![]()
«حين تُصافِحُ أنقرةُ الخرطومَ… سيادةُ الدول تُكتَبُ بالحلفاءِ لا بالوصاية»
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
في لحظةٍ إقليميةٍ تتشابك فيها الخرائط كما تتشابك المصائر ويُعاد فيها تعريف الصديق والخصم لم يكن اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إير بسفير جمهورية تركيا لدى السودان فاتح يلدز مجرد محطة بروتوكولية في سجل الدبلوماسية بل كان تعبيراً سيادياً عن وعيٍ سياسيّ يدرك أن معركة السودان اليوم ليست فقط في ميادين القتال بل في فضاءات الشرعية والتحالفات وصناعة المواقف الدولية التي تحمي الأرض قبل أن تحمي الحكومات
هذا اللقاء جاء كبيانٍ غير مكتوب مفاده أن السودان وهو يعيد ترتيب بيته الداخلي لا يطرق أبواب العالم بيدٍ مرتعشة بل يفتحها بثقة الدولة التي تعرف ماذا تريد ومن يقف معها ومن يساوم على جراحها فحين يعبّر مالك عقار عن تقدير الحكومة السودانية للدور التركي في دعم السلام والاستقرار فإنه لا يقدّم مجاملة دبلوماسية بل يضع حجراً في أساس شراكةٍ تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل وهي القاعدة الذهبية لأي علاقةٍ متوازنة في عالمٍ يعج بالوصايات المقنّعة
ومن أنقرة جاء الصوت منسجماً مع هذا المنطق حين أكّد السفير التركي استعداد بلاده للعمل مع السلطات السودانية لحماية وحدة أراضي السودان وسيادته واستقلاله وهي رسالة تتجاوز الكلمات إلى ما يشبه التوقيع السياسي على خريطة السودان واحدةً غير قابلة للتجزئة ولا للابتزاز الدولي في زمنٍ تُختطف فيه الدول تحت شعارات إنسانية زائفة أو وصايات سياسية مهذبة
والبعد الإنساني في هذا اللقاء لم يكن تفصيلاً ثانوياً فحين تتحدث تركيا عن أربع سفن من المساعدات الإنسانية وصلت خلال شهرٍ واحد فإنها ترسل إشارةً مزدوجة الأولى أن السودان ليس متروكاً في عزلته والثانية أن الشراكة لا تُقاس فقط بمواقف في قاعات المؤتمرات بل بقدرة الحلفاء على الوقوف مع الشعوب في لحظات الألم وهذا البعد الإنساني يكتسب في الحالة السودانية قيمةً سياسية عميقة لأنه يعيد ربط الداخل المنهك بشبكة تضامن خارجية تحترم الدولة ولا تتجاوزها
سياسياً يحمل هذا التقارب معنىً استراتيجياً بالغ الأهمية فتركيا لاعب إقليمي يمتلك ثقلاً في الشرق الأوسط وفي دوائر القرار الدولية وتعزيز علاقتها بالسودان يفتح للخرطوم نافذة على فضاءٍ أوسع من التوازنات يمكن أن يُستثمر لإعادة صياغة موقع السودان في الإقليم لا بوصفه ساحة أزمات بل بوصفه شريكاً في الاستقرار وممراً للمصالح ومفتاحاً للجغرافيا الأفريقية العربية
إن ما جرى في مكتب نائب رئيس مجلس السيادة هو أكثر من لقاء سفير هو لحظة تقاطع بين حاجات السودان للشرعية والدعم وبين رغبة تركيا في شراكةٍ قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن وفي عالمٍ لم يعد يعترف بالضعفاء فإن مثل هذه اللحظات هي التي تصنع الفارق بين دولةٍ تُدار من الخارج ودولةٍ تعيد كتابة موقعها بيدها
وهكذا يخرج هذا اللقاء من حدود الخبر إلى فضاء الدلالة السياسية العميقة ليقول إن السودان وهو يعبر نفقه التاريخي الصعب لا يسير وحده وإن أنقرة اختارت أن تكون في صف الدولة لا في هوامش الفوضى وأن العلاقات بين البلدين لم تعد مجرد سطور في بروتوكول دبلوماسي بل أصبحت معادلةً سياسيةً وإنسانيةً عنوانها الشراكة في زمن الاضطراب والسيادة في وجه العواصف