![]()
إن أكثر من تلاعب بهم البرهان وسماسرة الحركة الإسلامية هم أهل الجزيرة؛ أولئك الذين تُركوا في العراء بلا حماية، ثم قُدِّموا قرباناً في وضح النهار. لقد ضحّى بهم بلا تردد، وباع كرامتهم بثمنٍ بخس حين تسربت معلومات بالغة الخطورة عن رفض تسليح المقاومة الشعبية، والإهمال المتعمد لتحصين دفاعات الجزيرة — تلك المنطقة التي تُعد الخاصرة الأقرب للعاصمة، بل المتداخلة معها جغرافياً واستراتيجياً من كل الاتجاهات.
تجاهل البرهان كل ذلك عن قصد، لا جهلاً ولا سهوًا، بل خوفاً من أن تتحول أنظار الدعم السريع نحو دائرته الخاصة. فاختار الطريق الأسهل: أن يكون إنسان الجزيرة المغلوب على أمره هو الضحية. وهذا ما حدث فعلاً… تُركت الأرض مكشوفة، والناس بلا سند، ثم وقعت الكارثة.
انسحب الدعم السريع لاحقاً من تلك المناطق، تاركاً وراءه متعاونين، وجاء آخرون بوجوه جديدة ومشاهد مصطنعة ليصنعوا بطولة وهمية ويعلنوا أنهم “حرروا” الأرض. لكن الحقيقة التي لا تقبل التزييف أن ما جرى لم يكن تحريراً، بل انسحاباً مكشوفاً في وضح النهار.
ليست هذه الوقائع موضع جدل؛ إنما الفضيحة الحقيقية تكمن في زيارات البرهان الأخيرة لمناطق الجزيرة المنكوبة. جاء بلا خجل، تحيط به أسوأ بقايا الكيزان، يتقدمهم كيزان الجزيرة أنفسهم، ليعيدوا تلميع صورته الباهتة بقوة السلاح، بينما يقف خلفهم بسطاء فقدوا كل شيء، يهتفون لمن باعهم وتخلى عنهم. والمفارقة المريرة أن من يُصفقون له اليوم هم أنفسهم ضحايا قراراته.
والأشد مرارة أن أهل الجزيرة — رغم تضحياتهم — سيدفعون الثمن مرات ومرات. فأبناؤهم داخل الجيش وجودهم في كثير من الأحيان صوري، لا يملكون مفاتيح القرار ولا يجلسون على موائد صناعته، مع أن الآلاف منهم يدخلون الكلية الحربية كل عام. غير أن مطبخ القرار الجهوي، بحسب ما يراه كثيرون، يظل مغلقاً أمامهم حين يتعلق الأمر بالمناصب الكبرى التي تصنع اتجاه القيادة أو تغيّر موازينها. وهكذا تبقى دوائر النفوذ محكمة، تتداولها وجوه بعينها، تقاتل للحفاظ على احتكار القيادة والقرار، في مشهد لم يعد سراً بل واقعاً مكشوفاً.
وقمة الأسف أن أهل الجزيرة — وهم من أكثر فئات البلاد تعليماً ونضجاً واستقراراً — لا يلتفتون إلى أنفسهم بما يكفي، فيُدفع بهم إلى موقع التابع لا الفاعل، رغم ما يملكونه من رصيد بشري ومعرفي يؤهلهم لغير ذلك. ضعف حضورهم في مراكز السلطة ليس قدراً، بل نتيجة عوامل معروفة، بعضها مفروض عليهم وبعضها نابع من زهدٍ أو انصرافٍ عن معارك النفوذ.
ما حدث في الجزيرة ليس حادثة عابرة، بل مرآة لخلل عميق في ميزان القوة والتمثيل. ومن لا يقرأ الدرس اليوم، قد يجد نفسه غداً يدفع الثمن مرة أخرى… ولكن بلا فرصة للاعتراض.