ذلك الكتاب

ذلك الكتاب

Loading

ذلك الكتاب

د. عمار حسن خميس

متى نلتفت إلى الثروة الحقيقية بين ظهرانينا؟ ما هذا الإهمال، وهذا التوهان، وهذا الغرور والصدود، ونحن نُخاطَب بلفت نظر عجيبة: “ذلك الكتاب”. إن عبقرية اسم الإشارة هنا دليل على عظمة القائل جلّ شأنه، ونحن كل يوم نُحقّق ما قاله سبحانه في هذا الخطاب. 

 

ومن العجيب أن اسم الإشارة “ذلك” يُستخدم للعاقل وغير العاقل؛ فـ”ذا” للإشارة، و”اللام” للبعد، و”الكاف” للخطاب. ما أعظم هذا التعبير، ونحن منقسمون بين عقلاء وغير عقلاء في اتباع “ذلك الكتاب”. فمنّا من ابتعد عنه تمامًا، واللام دليل بُعده، ومنّا من لم يبتعد نطقًا لكنه ابتعد فعلاً، ومنّا من ابتعد قولًا وفعلاً. وهذه الكاف تخاطبنا يوميًا وتحاول أن تعيدنا إلى “ذلك الكتاب”، ولكننا في غفلة ما بعدها غفلة؛ لم نتعظ بأنفسنا، ولم نتعظ بمن تجنّبوا “ذلك الكتاب” فكانت أفعالهم شيطانية.

 

لقد حوى “ذلك الكتاب” كل ما يجعلنا أعزاء كرماء، بما فيه من قيم ومثل وأمثال ليست قصصًا تُروى، بل مواقف حقيقية قالها العظيم سبحانه، ووقعت مواقف مشابهة مرات عديدة، وجعل الفاعلين متغيرات حتى لا يُستحال علينا الاقتداء، كنهج المتغيرات في أخذ القيم المتاحة وترك الخبائث الممكنة.

 

لم يذكر الله في القرآن اسم الرجل الذي جاء يسعى، ولا اسم الرجل الذي قال لآل فرعون: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله…»، بل جعلهما متغيرات في حيز بني آدم. وكذلك قصة أصحاب الكهف، وصفهم بأنهم فتية، ليبقى المشهد قابلًا للتكرار في كل زمان. وذكر سبحانه من قالوا: «إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة…»، ولم يذكر أسماءهم، لأن العبرة في الفعل لا في الفاعل.

 

وذكر الذين قالوا: «لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها»، ليُنبّهنا أن ما ورد في “ذلك الكتاب” ليس بعيدًا، بل هو واقع يتكرر ما دام بني آدم موجودين.

 

انظروا حولكم إلى الذين لم يعرفوا، ولم يهتموا، ولم يعملوا بما ورد في “ذلك الكتاب”؛ ماذا أصابهم؟ وكيف صارت حياتهم؟ نراهم يكبرون ويفقدون السيطرة، فإن لم يفقدوها بقوتهم فقدوها بضعفهم حين جاء العمر، كما قال “ذلك الكتاب”: «من بعد قوةٍ ضعفًا وشيبة». ومع ذلك لم نعتبر.

 

وفي “ذلك الكتاب” وصفٌ دقيق لما نلهث وراءه: لعب ولهو، كما وصف المال والبنين بأنهما زينة وفتنة مؤقتة. وقد ضرب لنا مثالًا واضحًا بقارون، فذكره بالاسم، وذكر ثروته، ثم ذكر مآله. لم يكن ذكره لأنه لن يتكرر، بل لأن تكرار المشهد محدود في فئة معينة من بني آدم، وهم “القارونيون” الذين يملكون الثروة، كما نرى اليوم أن 5٪ من سكان الأرض يملكون معظم ثرواتها. ونشهد في الدنيا ما آل إليه بعضهم، وما سيؤول إليه الباقون.

 

“ذلك الكتاب” ثروتنا التي أهملناها، وانسقنا خلف أشياء حذّر منها “ذلك الكتاب” نفسه. تعاملنا بالكراهية، والحسد، والغيبة، والترفّع، وسوء الظن، وكلها نهى عنها “ذلك الكتاب”. تعاملنا بكل ما حذّرنا منه، ولم نلتفت إلى الخطاب الذي جعل منا عقلاء وغير عقلاء.

 

أما آن لنا أن نلتفت إلى “ذلك الكتاب” ونعمل بمقتضاه، حتى على المستوى الشخصي؟ أما آن أن ننتبه لما فيه، وألا نجعله اسم إشارة لبعيد، بل نقترب من “هذا الكتاب” الذي يهدي للتي هي أقوم؟

 

إذا تعاملنا بمقتضى “هذا الكتاب”، وحاولنا أن نكون أقرب إليه، ولم نترك أنفسنا بعيدين عن خطابه، سينصلح حالنا، ويكون مآلنا كما ذكر “ذلك الكتاب”.

 

ومن أحب أن يرى تفاصيل أكثر، وينتبه أكثر، ويقيس بُعده، فليجلس مع “ذلك الكتاب”، ويقيّم أمره، ويراجع ذاكرته وأفعاله وتفكيره. وإن عجز عن عرض نفسه على ضفتي “ذلك الكتاب”، فليأخذ أمثلة ممن مضوا، ممن كانت أفعالهم وفق “ذلك الكتاب”، أو ممن خالفوه فكان مآلهم كما حذّر.

 

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.