![]()
حديث رئيس «صمود» د. عبدالله حمدوك في لندن عن أهمية عقدٍ اجتماعي وطني لا يمكن قراءته بوصفه اجتهادًا جديدًا أو اكتشافًا متأخرًا، بل هو مرافعة سياسية قائمة بذاتها ضده هو شخصيًا وضد قادة صمود/رموز قحت. فالعقد الاجتماعي الذي ينادون به اليوم، رفضوه بالأمس صراحةً في ذروة نشوة السلطة والانتفاخ الثوري، عندما طرحه أمامهم كاملًا وواضحًا الإمام الصادق المهدي في 2019م، وداهنهم في رفضه ممثلي حزب الأمة القومي داخل شلّة قحت، ممن قايضوا المشروع بالموقع، وقدّموا التمكين التوظيفي على التأسيس الوطني.
لم يكن مشروع الإمام الصادق المهدي «العقد الاجتماعي الجديد» اجتهادًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بل كان استشرافًا عقلانيًا نابعًا من تجربة طويلة في الحكم والمعارضة، وإنقاذًا مبكرًا لمسار الانهيار الذي كان ينتظر الدولة إن استمرّت تُدار بلا عقد تأسيسي جامع. والمتأمّل لمسيرة الإمام الصادق المهدي السياسية، يلحظ خيطًا ناظمًا من الوعي والحكمة والتأمل؛ على هيئة نسج دقيق متراكم يؤسس للدولة السودانية، ويعالج مواطن ضعفها، ويجمع تبايناتها الثقافية والدينية والعرقية في إطار مدني جامع، متجاوزًا منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة المؤهلة للاستقرار.
قُدّمت رؤية العقد الاجتماعي الجديد إلى قحت في ذروة النشوة بعد الثورة، حين كانت النخب السياسية؛ بما فيها من تسمّي نفسها “حديثة” أسيرة الشعارات، مفتونة بالحلول السهلة، ومغرَمة باختزال الأزمة في إسقاط النظام، لا تأسيس الدولة. تم رفض العقد الاجتماعي الجديد فقط لأنه يضرب طموحات نخبة قحت في مقتل فهو: ينزع احتكار التمثيل المدني، ويفتح الباب لتوافق وطني واسع بلا محاصصة ولا وصاية. واليوم، مع مناداة صمود وريثة قحت التنظيمية والسياسية، وعدد من الكتّاب والناشطين الذين كانوا بالأمس يهاجمون الفكرة نفسها؛ تتبدّى المفارقة الفاضحة: أن القوى التي رفضت العقد حين طُرح عقلًا ورؤيةً، تعود اليوم لتتبنّاه شعارًا بعدما صار ضرورة قسرية فرضها انهيار الدولة واشتعال الحرب؛ وهو اعتراف متأخر خالٍ من شجاعة الاعتراف.
تم طرح مشروع العقد الاجتماعي الجديد في 2015 ثم جُدِّد في 2019. لم يكن السودان آنذاك في حرب شاملة، ولم تكن الدولة قد بلغت هذا المستوى الكارثي من الانهيار. ومع ذلك فقد شخّص العقد الاجتماعي الجديد بدقة أزمة الدولة لا الحكومة، ودعا إلى عقد يؤسس للمواطنة المتساوية، والفدرالية الحقيقية، وقومية المؤسسات، والعدالة الانتقالية.
في المقابل، لم تقدّم قحت ولا صمود سوى مواثيق انتقالية مجزّأة وخرائط طريق قصيرة النفس، تُدار بمنطق الغلبة لا التوافق، وبعقلية الاحتكار لا الشراكة الوطنية، فكانت النتيجة انتقالًا لاهثًا ومرتجفًا، انتهى إلى انقلاب، ثم إلى حرب، هالت التراب على حلم الثورة في الحرية والسلام والعدالة، وأوصلت الوطن إلى حافة الانهيار.
كان مشروع العقد الاجتماعي الجديد عند الإمام موقفًا مبدئيًا ثابتًا لم يتبدّل بتبدّل المواقع ولا بإغراءات السلطة، رفضه قادة قحت فقط لأنه كان يعني لهم تقليص احتكارهم للتمثيل المدني، ثم عادوا اليوم يتحدّثون عنه بعد أن فقدوا السلطة والجمهور معًا، في تعبير صارخ عن هشاشة أخلاقية وسياسية: يُرفض العقد حين يهدّد الهيمنة والمحاصصة، ويُستدعى حين تسقط المحاصصة وتذهب الجوائز. ولذلك فإن من رفض التأسيس ثم سوّق الشعار، لا يملك مصداقية الدعوة إليه حين يصير صرخة نجاة. إن الدعوة المتأخرة لعقد اجتماعي جديد ليست برهان وعي، بل شاهد إدانة، وإقرار صريح برجاحة عقل الإمام وسبقه؛ فما حاربوه بالأمس صار اليوم شرط النجاة لهيمنتهم ولاستمرار الدولة نفسها.
العقد الاجتماعي الجديد ليس ملكًا لأحد، لكنه حقيقة سياسية قاسية: فمن رفضه حين كان رؤية، يتلقّاه اليوم كفاتورة، والسودان كلّه يدفع الثمن. ولعل الدرس المستفاد من تجربة قيادة قحت وما نتج عنها، وليس فقط رفض العقد الاجتماعي الجديد، إنما يتبدى في تأكيد ضرورة فتح المجال أمام قيام رافعة مدنية عريضة وفق رؤية مرنة تفتح المجال أمام الأحزاب الديمقراطية والقوى الثورية والمدنية وضحايا الحرب من لاجئين ونازحين وقادة الفكر والوعي، لتتلاقى وتتوحد على أهم الأجندة الوطنية، بدل إعادة إنتاج الفشل وفق تغيير أسماء التحالفات مع الإبقاء على ذات الوجوه التي ارتبطت بالفشل. أما ما ذكره دكتور حمدوك من الدعوة لإطار تنسيقي فهو مرفوض لأنه ينبني على أسباب انهياره في أقرب مفترق طرق ولا يصلح إطارًا لرافعة مطلوب منها إنجاز أجندة وطنية تأسيسية.