قلق إقليمي من الدعم السريع.. ما دلالات موقفي السعودية ومصر من السودان؟

قلق إقليمي من الدعم السريع.. ما دلالات موقفي السعودية ومصر من السودان؟

Loading

بلغة حاسمة، أعادت الرياض رسم حدود المقبول في المشهد السوداني، مجددة رفضها الصريح لأي تدخلات خارجية تغذي الحرب عبر إدخال السلاح والمرتزقة، معتبرة أن ما ترتكبه قوات الدعم السريع من هجمات ممنهجة لا يندرج ضمن منطق الصراع السياسي، بل يقع في خانة الانتهاك الفج لكل الأعراف الإنسانية.

وأكد بيان وزارة الخارجية السعودية أن الإقليم لم يعد قادرًا على التعايش مع معادلة القوة الموازية، وأن حماية المدنيين ووحدة الدولة السودانية باتتا معيار الحكم على أي مسار سياسي قادم.

تحركات مصرية في إفريقيا

وسبقت التصريحات السعودية تحركات مصرية في إفريقيا، إذ نقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر دبلوماسية مصرية أن مقاربة القاهرة باتت أكثر التصاقًا بالأمن القومي، وباستخدام جميع الأدوات المتاحة فيما يخص الملف السوداني.

وأشارت المصادر إلى أن الرسائل الاستخبارية واضحة في اعتبار القاهرة الحرب السودانية خطرًا مباشرًا على حدودها وعلى توازن وادي النيل، مع التأكيد على رفض الكيانات الموازية وأي كيانات خارج إطار الدولة.

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بوجود طائرات مسيرة تنطلق من قاعدة عسكرية سرية في مصر لضرب قوات الدعم السريع.

وعكس ذلك، وفق القراءات السياسية، انتقال القاهرة إلى موقع الدفاع الوقائي، خشية ترسيخ قوة مسلحة موازية للدولة السودانية، إذ قالت الصحيفة الأميركية إن مصر تخشى من وجود “خاصرة رخوة” على حدودها تمس الأمن المصري بشكل مباشر.

“توجهات إسرائيلية لمحاصرة مصر”

وفي هذا الإطار، تقول الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الإفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن موقف القاهرة يتبلور في تعريف واضح لطبيعة الحرب السودانية.

وتضيف، في حديث للتلفزيون العربي من القاهرة، أن “القاهرة تُعرّف الحرب السودانية ضمن سياقين متوازيين؛ الأول أنها محاولة لإعادة هندسة الإقليم، بمعنى وجود توجهات إسرائيلية واضحة لمحاصرة مصر والتأثير في توازنات القوى الإقليمية، وذلك في كل من السودان وإثيوبيا والصومال”.

وتوضح أن السياق الموازي يتمثل في كون الحرب تعبيرًا عن مشكلة داخلية سودانية ممتدة تاريخيًا، وبالتالي فإن هذا التعريف يتعامل مع المشكلة السودانية ضمن إطار شامل.


تشكل الحرب السودانية خطرًا على الأمن القومي المصري – غيتي

وبيّنت أن القاهرة ترى في هذا الوضع “تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي”، وفي الوقت نفسه تدرك أن هناك أزمة داخلية سودانية، مضيفة أن “مصر، وفق هذا التعريف، تحمي أمنها القومي بوضوح مع دولة لها حدود مباشرة معها، وتحمي حدودها، وترى أن الأمن القومي المصري يعني أن الأمنين المصري والسوداني في مصير واحد”.

وتؤكد أن القاهرة “تتدخل عبر الوساطة بين الفرقاء السودانيين في محاولة لبلورة صيغة لاستقرار داخلي، باعتباره الترياق الحقيقي ضد أي محاولات خارجية لإعادة هندسة الإقليم”.

وتعتبر الطويل أن هذا “التعريف المزدوج للحرب هو وليد خبرة في الإقليم”، مشيرة إلى أن التجربة أثبتت أن “الميليشيات الوظيفية في المنطقة العربية لم تستطع تحقيق مصالح إستراتيجية لصالح الدول التي نشأت فيها أو انبثقت منها، والأمثلة على ذلك كثيرة في منطقة الشرق الأوسط”.

وتضيف أن “محاولة إعادة هندسة الإقليم التي تقوم بها إسرائيل ووكلاؤها ستفتح الأمن الإقليمي والدولي على مخاطر هائلة، خصوصًا في البحر الأحمر ودول الساحل الإفريقي”.

التحرك الإسرائيلي يقوم على إستراتيجية ثابتة منذ عام 1948، تقوم على خلق نقاط ارتكاز في مناطق التخوم العربية

وتوضح أن هذه المنطقة الممتدة “من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي قد تتحول إلى كرة نار”، في ظل وجود تنظيمات متطرفة تمتلك السلاح ولديها حواضن اجتماعية، ما يجعل التهديد مضاعفًا.

وتقول إن “مصر صبرت كثيرًا، لكن الخطوة الأولى والمستمرة منذ اللحظة الأولى هي حماية الحدود المصرية، باعتبارها مهمة أساسية للدولة، ولا سيما مع لجوء أطراف أخرى إلى استخدام مرتزقة أجانب وإمدادات عسكرية لصالح ميليشيا الدعم السريع”.

وتشير إلى أن القاهرة “اتخذت خطوة أكثر تقدمًا على الصعيد العسكري لحماية حدودها مع السودان، وهي حدود طويلة”، لافتة إلى أن ذلك يتوازى مع تحركات دبلوماسية إفريقية، من بينها زيارة اللواء أحمد عبد الخالق في سياق دول حوض النيل والدول المطلة على البحر الأحمر.

وتوضح أن هذه التحركات تشمل دول القرن الإفريقي مثل إريتريا وأوغندا والصومال وجيبوتي، إلى جانب كينيا، مؤكدة أن “هذه الدول تقع ضمن نطاق المخططات الإسرائيلية التي تعمل فيها منذ وقت طويل”.

وختمت الطويل بالقول: إن “التحرك الإسرائيلي يقوم على إستراتيجية ثابتة منذ عام 1948، تقوم على خلق نقاط ارتكاز في مناطق التخوم العربية”، معتبرة أن “انسحاب مصر من إفريقيا خلال مرحلتي السادات ومبارك أسهم في زيادة الوزن الإسرائيلي في هذه المناطق، إلى حد أصبح فيه قادرًا على تهديد الأمن القومي المصري بشكل مباشر”.

“الرياض تنساق إلى السردية المصرية”

بدوره، يقول حسب النبي محمود، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية وعضو الهيئة القيادية في تحالف السودان التأسيسي، إن “البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية غير دقيق”.

ويضيف في حديث للتلفزيون العربي، أن “المجرمين الذين يرتكبون جرائم الحرب والجرائم الجماعية ويحرقون السودان اليوم هم أنفسهم الذين يسعون إلى العودة إلى صدارة المشهد عبر كتائب النظام الوطني السابق”، حسب قوله.

وتابع أن “الجهات التي نحاربها الآن هي مجموعات تقتل السودانيين بدعم مباشر من مصر، في الخرطوم ودارفور وكردفان، وفي مختلف أنحاء السودان”، مشيرًا إلى أن “السعودية دولة نُقدّر دورها الكبير، لكن ينبغي ألا تنساق وراء السردية المصرية”، حسب رأيه.

ويقول محمود إن “مصر، رغم كونها من أقرب الدول إلى السودان، ظل موقفها منذ عام 1956 موقفًا مخزيًا، إذ لا تنظر إلى السودان إلا بوصفه حديقة خلفية يجب أن تبقى مكبّلة، حتى تنعم هي بالموارد والاستقرار، وذلك على حساب الدولة الوطنية السودانية والسيادة الوطنية”، وفق قوله.

ويعتبر أن “الدليل الواضح على ذلك هو حرب أبريل/ نيسان 2023، التي ما كانت لتندلع لولا الدعم المصري الذي قُدّم في الوقت نفسه للنظام بقيادة عبد الفتاح البرهان، سواء عبر الدعم العسكري أو الاستشارات الفنية”.

ويضيف أن “الانقلاب الذي وقع في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 على حكومة الثورة برئاسة عبد الله حمدوك تم بتوجيه ودعم مباشر من جهاز الأمن والمخابرات المصرية”.

وختم بالقول إن “الحروب في السودان بدأت منذ عام 1956، ولم يكن للقاهرة، في تاريخها، موقف داعم حقيقي لاستقرار السودان وسيادته الوطنية”.

“موقف السعودية ثابت ومستقل”

من جانبه، يقول المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية سالم اليامي إن “الموقف السعودي، كما نتابعه منذ انطلاق الصراع في السودان، مبدئي وثابت ولم يتغير“.

ويضيف في حديث للتلفزيون العربي من الرياض: “مثل هذه المعطيات كانت حاضرة في أول بيان صدر عن السعودية والولايات المتحدة في مايو/ أيار 2023، أي بعد أسبوعين أو ثلاثة تقريبًا من بداية النزاع”.

ويوضح أن هناك جهودًا تبذلها المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الدول العربية ضمن المنظومة الدولية، و”جهود الرباعية التي طال الحديث عنها، إضافة إلى الاهتمام الأميركي الذي تصاعد بعد لقاء سعودي أميركي معروف في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، جميعها تهدف إلى وقف النزيف السوداني”.

ويؤكد أن “المملكة فتحت ذراعيها لجميع الأطراف منذ بدء الصراع، كما فعلت الجامعة العربية، بهدف حماية المدنيين وتسهيل عمل المنظمات الدولية لتخفيف معاناة الناس”.

ويضيف أن “موقف السعودية موقف ثابت ومستقل ويعبر عن الدولة، بينما المواقف المصرية والأميركية وغيرها ضمن الرباعية تصب في نفس المسار”، موضحًا أن هذا المسار لا يعني الانسياق وراء أي سردية، سواء كانت مصرية أو تتعلق بالقوى السياسية أو العسكرية في السودان، وإنما يهدف إلى حماية الإنسان وترسيخ الثوابت الإنسانية، خاصة حماية المدنيين.

وخلص إلى أن “الرباعية والمنظومة الدولية تحاول منذ أشهر قليلة إيجاد حلول لهذه المعضلة، والتقت بجميع الأطراف بما فيها قوات الدعم السريع”.