![]()
تسبّبت صورة نشرتها وزارة الدفاع التركية لاجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر مع السفير الأميركي لدى تركيا توم براك، بجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، شمل انتقادات وجّهها نشطاء وسياسيون أتراك للطريقة التي جلس بها الطرفان في اجتماعٍ وُصف بأنه اعتيادي.
في الصورة التي نُشرت أخيرًا، تصدّر براك المشهد بجلوسه منفردًا على أريكة في صدر القاعة، فيما اصطفّ على اليسار وفد السفارة الأميركية، وعلى اليمين الوفد التركي الذي ضمّ رئيس الأركان وترأسه الوزير غولر.
وقد أثار هذا الترتيب حفيظة متابعين علّقوا على “تصدّر” براك المشهد، رغم أن الوزير أعلى مرتبةً منه سياسيًا، إضافة إلى كونه ممثل البلد المضيف.
انقسمت القراءات بين من اعتبر الأمر خطأ بروتوكوليًا، ومن ذهب أبعد من ذلك، ورأى في الصورة تجسيدًا لدور “ضخم” يلعبه توم براك في ملفات المنطقة، ولا سيما سوريا ولبنان، إلى حدّ أنّ بعض الإعلاميين سمّاه “مفوضًا ساميًا” جديدًا.
وبصرف النظر عن مبالغات وسائل التواصل، يقدَّم براك بوصفه نموذجًا للطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة ملفات خارجية متشابكة: من سوريا ولبنان، إلى غزة التي عُيّن السفير البلغاري نيكولاي ملادينوف لـ”إدارة مستقبلها” ضمن مظلّة رعاية يُفترض أن يوفرها “مجلس سلام” متضخّم يتولّى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأسيسه ويرأسه فعليًا، وصولًا إلى فنزويلا التي تحدّثت الإدارة الأميركية عن “تفويض” وزير الخارجية ماركو روبيو بملفها.
ويستمرّ هذا المنحى، وفق الخطاب السياسي والإعلامي المتداول، مع تلميحات وتهديدات تطاول ملفات أخرى، من غرينلاند إلى كوبا وإيران، وربما سواها، سواء لعدم توافقها مع السياسة الأميركية الراهنة أو لوجود مصالح وأطماع لواشنطن فيها
في هذا المناخ، باتت عبارة “الطموحات الإمبراطورية الجديدة” رائجة، وكان آخر من حذّر منها علنًا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منتدى دافوس في يناير/ كانون الثاني، مشيرًا إلى مخاطر المرحلة التي يشهدها العالم، والتي تمنح القوي حقوقًا شبه مطلقة على حساب الضعيف، ولا سيما الدول المفكّكة أو الهشّة أو تلك التي تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.
هل يعود دور “المفوض السامي” بوصفه تجسيدًا لهيمنة دولة على أخرى، ولكن بتسميات أقل جهرًا؟
منصب “المفوض السامي” في التاريخ
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، برز لقب “المفوض السامي” كأداة من أقوى أدوات الحكم الإمبراطوري. وبلغ هذا الشكل ذروته بعد الحرب العالمية الأولى، حين أضفت منظومة عصبة الأمم على الانتداب طابعًا مؤسسيًا لإدارة أجنبية لأقاليم كانت تابعة سابقًا للإمبراطوريتين العثمانية والألمانية، تحت غطاء لغة الوصاية الدولية[1].
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، المفوضون السامون الفرنسيون في سوريا ولبنان والمفوضون السامون البريطانيون في فلسطين ومصر. ومع أن كليهما عمل ضمن إطار الانتداب نفسه، إلا أن أساليب حكمهم اختلفت في الفلسفة الإدارية والإستراتيجية السياسية والتفاعل مع المجتمعات المحلية. ولم تشكّل هذه الاختلافات مسار الحركات القومية فحسب، بل أيضًا البنى السياسية طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
وفي حين مارس المفوضون السامون الفرنسيون والبريطانيون سلطة إمبراطورية تحت غطاء الشرعية الدولية، أكد النموذج الفرنسي على الحكم المركزي والعسكري والتجزئة المذهبية، بينما اعتمد النموذج البريطاني بشكل أكبر على الإدارة البيروقراطية والتحكم غير المباشر الإستراتيجي.
نظام الانتداب
أُنشئ نظام الانتداب بموجب المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، التي اعتبرت أنّ بعض الأقاليم “غير قادرة بعد على النهوض بنفسها في ظل الظروف الشاقة للعالم الحديث”[2].
ووضعت هذه الأقاليم تحت وصاية “أمم متقدمة” حتى تُتحقق لها “الاستقلالية“. وبدا انتداب الفئة “أ” (المتمركز أساسًا في الشرق الأوسط) أقرب نظريًا إلى السيادة، لكن عمليًا حكمت هذه الأقاليم إدارة أجنبية امتلكت سلطات واسعة في رسم المشهد الداخلي وإدارة العلاقات الخارجية.
شغل المفوض السامي منصب السلطة العليا داخل الأقاليم المنتدبة. وبعد تعيينه من الدولة المنتدِبة، مارس صلاحيات تنفيذية وتشريعية، وغالبًا ما امتدت سلطته إلى ما يشبه القضائية، فيما بقيت مساءلته أمام “لجنة الانتداب الدائمة” التابعة للعصبة فضفاضة [3].
وعلى الرغم من تقديم تقارير سنوية إلى جنيف، كانت آليات التنفيذ ضعيفة، وخاضعة لتوازنات ومناكفات الدول المنتصرة، ما منح الدول المنتدِبة مساحة واسعة للتصرف. وبهذا المعنى، ظلّ الخط الفاصل ضبابيًا بين “إدارة دولية” و”حكم استعماري“.
الفرنسيون في سوريا ولبنان: مركزية وقوة وتفتيت
بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية، حصلت فرنسا على انتداب سوريا ولبنان عام 1920. ومارس المفوض السامي الفرنسي، ومقرّه بيروت، سلطة شاملة على الإدارة المدنية والقوات العسكرية والمالية والترتيبات الدستورية.
وضع الجنرال هنري غورو، أول مفوض سامٍ، النغمة الأساسية للحكم الفرنسي. فبعد هزيمة المملكة العربية السورية القصيرة العمر في معركة ميسلون، فكّك غورو مؤسساتها القومية، وأعاد تنظيم الإقليم إلى وحدات إدارية متعددة: دولة لبنان الكبير، ودولة العلويين، وجبل الدروز [4].
وينقل نجيب الأرمنازي في كتابه “سوريا من الاحتلال إلى الجلاء” عن غورو قوله:
“انقسامات سوريا التي يجب أن تساعدنا في تنظيم البلاد بشكل عملي وملائم لسلطتنا، هي الآن ذات فائدة كبيرة لنا من أجل احتواء الحركة المنظمة ضدنا”.
وعكست هذه التجزئة إستراتيجية متعمدة لتطويق صعود الروح القومية العربية المتصاعدة حينها، من خلال تفتيت إداري يغذّي انقسامات مذهبية وإقليمية.
كذلك، عطّل المفوضون السامون الفرنسيون دساتير وحلّوا مجالس منتخبة كلما تعارضت الخيارات المحلية مع المصالح الفرنسية. وخلال الثورة السورية الكبرى (1925–1927)، استخدم المفوض السامي موريس سارايل قوة عسكرية واسعة لقمع المقاومة، بما في ذلك قصف دمشق [6].
وبينما تحدّث مسؤولون فرنسيون عن إعداد السوريين واللبنانيين للحكم الذاتي، ظلت السلطة الفعلية متركزة في يد المفوض السامي حتى السنوات الأخيرة من الانتداب. وكانت العواقب السياسية عميقة:
البريطانيون في فلسطين: إدارة بيروقراطية لصناعة واقع جديد
حكم المفوض السامي البريطاني فلسطين بموجب صك الانتداب البريطاني الذي تضمّن الالتزام بوعد بلفور عام 1917 بإقامة “وطن قومي لليهود“.
سعى هربرت صموئيل، أول مفوض سامٍ، إلى تنفيذ الأهداف الإستراتيجية البريطانية ضمن مقاربة تعاملت مع الأغلبية العربية الفلسطينية (نحو 90% وفق تعداد 1922 البريطاني) باعتبارهم من “الطوائف غير اليهودية في فلسطين“[7].
وتذكر سحر هنيدي في كتابها “التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي – فترة هيربيل صموئيل” أن “التدابير التي اتخذها صموئيل على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية صُممت في معظمها لتهيئة الأرضية لا للوطن القومي اليهودي فحسب، بل أيضًا لدولة يهودية قابلة للحياة” [8].
وهكذا سعت بريطانيا عبر مفوضها السامي لتأخير أيّ مسار فعلي لتقرير مصير فلسطيني، فيما كانت سياسات الهجرة والاستيطان، وما رافقها من صدامات ووقائع قسرية، تُنتج بيئة مغايرة بالكامل. وفي حين نالت مناطق أخرى خاضعة للانتداب البريطاني استقلالًا اسميًا (العراق عام 1932، والأردن عام 1946)، انتهى المسار في فلسطين إلى كارثة 1948: تشردٌ وطرد بدلًا من استقلال [9]:
وضع الانتداب في فلسطين بنى أتاحت للحركة الصهيونية الهيمنة على السكان الأصليين، ما جعلهم في عام 1948 يذوقون التشرد والطرد بدلاً من الاستقلال”.
من الوصاية المباشرة إلى التدخلات الحديثة:
الاسم تغيّر والمنطق باقٍ
من الأمثلة الحديثة “مكتب الممثل السامي” في البوسنة والهرسك، الذي تأسس بعد اتفاق دايتون 1995، ومنح سلطات واسعة شملت فرض تشريعات وعزل مسؤولين منتخبين. وعلى الرغم من تمديد مهمته لأكثر من عقدين، بقيت نتائج “الوصاية” موضع جدل، لا سيما بعد اعتراضات داخلية مثل قانون أصدره رئيس جمهورية صرب البوسنة ميلوراد دوديك عام 2023 لإلغاء سلطة الممثل السامي في الكيان الصربي البوسني، بوصفه “غير قانوني”، من دون أن يكتسب القرار مفاعيل دولية [10].
ثم جاء المثال العراقي بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، حين أُسندت إدارة البلاد إلى بول بريمر عبر “سلطة الائتلاف المؤقتة”. أصدر بريمر قرارات تأسيسية أعادت هيكلة الدولة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وقد شملت تدخلاته التي اعتبرتها مجلة “تايم” بمثابة “أخطاء جسيمة” [11] حلّ الجيش والأجهزة الأمنية، فضلًا عن اجتثاث حزب البعث، وكذلك صياغة قوانين وتعيينات كرّست مسارات محاصصة طائفية وقومية، ناهيك عن الإشراف على عقود النفط وإعادة الإعمار وسط اتهامات بهدر واسع، إذ تبخّرت مئات ملايين الدولارات في تلك الفترة بدون أثر.
وتستشهد صحيفة “غارديان” بحادثة تساؤل مجلس الحكم العراقي عن كلفة عقد إصلاح مصنع أسمنت سامراء، لتدلّ على عقلية إدارة العراق آنذاك، حين نُقل عن بريمر قوله إن عليهم أن يكونوا ممتنين لأن التحالف أنقذهم من صدام حسين [12].
“… فعندما سأل مجلس الحكم العراقي بريمر عن سبب تكلفة عقد إصلاح مصنع أسمنت سامراء، والتي بلغت 60 مليون دولار بدلاً من 20 مليون دولار المتفق عليها، أفادت التقارير أن الممثل الأميركي أخبرهم أن عليهم أن يكونوا ممتنين لأن التحالف أنقذهم من صدام (حسين)”.
“الوصي الدولي”.. بين القبول والرفض
يمكن القول إن التجربة التاريخية للمفوضين الساميين، بما تمنحه من سلطة استثنائية تحت راية “الشرعية الدولية”، ما زالت – رغم تغيّر العالم – أحد منافذ التدخلات الدولية الحديثة، حيث يتولّى فاعلون خارجيون أدوارًا إشرافية على دول ذات سيادة باسم تحقيق الاستقرار والسلام.
في السياق الراهن، تبرز نماذج لدبلوماسيين تنطبق عليهم عناصر كثيرة ممّا سبق، وكُلّفوا بمهام تتجاوز أجندة العمل الدبلوماسي التقليدي، ومنهم توم براك، الذي يُنسب إليه دور محوري في رسم سياسة سوريا الداخلية، وعلاقة السلطة بمكونات الأمة، ولا سيما الأقليات الإثنية والمذهبية، إضافة لدوره في تشبيك علاقات دمشق الإقليمية كمن يرعى نظامًا جديدًا وليدًا.
غير أن الإشكالية هنا أكثر تعقيدًا: إذ يمكن لجزء من الرأي العام أن يرى في هذا التدخل “تصحيحًا” لمسارات مؤلمة شهدتها البلاد، كما في أحداث الساحل السوري، وأحداث السويداء، والتوترات مع الأكراد، وهي محطات ترافقت مع أخطاء جسيمة وانتهاكات، ساهمت في زعزعة الحس الوطني الجامع، وتغذية التحريض الطائفي والإثني.
هذا الالتباس يعيد السؤال إلى الواجهة:
هل “الوصي الدولي” مقبول أم مرفوض.. أم أنه يُقبل حين يطفئ الحرائق ويُرفض حين يكرّس تبعية القرار؟
المصادر:
