى جانب مواقف شخصيات في الكونغرس ومجلس الشيوخ، تؤكد أن الانتخابات وتشكيل الحكومة مشروطان بعدم إشراك شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة أو قريبة منها في التشكيلة الحكومية.
