تصدير اللحوم إلى الإمارات… سؤال الأخلاق قبل سؤال الاقتصاد

تصدير اللحوم إلى الإمارات… سؤال الأخلاق قبل سؤال الاقتصاد

Loading

تصدير اللحوم إلى الإمارات… سؤال الأخلاق قبل سؤال الاقتصاد

بقلم: هاجر سليمان

في بلدٍ أنهكته الحرب، واستنزفته الدماء، وكسرت ظهره الخيبات المتراكمة، لا يبدو غريبًا أن تتزاحم الأسئلة المؤلمة كلما ظهرت واقعة جديدة تمس كرامة الدولة ووعي المجتمع. لكن الأكثر إيلامًا أن تأتي بعض الوقائع محمّلة بإشارات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد “إجراء اقتصادي عابر”.

الحديث المتداول عن تصدير شحنة لحوم سودانية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليس خبرًا اقتصاديًا فقط، بل قضية رأي عام، لأنه يلامس منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها السياسة بالأخلاق، والمصلحة الوطنية بالمسؤولية التاريخية.

بحسب المعلومات المتداولة، فإن شحنة لحوم متنوعة، خرجت من مسلخ بولاية القضارف، وتم شحنها عبر بورتسودان مرورًا بالمملكة العربية السعودية، قبل أن تصل إلى الأسواق الإماراتية. ورغم محاولات تبرير الأمر باعتباره نشاطًا تجاريًا طبيعيًا، إلا أن السياق العام لا يسمح بالتعامل مع القضية بهذه السطحية.

 

 

 

 

السؤال الجوهري هنا ليس: هل يحق للسودان تصدير لحومه؟

بل: لمن؟ وفي أي توقيت؟ وتحت أي ظرف سياسي وأخلاقي؟

السودان يعيش واحدة من أكثر فتراته مأساوية، وسط اتهامات مباشرة لدولة الإمارات بالتدخل في النزاع ودعم أطراف متورطة في إطالة أمد الحرب. هذه الاتهامات، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، أصبحت جزءًا من الوعي العام، ومن المزاج الشعبي الغاضب الذي يرى في أي تعامل اقتصادي غير منضبط نوعًا من التناقض الصارخ مع معاناة الداخل.

الأخطر في القضية ليس الشحنة نفسها، بل غياب الشفافية.

من الذي صادق على التصدير؟

هل كانت وزارة الثروة الحيوانية على علم كامل بالوجهة النهائية؟

وهل توجد سياسة واضحة تحكم الصادرات في زمن الحرب؟

هذه الأسئلة لا تجد حتى الآن إجابات رسمية مقنعة، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام الشكوك، ويغذي الإحساس بأن الدولة تُدار بردود الأفعال لا بالقرارات المدروسة.

 

 

 

 

ثم يأتي التساؤل الأكثر إلحاحًا:

كيف يمكن لدولة تخوض حربًا وجودية، وتفقد آلاف الأرواح، أن تُصدّر مواردها الاستراتيجية في غياب توافق وطني واضح، ودون خطاب رسمي يشرح للناس لماذا تم هذا الخيار، وما العائد الحقيقي منه، ومن يتحمل مسؤوليته السياسية؟

لا أحد يعارض التجارة المشروعة، ولا أحد ينكر أهمية الصادرات للاقتصاد المنهك، لكن في أوقات الأزمات الكبرى، لا تُقاس القرارات بالأرقام فقط، بل بالرسائل التي ترسلها للشعب أولًا، وللعالم ثانيًا.

 

 

 

 

ما حدث – إن ثبتت تفاصيله – يعكس خللًا أعمق في إدارة الموارد، وفي ترتيب الأولويات، وفي فهم طبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان. كما يكشف عن فجوة خطيرة بين مؤسسات الدولة والشارع، فجوة لا يمكن ردمها إلا بالوضوح والمحاسبة.

المطلوب اليوم ليس تصفية حسابات، ولا إطلاق شعارات غاضبة، بل فتح تحقيق شفاف، يجيب بوضوح عن كل ما أُثير، ويضع حدًا لأي تصرفات فردية أو مؤسسية تمس صورة الدولة وتزيد من احتقان الداخل.

في زمن الحرب، الصمت الرسمي ليس حيادًا…

بل موقف يُفهم – عن حق أو خطأ – على أنه تواطؤ أو استهتار.

والسودان، في هذه المرحلة، لا يحتمل لا هذا ولا ذاك.