هل تشارك دول الخليج في الحرب على إيران؟

هل تشارك دول الخليج في الحرب على إيران؟

Loading

بتوسّع رقعة الحرب على إيران وزيادة أهدافها، يتجه المشهد إلى مزيد من التعقيد، وما هو أكثر خطورة، وهو زيادة عدد الدول المنخرطة في الحرب.

التطور على الجبهة الإيرانية لم يكن في تكثيف ضرباتها لإسرائيل وعدد من دول الخليج وحسب، بل أيضًا بإعلان حزب الله فجر الإثنين إطلاق صواريخ ومسيّرات على إسرائيل “دفاعًا عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”، كما جاء في بيان للحزب.

وأشار الحزب في بيانه، إلى أنه استهدف بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيّرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع للجيش الإسرائيلي جنوب مدينة حيفا. 

ولم يكن انضمام الحزب لإيران معزولًا عن التنسيق مع الحرس الثوري الذي يبدو أنه منح الحزب الضوء الأخضر للتدخل، إذ لم يكتف الحرس الثوري في بيان على تلغرام بتأكيد قيام حزب الله بمهاجمة حيفا “بستة صواريخ”، بل أكد أن “اليمن سيدخل المعركة أيضًا خلال ساعات قليلة”.


استهداف منشآت الطاقة في السعودية وقطر


تزامن هذا الأمر مع تطور بالغ الخطورة في بنك الأهداف الإيرانية في دول الخليج، باستهداف أكبر منشأتين للطاقة في السعودية وقطر، حيث استهدفت صواريخ إيرانية مصفاة رأس التنورة، إحدى أكبر مصافي النفط في الشرق الأوسط.

كما استهدفت الصواريخ أيضًا منشأة طاقة كبرى في قطر، تقع في رأس لفان في الساحل الشمالي، وهو الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، ما دفع الدولتين وهما من كبار منتجي النفط والغاز في العالم إلى إيقاف العمل في بعض منشآتهما مؤقتًا.

فقد أعلنت وزارة الطاقة السعودية إيقاف “بعض الوحدات التشغيلية” في مصفاة رأس تنورة “بصورة احترازية” بعد استهدافها واندلاع حريق فيها في هجوم بمسيّرتين.

صواريخ إيرانية تستهدف مصفاة رأس التنورة في السعودية – رويترز

ويضم مجمع رأس تنورة، الواقع على الساحل الشرقي للمملكة، إحدى أكبر مصافي النفط في الشرق الأوسط، وهو يُعدّ ركيزة أساسية لقطاع الطاقة في المملكة، أكبر مصدّر للخام في العالم، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمنشأة 550 ألف برميل يوميا.

كما أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في مدينة راس لفان الصناعية ومدينة مسيعيد الصناعية في دولة قطر. 

وجاء الإعلان بعد بيان لوزارة الدفاع القطرية قال إن مسيّرة إيرانية استهدفت خزّان مياه تابعًا لمحطة توليد كهرباء في مسيعيد جنوب الدوحة، بينما استهدفت مسيّرة أخرى منشأة طاقة في راس لفان في الساحل الشمالي. 

تصاعد الدخان بعد قصف إيراني طال المنطقة الصناعية في الدوحة – غيتي

الرياض والدوحة تتوعّدان طهران بالرد


في تصريح شديد اللهجة، على غير مألوف الخطاب القطري، قال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، إن مثل هذه الهجمات (الإيرانية) لا يمكن أن تمر دون رد.

وأضاف في تصريحات لشبكة “سي إن إن “الأميركية:

الهجمات الإيرانية التي تم اعتراضها استهدفت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطار الدولي (..) على إيران أن تدفع ثمنًا عن هذا الهجوم السافر على شعبنا.

من جانبه، رفع الجيش السعودي مستوى جاهزيته (الإثنين)، بعد استهداف مصفاة رأس تنورة.

وكانت الرياض أعلنت السبت الماضي أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها، بعد هجمات وصفتها بـ”الجبانة والسافرة” نفذتها إيران وطالت شرق المملكة ومنطقة الرياض، بما فيها “خيار الرد على العدوان”.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن مصدر مُقرّب من الحكومة السعودية بأن المملكة قد تردّ عسكريًا في حال شنّت إيران هجومًا “مُنسقًا” على أرامكو وبنيتها التحتية النفطية.


هل تستدرج إيران المنطقة إلى حرب إقليمية؟


لماذا تخاطر إيران بعلاقاتها مع دول الخليج، وبعضها يقيم علاقات وثيقة معها منذ عقود، وبعضها الآخر مارس ضغوطًا كبيرة لمنع شن حرب عليها؟

في مطلع فبراير/ شباط الماضي، حذّر المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي من اندلاع حرب إقليمية في حال هاجمت الولايات المتحدة بلاده، ونقلت وكالة تسنيم عن خامنئي قوله: “على الأميركيين أن يدركوا أنهم إن بدأوا حربًا فستكون حربًا إقليمية”.

كان التهديد بتوسيع رقعة الحرب مصلحة إيرانية قبل نشوبها، ونوعًا من الردع وممارسة ضغوط قصوى على دول الجوار الخليجي تحديدًا للتدخل بما يحول دون الحرب.

خامنئي هدد الولايات المتحدة في مطلع فبراير الماضي بحرب اقليمية – غيتي 

وقد تحقّق هذا الهدف جزئيًا آنذاك، فأغلب دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها دولة قطر وسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، انخرطت في دبلوماسية نشطة ودؤوبة داخل أروقة القرار الأميركي لتغليب الحل السياسي واستبعاد خيار الحرب.

لكنّ تيار قارعي طبولها في واشنطن وتل أبيب انتصر على تيار الخيار السياسي في نهاية المطاف، وما كان مصلحة إيرانية (التهديد بتوسيع رقعة الحرب وتحويلها إلى إقليمية) أصبح ضد إيران فعليًا بعد نشوبها، فتحويل “الأصدقاء” في الجوار إلى أعداء محتملين يقلّص الأوراق التي تحوزها طهران ويزيد عزلتها، في مواجهة أعدائها الفعليين: الولايات المتحدة وإسرائيل.

أكثر من ذلك، إن حربًا إقليمية أصبحت في مصلحة هؤلاء (واشنطن وتل أبيب)، لإكساب حربهم على إيران شرعية إقليمية، وتهيئة المسرح السياسي في المنطقة لمرحلة ما بعد الحرب على إيران، بإنشاء “تحالف قهري” بين دول في المنطقة وإسرائيل، باعتبار الجميع هدفًا لإيران، وعليهم التعاون للقضاء على خطرها وتهديدها، ما قد يُستثمر بعد ذلك في ترسيخ ما يسمى السلام الإبراهيمي.


“تحالف قهري” مع إسرائيل


لكنّ إيران التي تلّقت ضربات بالغة القسوة كانت ذروتها اغتيال مرشدها الأعلى علي خامنئي، تقدّم مقاربة أخرى لهذا “التحالف القهري” الذي بدأ يطل برأسه مع بدء الحرب عليها.

فهي ترى أنها لا تستهدف دول الجوار الخليجي بل القواعد الأميركية التي تعتبرها أهدافًا مشروعة بغض النظر عن مفهوم السيادة الوطنية للدول التي توجد فيها هذه القواعد. 

إضافة إلى ذلك، هي لا تعترف أن بعض الأهداف التي قصفتها مدنيةَ خالصة، وبعضها الآخر يتعلق بموارد بالغة الأهمية لهذه الدول (المنشآت النفطية على وجه الخصوص)، ومن شأن استهدافها تقويض مصالح هذه الدول وتعريض سيادتها لخطر وجودي.

هنا، تصطدم مصالح هذه الدول مع علاقاتها مع إيران، وما كان يصب في مصلحة طهران أصبح ضدها، خاصة أن واشنطن تدفع باتجاه القطيعة بين هذه الدول وإيران، والتقارب بينها وبين إسرائيل، وجعله مصيريًا ودفاعًا عن الوجود.

غارات اسرائيلية واميركية على العاصمة الايرانية طهران – غيتي 

أين أخطأت إيران؟

غداة الهجوم الأميركي- الإسرائيلي أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنه “لا حدود” لحق بلاده في الدفاع عن نفسها، وقال لشبكة إيه بي سي نيوز الأحد الماضي:

لا يمكن لأحد أن ينكر حقنا في الدفاع عن أنفسنا. نحن ندافع عن أنفسنا مهما كلف الأمر، ولا نرى أي حدود للدفاع عن شعبنا، لحماية شعبنا.

وفي اليوم نفسه الذي بدأت فيه الهجمات على بلاده، قال عراقجي إنه تواصل مع نظرائه في دول الخليج العربية، وأوضح لهم أن بلاده لن تهاجم بلادهم: 

أوضحت لهم أن لا نية لدينا بمهاجمتها، لكننا نقوم بمهاجمة القواعد العسكرية الأميركية في إطار الدفاع عن النفس.

عراقجي يؤكد أنه لا حدود لحق بلاده في الدفاع عن نفسها – رويترز 

لاريجاني: القواعد أرض أميركية

من جهته، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي يعتبر أقوى رجل في طهران بعد اغتيال خامنئي، أن الضربات الإيرانية تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة وليس الدول التي تستضيفها.

وكتب لاريجاني في منشور على منصة إكس الأحد الماضي:

إلى دول المنطقة: لسنا بصدد الاعتداء عليكم. لكن حين تُستَخدَم القواعدُ الموجودة في بلدكم ضدّنا، وحين تُنفِّذ الولايات المتحدة عمليات في المنطقة اعتمادًا على قواتها هذه، فإننا سنستهدف تلك القواعد (..) هذه القواعد ليست من أرض تلك الدول، بل هي أرض أميركية.

لاريجاني ووزير الخارجية العماني خلال لقائهما في مسقط الشهر الماضي – رويترز 

وشدّد لاريجاني الإثنين الماضي على أن بلاده ستدافع عن نفسها في مواجهة الهجوم الأميركي – الإسرائيلي “أيًا تكن الأثمان”.

وكتب في منشور على إكس: “ما زلنا ندافع بشراسة عن أنفسنا وعن حضارتنا الممتدة ستة آلاف عام، أيًا تكن الأثمان، وسنجعل الأعداء يندمون على سوء التقدير”.


القواعد أميركية والأهداف مدنية


في موازاة التفريق النظري بين سيادة دول الجوار والقواعد الأميركية فيها، نفذّت إيران مئات الهجمات الصاروخية وبالمسيّرات داخل أراضي دول الخليج المجاورة بما فيها سلطنة عُمان، بالإضافة إلى الأردن والعراق.

وأصابت عدد من هذه الصواريخ والمسيّرات عددًا من الفنادق والبنايات ومناطق مدنية، وهو ما يتناقض مع إعلان طهران استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، ومنها: 

  • قاعدة العديد الجوية في قطر

  • قاعدة علي السالم في الكويت


  • قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة


  • قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض بالسعودية


  • القاعدة الأميركية في أربيل بشمال العراق


  • قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن


  • قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين


     

جنود أميركيون في قاعدة بدولة الكويت – غيتي 

هذا وسواه استثمرته الولايات المتحدة للدفع في اتجاه توحيد خطاب الدول التي تتعرّض للهجمات الإيرانية بما يلقي اللوم على طهران فقط، لا واشنطن أيضًا التي تُتهم بعدم التصدي لهذه الهجمات كما تفعل في حالة إسرائيل.

ويعتبر توحيد الخطاب خطوة أولى لرد فعل عسكري منسّق محتمل.


خطاب موحّد ضد إيران


وأصدرت الخارجية الأميركية الأحد الماضي بيانًا مشتركًا مع البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات يندد بالهجمات الإيرانية، ويعتبر “استهداف المدنيين ودول غير منخرطة في الأعمال العدائية سلوكًا متهورًا ومزعزعًا للاستقرار”.

في اليوم نفسه عقد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي اجتماعًا عبر الفيديو، ودعوا إيران إلى وقف هجماتها على أراضيهم، وأكدوا أن دولهم ستتخذ كل التدابير اللازمة لحماية نفسها بما فيها “خيار الردّ على العدوان”.

ووفق بيان أصدره الوزراء فقد ناقش المجتمعون، “الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة” على الإمارات والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت الأعضاء في المجلس، وعلى الأردن.

ووصفوها بـ”الاعتداءات الآثمة” التي تشكّل “انتهاكًا خطيرًا لسيادة هذه الدول، ولمبادئ حسن الجوار، ومخالفة واضحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.

دول مجلس التعاون تندد بالهجمات الإيرانية وتحتفظ بحق الرد – غيتي 

وأكّد البيان “احتفاظ دول المجلس بحقها القانوني في الردّ”، مشيرًا الى أنها “ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها واستقرارها، وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها بما في ذلك خيار الرد على العدوان”.

ما بين يوم الأحد الذي صدر فيه بيان دول مجلس التعاون، والإثنين الذي استُهدفت فيه منشأة للغاز في قطر وأخرى نفطية في السعودية، يبدو أن دول الخليج تتجّه إلى مرحلة جديدة تمامًا في علاقاتها مع إيران: من الجوار والحوار إلى الدفاع عن النفس حتى لو كانت وسائله عسكرية.