خواطر رمضانية

خواطر رمضانية

Loading

لما أحيل والدي على التقاعد وعاد إلى البلدة، رأى جيراننا أن يتحولوا منذ أول الشهر الفضيل إلى الفسحة الممتدة أمام دارنا، وقد حمل كل منهم طعامه الذي اعتدنا أن نتناوله عادة في إفطارنا كل عام: بلحات وماء و(كورية الأبري) المعروفة، والتي طعمت بحلاوة التمر المبلول ومذاقه الخاص، ثمَّتَ قمنا إلى صلاتنا.. ولم يعجب والدي ذلك، قال: وأين الطعام؟.. كان ينتظر طعاماً مما نأكله في غير رمضان..  قال أحدهم: هذا ما اعتدنا عليه.. وزاد عم علي: إن ما تدعونا إليه هو طعام العشاء.. أما في الإفطار فهذا ما اعتدنا عليه.. ثم غيَّر نبرة صوته وهو يقول: إن من حسن حظنا هذا العام أننا في موسم نضج اللوبيا.. وما أجمل بليلة اللوبيا مع حبات التبش الحلو، سنأتيك بها غداً.. وتداركنا جار آخر بحل مناسب، قال: لم لا يأتي الحاج محمد بما يهوى من طعام، ونأتي بما اعتدنا عليه، ونأكل من هذا وذلك!! فتوافقوا عليه.. مع تعديله إلى أن يتناوبوا في تقديم الطعام.. ثم أخذوا بأطراف الأحاديث بينهم، وشرَّقوا وغرَّبوا، وجلبنا لوالدي شيشته بنارها. وأخذ المدخنون راحتهم، وصببنا لهم الشاي مثنى، ومنهم من تجاوز إلى الثالثة ..
        وقبل أن ننعم بحلاوة الاتفاق طويلاً؛ انفجرت مشكلة صلاة التراويح، لما صلى بهم والدي بإحدى عشرة ركعة؛ وهم يرونها لا تصح إلا بثلاث عشرة ركعة واحتج أحدهم بأننا على مذهب مالك، فضحك الحاج وقال: إن المختار في المذاهب الأربعة هو عشرون ركعة. ثم يوترون بثلاثة.
               ووجد بعضهم في تجاذب أطراف الحديث سبباً في البقاء بعد التراويح، ورأى الشيخ أن يعد لكل ليلة درساً.. فارتاد مجلسنا آخرون من غير نجعتنا.. ثم يمتد السهر، كما يمتد في غير مجلسنا، إلى وقت متأخر من الليل. ثم يتحولون نهاراً ولا سيما الشباب منهم إلى ظلال النخيل في أطراف النيل، وقد يبتردون من وقت لآخر، ثم يواصلون حديثهم، أو يلعبون الورق، ويشتد الحماس بينهم، وترتفع أصواتهم.. لكنهم إذا أوشك النهار على المغيب، ينفضون عن ملابسهم ما علق بها من تراب، ويتركون معه خلافهم.. وأخذوا بأيدي بعضهم، وعادوا إلى بيوتهم..
           في إحدى العطلات الصيفية شهدت شهر رمضان في قرية مجاورة، وفي اليوم الأول منه ذهبت ابتغي قتل الوقت عند أحد أصدقائي، كان منزلهم مشرفاً على النيل.. وجدته يتهيأ للخروج، لما رآني دعاني لاصطحابه إلى إحدى الجزر القريبة منهم، لم أتردد في الموافقة، وفي الجزيرة مضت الساعات بسرعة ، عندما عدنا وجدنا صاحب المركب ينتظرنا غاضباً، لأننا أخذنا مركبه دون إذنه، فلما قاسمه صاحبي ما جلبه من القش لغنمهم، سُرَّ وذهب معنا لتناول الفطور، وأصبح هذا ديدننا،   وزاد عددنا.. وتحولت الجلسات إلى لعب الورق، وشيء من الغناء، ونتغاضى عمن لا يجد بأساً في تناول ماءٍ خلسةً ثم علناً، وبدأ بعضهم يدخن بعيداً من مجلسنا في البداية.. قال لي صديقي وقد اتخذ شيئاً من الجدية: يكفي أنهم يعرفون حرمة الشهر، فابتعدوا عن الناس.. إنهم يتناقشون كشأنهم كلما التقوا.. نقاشهم لا يخرج عن أخبار كرة القدم، وقد يتحولون إلى أمور السياسة، صحيح أنهم يحتدون في جدالهم، ويلعنون ويشتمون.. لكنهم كما ترى طيبون.. طيبون..
في طفولتنا كنا نقصد غابات النخل.. فنجد ثلاثتهن، وقد اتخذن لهن متكئاَ في مظلة، وقد تخففن من ملابسهن، وقد أَمِنَّ ألا يطل عليهن رجل، وما كان لمثلهن أن يحترسن، وقد تجاوزهن ما للنساء من زينة أو فتنة قبل عقود.. لكنهن كن يسلقننا بألسنة حداد، وقد عرفن أنا ما جئنا إلى ساحتهم إلا لما في تلك الأنحاء من رطب شهي، فإذا غفلن عنا نلنا ما نريد.. لا يمنعنا ما يربطونه حول النخل المثمر من شوك، ولا يحول بيننا وبين الرطب ارتفاع سيقان النخل ولو سمقت وطالت..
                في أوائل الثمانينات، وجدت نفسي أواجه حر مدينة دنقلا صائماً ، كان ذلك يدعوني أن أخرج من الدار صباحا وانتحل من الأسباب ما يقودني إلى من أنعم الله عليه في مكتبه بجهاز تبريد، وأبحث من الحديث والأعذار ما يدعوني لزيارته، ويضيق المكتب بما رحب بأمثالي، فيبحث كل منا مكاناً أقل اكتظاظاً إلى أن وجدت  شجرة ورَفَ ظلُّها ، وفرش أحدهم تحتها رملاً ناعماً يرشه، فصادقته، وتطفلت عنده، وأصبحت أجد طريقي إلى الشجرة وفيئها، وأساهم في إزالة الأذى من رملها الناعم، وقد أساهم في رشها؛ فما  أحلى أن تتساقط عليك قطرات الماء البارد عندما توشك أن تروح في سبات عميق، إنك حينئذِ تجد للذعها متعة..
       في آخر جمعة من رمضان، نقلت للمصلين أن الأصل في زكاة الفطر إخراج صاع من غالب طعام أهل البلد، أي من القمح، وأنه يجوز إخراج القيمة؛ مراعاةً لحاجة الفقير..واحتدم النقاش بينهم عقب الصلاة، بين مجيز للقيمة ومن يرى أنها لا تجوز مطلقاً.. وما يزال النقاش حولها يزداد حدة كل عام!!! وكذا نقاشنا في كل أمر، وترتفع الأصوات في المساجد جدالاً وخلافاً، ويفتي بعضنا على غير علم، ويتعصب كل منا لما يراه جماعته، ونكرر خلافاتنا كل عام حول قضايا بعينها، وما أسهل أن يتهم بعضنا من يراه على خلاف قوله.. ويتهمنا على غير حق الآخرون..
            ومع ذلك فما أجمل ما نراه من جلوس أهل كل حي على قارعة الطريق بما أعدوه من طعام وتسابقهم على دعوة المسافرين وغيرهم لطعام الإفطار، وأعجب منه أننا لما تم قبولنا في مدرسة رفاعة الثانوية،  وفي أول رمضان لنا بالمدينة ، كانوا يبدأون قبيل كل مغرب بتوزيع  كل طلاب الداخلية إلى أحياء المدينة ، ويتنافس كل حي في الحفاوة بنا، والاستكثار ممن يضيفونهم منا، وفي أول خروج لي مع زملائي ، وجدت شراباً وطعاماً ما ألفت مثله عندنا، أما الشراب فقد وجدت له لذعاً لطيفاً في حلقي فاستكثرت منه، قيل لي إن اسمه الحلو مر .. وأما الطعام فقد أعجبني شكله ؛ فيممت نحوه بمعلقتي، فلما وجدته طيباً استزدت منه؛ سألني شيخ كبير: من أي بلاد السودان أنت يا ولدي؟ فلما أخبرته، ابتسم الرجل وهشَّ في وجهي، وبدأ يتناول معي.. ولكن بأصابعه.. فيما بعد عرفت أنه (اللقمة) أو العصيدة، وأنها لا تؤكل كما فعلت بالمعلقة، ولكني لم أجد داعياً لأن أغير طريقتي..         
         ولم يمنعنا اختلافنا عن غيرنا من الطلاب أن نندمج معهم في أنشطة المدرسة وفي علاقاتنا الاجتماعية فيها، وتكونت صداقاتنا دون النظر إلى الأقاليم التي ننتمي إليها.. كان طلاب كل مدرسة يومئذٍ من كل أنحاء السودان.. فلم نضيق ببعضنا اليوم!!  ويوم نقلت معلماً إلى مدرسة خور عمر وجدت أن فلسفة إنشائها قائمة على أن تكون قومية؛ ليشكِّل طلابها نموذجاً من الوحدة كنا بدأنا نفتقدها في المجتمع السوداني.. وكيف لنا أن نتعايش في بوتقة الوطن الواحد ونحن لا نكاد نفهم بعضنا بعضاً!!
ويوم أن انتقلت وأسرتي إلى مدينة كسلا، رأيت أن أتناول طعام الإفطار في الدار، لكني وجدت بعض شباب الحي أقبلوا قبيل المغرب ليحملوا عني الطعام إلى حيث تجمعهم.. ثم ننتقل إلى مفارش صلاة العشاء فالتراويح بعد أن نعبَّ كفايتنا من الجَبَنة على أصولها.. ويوم أن دعوت بعض الأساتذة إلى بيتي أقبل جماعتي في الحي بمفارشهم وأكلهم.. وهمس أحدهم في أذني: ضيوفك ضيوفنا.. إنها قرين الحفاوة التي حظيت بها في بدايات عملي بالتدريس في إحدى قرى المحس، يومها عشت بين أناس لا يزيدهم شهر رمضان كرماً على كرمهم في غيره، وإن لم يكونوا أغنياء إلا في تعففهم وسخاء نفوسهم وطيبتهم التي ترجموها ترحيباً بنا وبمن يحل علينا من ضيوفنا..
           لا شك أننا ننفرد بطبع سليم وسخاء فطري وتدين غير مفتعل.. فكيف نترجم نفحات هذا الشهر الكريم وحياتنا فيه إلى سلوك عام ؟