![]()
لم تكن أزمة الإسلاميين في السودان مجرد تعثر سياسي داخل حدود السلطة، بل كانت في جوهرها أزمة إدارة دولة، ظهرت بوضوح في كيفية التعامل مع محيط إقليمي شديد الحساسية، وعلى رأسه دول الخليج. ففي تلك المساحة التي تُدار فيها العلاقات بحسابات دقيقة من الثقة والمصالح، اختار الإسلاميون طريقًا مرتبكًا، جمع بين اندفاع أيديولوجي وعدم وضوح في الرؤية، فكانت النتيجة خسائر سياسية واقتصادية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
الإشكال لم يكن في وجود خلافات، فذلك أمر طبيعي بين الدول، وإنما في تحويل تلك الخلافات إلى سياسة خارجية متقلبة، لا تستند إلى ثوابت الدولة بقدر ما تعكس مزاج التنظيم. في كثير من المحطات، بدا السودان وكأنه يرسل رسائل مزدوجة؛ خطاب يطمئن في العلن، وممارسة تُربك في الواقع، وهو ما أضعف الثقة وخلق حالة من التردد لدى شركائه في الخليج.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن الارتباك لم يقتصر على السياسات، بل امتد إلى الخطاب ذاته، بما يحمله من رسائل صادمة لحلفاء مفترضين. ففي حديث متداول مؤخرًا، ذهب العميد طارق كيجاب إلى حد الدعوة لاستهداف بنية تحتية مدنية في دول الخليج، وهو طرح لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيرًا عن خلل عميق في تقدير عواقب التصعيد، وفي إدراك طبيعة العلاقات التي يفترض أن تُبنى على المصالح المشتركة لا على التهديد.
وإذا عدنا إلى بدايات عهد عمر البشير، نجد أن الإشكال لم يكن وليد اللحظة، بل امتد إلى الخطاب الرسمي وشبه الرسمي في تلك المرحلة. فقد برزت خطابات مفتوحة لللواء يونس محمود حملت نبرة حادة تجاه ملوك وأمراء الخليج، تجاوزت حدود النقد السياسي إلى لغة أقرب إلى التصعيد، وهو ما عكس في حينه حالة من التوتر غير المبرر مع عمق إقليمي كان يفترض الحفاظ عليه لا استعداؤه.
مثل هذه الخطابات، سواء صدرت في سياق داخلي تعبوي أو ضمن صراع سياسي، لم تكن بلا كلفة. فالدبلوماسية لا تُدار عبر المنابر المفتوحة بل عبر قنوات محسوبة، وأي تجاوز في اللغة يتحول سريعًا إلى مؤشر على طبيعة التفكير داخل الدولة. وهنا تحديدًا، بدأت صورة السودان تهتز كشريك يمكن الوثوق به، لا بسبب خلافات جوهرية، بل بسبب أسلوب التعبير عنها.
غير أن المسار العام للتجربة الإسلامية مضى في الاتجاه ذاته. ففي تسعينيات القرن الماضي، وتحت تأثير رؤية حسن الترابي، اتجه السودان إلى خيارات خارجية وضعت علاقاته مع الخليج في مهب الريح، سواء عبر احتضان شخصيات وتنظيمات مثيرة للجدل، أو عبر الانخراط في تحالفات لم تكن منسجمة مع طبيعة محيطه العربي. لم يكن ذلك مجرد اجتهاد سياسي، بل كان انعكاسًا لقراءة أيديولوجية غلّبت التصور الفكري على حسابات الدولة.
ثم جاءت مرحلة المفاصلة بين حسن الترابي وعمر البشير، لتكشف عمق التناقض داخل المشروع نفسه. فبدل أن تكون لحظة مراجعة، تحولت إلى صراع على النفوذ، انعكس بدوره على السياسة الخارجية، فازدادت المواقف تذبذبًا، وتعمقت الفجوة مع شركاء إقليميين كانوا يبحثون عن وضوح لا عن تناقض.
وفي سنوات لاحقة، حاولت الحكومة إعادة التموضع عبر التقارب مع دول الخليج والانخراط في تحالفات إقليمية، لكن هذا التحول جاء متأخرًا ومحمّلًا بإرث من الشكوك. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى بقرارات مفاجئة، بل بتراكم الثقة، وهي الثقة التي تضررت بفعل سنوات من السياسات المتقلبة وخطابات التصعيد.
كما أن الخطاب السياسي ظل في كثير من الأحيان يحمل ازدواجية واضحة؛ لغة هادئة للخارج، وأخرى تعبئة للداخل، وهو ما أضعف المصداقية. فالدول لا تتعامل مع النوايا، بل مع سلوك يمكن التنبؤ به، ومع شريك يعرف ما يريد وكيف يلتزم به.
في المحصلة، لم تكن المشكلة في طبيعة العلاقة مع الخليج بقدر ما كانت في طريقة إدارتها. فقد تعامل الإسلاميون مع هذه العلاقة كمساحة للمناورة، لا كعمق استراتيجي ينبغي الحفاظ عليه وتطويره. وبين خطاب متوتر وسياسات متقلبة، ضاعت فرص كبيرة كان يمكن أن تسهم في استقرار السودان اقتصاديًا وسياسيًا.
الدرس الأوضح من هذه التجربة أن إدارة الدولة تختلف جذريًا عن إدارة التنظيم. فالسودان، بحجمه وتعقيداته، لا يحتمل سياسات مترددة أو خطابًا مزدوجًا، ولا يحتمل كذلك لغة تصعيدية تُقحم البلاد في صراعات لا طاقة لها بها. وأي مشروع سياسي لا يدرك هذه الحقيقة محكوم عليه بأن يعيد إنتاج ذات الأزمة، مهما تغيّرت الوجوه أو تبدلت الشعارات.
دالاس/ تكساس
الجمعة الجامعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦