![]()
من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الحياة: حين تفتح الثروة الحيوانية بوابة الإعمار
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
حين يعلن وزير الثروة الحيوانية عن تدفق 121 مليار دولار إلى قطاع الإنتاج الحيواني والسمكي والدواجن، لا نسمع مجرد رقم، بل نبضة حياة جديدة في قلب السودان؛ إعلان عن ولادة وطن جديد من بين أنقاض الحروب. السودان لم يعد يُقاس بخسائره، بل بما يستطيع أن يحوّل موارده الكامنة إلى شعلة إبداع ورفعة.
الثروة الحيوانية في السودان ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي القصيدة الحية للاقتصاد الوطني؛ ملايين الرعاة يجوبون المراعي، وسلاسل إنتاج تمتد من الحظائر إلى الموانئ، وأسواق عطشى للبروتين الحيواني، تجعل من هذا القطاع بوابة لاستعادة العملة الصعبة، وتثبيت سعر الصرف، وتمويل الإعمار الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن 37 مشروعاً ومدينة إنتاج متكاملة في كل ولاية ليست مجرد استثمار، بل لوحة وطنية تُكتب فيها قصة صمود وإبداع بعد الحرب.
اليوم، يقدم السودان نفسه للعالم ليس كدولة منكوبة، بل كدولة فرص وأمل وإمكانات. العالم يبحث عن الأمن الغذائي المستدام، ومصادر بروتين ثابتة، واستثمارات طويلة الأمد. والسودان، بمساحته الشاسعة، وموارده الوفيرة، وموقعه الاستراتيجي، قادر أن يتحول إلى سلة غذاء إقليمية، منارة الأمان في قلب إفريقيا، لا إلى ساحة صراع وفوضى.
لكن هذا التحول لن يتحقق إلا بثورة في العقل الاقتصادي للدولة: من عقل الجباية إلى عقل الشراكة، ومن إدارة الفقر إلى إدارة الثروة والإمكانات. فالأموال الأجنبية لن تتدفق إلى بيئة مضطربة، لكنها ستتدفق إلى دولة تظهر أنها انتقلت من اقتصاد المليشيات إلى اقتصاد المؤسسات، ومن الفوضى إلى النظام.
وهنا يلتقي الاقتصاد بالسياسة: استعادة الأمن، بسط سيادة الدولة، وتجفيف منابع اقتصاد الحرب، هي شروط جلب التمويل. وكل دولار يُستثمر في الإنتاج هو رصاصة تُسحب من بندقية الفوضى، وكل مشروع تنموي هو شعلة تضيء دروب الوطن بعد سنوات الظلام.
تصريحات وزير الثروة الحيوانية ليست وعداً مالياً فحسب، بل رؤية لدولة تتجاوز أنقاض الحرب لتخطو نحو التنمية المستدامة. إنها رسالة تقول: السودان لا يريد العيش على المساعدات، بل الوقوف على أقدامه، وتحويل جراحه إلى طاقة إنتاج، ورسم مستقبله بيده.
هكذا يبدأ الإعمار الحقيقي: ليس في المؤتمرات أو القاعات المغلقة، بل في الحقول، والمراعي، والمزارع، والمصانع، حيث يُعاد تعريف الوطن كمساحة للعمل، وحضن للحياة، ولوحة إنتاج تُزين مستقبل الأجيال، لا كساحة للدم والفوضى.