يا عبد الرحمن يا صديقي..

يا عبد الرحمن يا صديقي..

Loading

يا عبد الرحمن يا صديقي..
أرسلت لي أمك هذه الصورة والتي لم أرها من قبل، ولا أذكر متى وأين كانت، فأخذني الحنين لأكتب إليك…
نشبت الحرب، واتسعت دوائر الدم في بلادنا يا صديقي، ولا أدري لِمَ أخبرك بما تعلم! وأنا الذي يعلم أنك افتقدت حسيس أقدام أمك وهي تزور قبرك صباح كل جمعة، ولكن أردت أن أحكي لك أوجاعي، ولأقول لك إنك كنت أكثر حظًا ممن قُتلوا من بعدك، وأن عزاءنا يا حبيب الروح أننا قد حملناك لمرقدك وقبرناك، وهذا ترف وسمو ورفاهية لم يجدها من قُتلوا بعدك في الحرب، حيث لم يُشيّعهم الآباء ولا الأمهات ولا الأهل ولا الأصدقاء كما فعلنا معك، بل حتى إن الكثير منهم لم يجدوا مكانًا بجواركم ليكون عنوانًا لأبديتهم يُزار حين يعم السلام؛ منهم من قُبر حيث هو، ومنهم من تحللت جثامينهم هكذا في قارعة الطريق، ويا للعار.
وأردت أن أقول لك إن دمك قد تقزّم أمام ما سُفح من دم بعدك، وأنت تعلم كم وددت أن يكون دمك آخرها، ولكن الآن تعقدت الأشياء، وصار كلٌّ يرى من موقعه أن هناك دمًا يخصه هو الأكثر قداسة، ولا بد أن يأتي بمقابله من آخرين، ليس مهمًا من هم؛ منهم أناس فقط وضعتهم الأقدار أمامه، ولكن المهم أنهم أناس يعرف أنهم لا يجب أن يكونوا أحياء.
وددت أن أخبرك أيضًا أن هناك دمًا كثيرًا بعدك يخص آخرين، وكلٌّ يرى أنه دم تم بذله لمبدأ، والكل يرى أن دمه مقدس، فنحن يا ولدي لم نتعلم بعد أن نرى الصورة الكلية بأن كل هذا الدم [يخصنا] نحن أهل السودان، وأن هدره شيء يجب أن يتوقف، وأن قبول الانتهاك لحياة ما في أي مكان في بلادنا إنما هو صك لهدر دماء أكثر في مكان آخر، وأن استمرارنا في الاعتداء على حقنا جميعًا في الحياة هكذا مأساة وعار.
تعقدت الأشياء يا ولدي؛ نُهبت البيوت، وهُجّر الناس قسرًا، وانتهكت الحرمات، واغتُصبت النساء، وكل ما كان لديّ من مجال للحديث عن التسامح صار ضيقًا جدًا ومستفزًا جدًا، ومن حق الناس أن يستهجنوا هذا النوع من الحديث، فصرت كثير الصمت، فهذه هي الحرب؛ فهي لا تلد إلا بؤسًا وخرابًا.
من الصعب يا صديقي، ومفهوم عندي جدًا في مثل هذه الدرجات العالية من الانتهاك، أن لا تتحدث عن التسامح؛ لأن درجة الاعتداء على حياة الناس وممتلكاتهم، والتي تكونت بصبر السنين، من الطبيعي أن تقابلها رغبة في رد الحقوق واستعادة الكرامة، والناس هنا في الأصل ليسوا من دعاة العنف في أصلهم، لكن مجبورون على قبوله والسير في طريقه كحل، لذلك تجدني أقل رغبة في الحديث؛ فكيف لدم تقزّم لهذه الدرجة أن يطلب من دم كثير أن يسمع صوته؟ وكيف لدم قديم أن يقنع دمًا جديدًا لم يخرج من صدمته بعد أن يهدأ!
تعقدت الأشياء يا ولدي لأننا، على ما يبدو، لا نحسن العيش معًا، ونحن على ما يبدو أقرب الشعوب لوصف الرب حين قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
صدق الله العظيم.
يبدو أن حظنا نحن أهل السودان من هذا الوصف الإلهي عظيم جدًا، فنحن نجادل الآخر منا حتى قبل أن يبدأ بالكلام، فإذا أراد أحد قول شيء ما فهو مجرم.
وصار عاديًا أن نسمع أن الناس ودمهم ومالهم وعرضهم إنما هم أدوات الصراع؛ لأن من يريد الحرب إنما يريدها لسلطان قديم، ومن يسعى لوقفها ليس إلا طمعًا في سلطان جديد، أما من يريدون الحياة فلا يهتم لأمرهم أحد.
وددت أن أخبرك أن الناس في بلادنا انقسموا بين مؤيد للحرب ورافض لها، ولكل رأي، وأن الحرب بينهم أكثر ضراوة من التي بين الجيش والدعم، وأن الناس فيهم من يرى أن البقاء مع مؤسسات الدولة هو الكرامة والشهامة والرجولة، وأن غير هذا الموقف خيانة للوطن تستوجب الدم والموت، وفيهم من لا يرى ما وقع على الناس من الانتهاكات العظيمة بحقهم غير أن عليهم فقط أن يقبلوا هكذا دون مساءلة، وأن يدخل الناس في إطارٍ مستواه متحكم في من هم الوطنيون ومن هم الخونة، وغالب أهل البلاد يعيشون في شتات بعيدًا عن خصوصياتهم وذكرياتهم؛ منهم من تسندهم مدخراتهم وأهلهم وعلاقاتهم الحميمة، ومنهم من صار نهبًا لتجار الأزمات يقتلونهم بطرق موت أخرى.
لا أدري يا صديقي كم من الدماء والخراب يحتاج أهل هذه البلاد ليدركوا أن سيادة مبادئ دولة القانون والمؤسسات هي التي تعصمهم من أذى بعضهم البعض ومن كراهيتهم لبعضهم البعض، ومتى يختار الناس طريق الحياة.
ولو سألت عني يا صديقي فاطمئن، فأنا ما زلت أحيا بين الناس، وبذات الغباء الذي رأيتني عليه يوم رحيلك، أبيع على الطرقات ما تبقى من دمك لعلها تشع أمنًا وسلامًا ليسير فيها من شاء آمنًا مطمئنًا، ولا زال البعض يرى فيّ خيرًا، والبعض يراني تافهًا أعيش في ضلالي القديم… وأنا لا أرى جمالًا إلا بقربكم يا سيدي وصديقي، فقد غبت عني وغبت عنك كثيرًا…
الصادق سمل
والد الشهيد عبد الرحمن
27 مارس 2024