![]()
بعد مرور خمسة عشر عامًا على ثورة 2011، تعيش تونس جدلاً حول ما إذا كانت قد عادت إلى مربع الاستبداد أو أنها بصدد مسار يهدف إلى تصحيح إخفاقات وأخطاء مرحلة الانتقال الديمقراطي.
وفي 14 يناير/ كانون الثاني 2011، أطاحت الثورة التونسية بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين علي (1987-2011) وبدأت مرحلة انتقال ديمقراطي دامت 10 سنوات.
وفي هذا السياق، يستند أنصار الرئيس قيس سعيّد إلى جملة من المبررات للدفاع عن سياساته، في وقت تقبع فيه أطياف واسعة من النخب السياسية والحقوقية في السجون بتهم تتعلق بالتآمر والإرهاب.
أزمة سياسية حادة في تونس
في المقابل، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت النخب المعارضة قد أخطأت في إدارة الاختلاف في الماضي وفشلت في بناء توافقات في الحاضر، كما تُطرح تساؤلات أيضًا حول ملامح الواقع السياسي والحقوقي في تونس خلال السنوات الخمس عشرة التي تلت الثورة.
وتتزامن هذه النقاشات، مع أزمة سياسية حادة تعيشها تونس منذ 25 يوليو/ تموز 2021، حين فرض سعيّد إجراءات استثنائية شملت حل البرلمان السابق وتغيير الدستو.
وهي خطوات تعتبرها المعارضة “انقلابًا على الدستور”، بينما يراها أنصار الرئيس “تصحيحًا للمسار”.
أما سعيّد، فيقول إن إجراءاته “تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة” مشددًا في أكثر من مناسبة على عدم المساس بالحريات والحقوق.
هل عادت تونس إلى مربع الاستبداد؟
وفي هذا الإطار، قال المحامي والناشط السياسي عبد الرزاق الخليلي: إن “القول بأن البلاد عادت إلى مربع الاستبداد أمر لا يمكن الجزم به مطلقًا”.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من تونس أن النظام الاستبدادي بطبيعته نظام مغلق لا يتيح مجالًا للحريات أو للنقاش أو للتعبير عن الرأي أو للاحتجاجات والمسيرات، في حين أن الواقع في تونس اليوم يظهر وجود فضاءات للنقاش وحرية للتعبير، وإن كانت هذه الحرية مؤطرة بالقانون وبمبدأ أن الحق يقابله واجب، والحرية تقابلها مسؤولية، في إطار احترام الآخر.
وأضاف الخليلي أن وجود إذاعات ومنابر إعلامية مفتوحة يوميًا للنقاش والاختلاف، والسماح بالمظاهرات الأسبوعية واليومية، وحتى بانتقادات موجهة للنظام أو للرئيس، لا يمكن وصفه بالاستبداد.
وعن سؤال حول وجود عدد من القيادات السياسية في السجون، أوضح أن المرحلة التي تلت 25 يوليو هي مرحلة جديدة تهدف إلى إعادة النظام بعد سنوات من الفوضى، وهو ما يقتضي مسارًا للمحاسبة والمساءلة لكل من ارتكب أخطاء أو تحوم حوله شبهات.
وأشار إلى أن القضايا المطروحة أمام القضاء متنوعة، منها ما يتعلق بالتآمر، ومنها ما يخص الاستيلاء على المال العام أو التزوير، مؤكّدًا أن هذه الملفات ليست انتقائية بل مرتبطة بالأبحاث والتحقيقات، وأن القضاء هو الفيصل في النهاية.
“تضييق ممنهج للحريات”
من جهته، قال المحامي والناشط السياسي كريم المرزوقي إن تونس تعيش منذ إعلان حالة الاستثناء في 25 يوليو 2021 مسارًا يتسم بتضييقات ممنهجة ومتواصلة.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من تونس أن هناك استهدافًا مباشرًا لضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها استقلال القضاء، حيث بات القضاة يُعيّنون من قبل وزارة العدل بعد حل المجلس الأعلى للقضاء الشرعي وتهميش المجلس الأعلى المؤقت، ما أدى إلى توظيف القضاء في محاكمات سياسية ضد عدد من الناشطين السياسيين والمدنيين.
وأشار المرزوقي إلى أن ممارسة حرية التعبير أو الاجتماع أو التنظيم هي حق أصيل وليست منّة من السلطة، لكنه تساءل عن مدى وجود إعلام عمومي يستضيف الأصوات المعارضة، معتبرًا أن التلفزيون العمومي تحول إلى أداة دعائية للسلطة، وهو ما تؤكده تقارير دولية عن تراجع حرية الصحافة والنشر.
وأضاف أن دستور 2014 وضع آليات واضحة لإدارة الخلافات بين المؤسسات، لكن الرئيس أعلن حالة الاستثناء، ما مثّل خروجًا عن الإطار الدستوري وأدى إلى تكريس نظام سلطوي جديد بدستور صاغه الرئيس بنفسه.
وأكد المرزوقي أن هذا النظام يقيّد الفضاء العام، خصوصًا السياسي، عبر سجن المعارضين الذين واجهوا الانقلاب ورفعوا أصواتهم ضده، مشيرًا إلى أن القضايا المتعلقة بالتآمر على أمن الدولة اليوم تشبه تلك التي شهدتها تونس في الستينات والسبعينات.
وتساءل عن مدى وجود أدلة جديدة أو قرائن حقيقية في هذه القضايا، معتبرًا أن الهدف من سجن المعارضين هو نشر الخوف والترهيب داخل الساحة السياسية.
تهمة التآمر خطيرة وتحتاج إلى أدلة واضحة
من ناحيته، قال طارق الكحلاوي، المدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، إن الوضع في تونس معقد ومركب للغاية، إذ إن المسار الذي انطلق بعد الثورة في سياق الانتفاضة الشعبية مرّ بمرحلة انتقالية صعبة ومليئة بالعثرات، رغم تحقيق مكاسب مهمة مثل أول انتخابات حرة ونزيهة في 2011، ثم انتخابات 2014، والبلدية في 2018، وانتخابات 2019.
وأضاف في حديث للتلفزيون العربي من تونس “تم تركيز عدد من المؤسسات الدستورية في إطار توازن السلط خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانتفاضة. ثم، مع دستور 2014، أصبح تداول السلطة قائمًا على المسار الانتخابي. ورغم أن هذا التداول لم يكن نزيهًا تمامًا في بعض المستويات، إلا أنه كان حرًا، حيث أتيح للأطراف السياسية التقدم والمشاركة.
وأضاف “حتى الرئيس قيس سعيّد نفسه تمكن من أن يصبح فاعلاً سياسيًا في هذا السياق الذي تبلور بعد الانتفاضة. غير أنه من الضروري الإقرار أيضًا بأن هذا المسار ظل متعثرًا ومليئًا بالعقبات”.
وأشار الكحلاوي إلى أن الرئيس اليوم يوجه اتهامات بالتآمر إلى شخصيات متباينة لا يجمع بينها شيء، بل هي معروفة بصراعاتها وتنافسها العلني، في حين أن التآمر يفترض عملًا سريًا مع أطراف أجنبية خلف الأبواب المغلقة. واعتبر أن هذه التهمة حساسة وخطيرة وتحتاج إلى أدلة قوية لإثباتها.
وأضاف أن الرئيس يعبر عن تيار شعبوي لا يقتصر على استهداف معارضيه، بل يتهم أيضًا ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” وإدارة الدولة نفسها، وصولًا إلى التجار ورجال الأعمال، معتبرًا أن هذا الخطاب جزء أساسي من طبيعته السياسية.
