ما جرى بوصولي أمريكا

ما جرى بوصولي أمريكا

Loading

في مطار مدينتنا  سياتل حسناء ولاية واشنطن المحاددة كندا، وهي من المدائن التي ستستضيف كأس العالم هذا العام لم أكلف بفتح الحقائب ال 4، التي يحتل نصفها الأبري والحلومر وشيء من تمر القنديلة، فضلا عن شمار السليم عالي الجودة ذي النكهة الأخاذة فأسرعت للخروج، الذي صادف المنفذ التاسع بين أكثر من 30 بوابة مهيأة لحركة المقبلين والمدبرين، صدقوني تمنيت مثلها في مطار الخرطوم .. عاصمتنا حبيبتنا في كل الأحوال، خاصة عند الملمات المدلهمة.
بعد نصف ساعة في شوارع المدينة الملساء الخالية من أي شق أو طق أهبط من السيارة في حديقة البيت متثاقلا، متعبا بعد رحلة مرهقة امتدت نحو يوم ونصف بين قيد حزام الأمان، ولست أدري أي أمان في طيات السحاب!؟ ومطارات القاهرة والدوحة ثم سياتل.
بالكاد سلمت على ناس البيت بعينين مثقلتين يغالبهما النعاس فإذا على مائدة الطعام سمك طازج تناديني رائحته النفاذة التي توقظ الشهية فحاورت نفسي:
أيهما أحق بالأولوية: سريري أم معدتي؟
حسم الأمر تفكيري التصالحي المألوف بأهمية الجمع بينهما حتى لا يوقظوني من قلب النوم لأتغدى والنهار الحين ينتصف!
سريعا تناولت قدرا من السمك الذي أشتهيه وفور غسل يدي غطست تحت بطانيتي شبه التقيلة، وسرعان ما تلقفتني أرجوحة الأحلام المتقاطعة.
خلال الأيام التالية بفعل البرد والرهق ظللت معظم الوقت أتوارى تحت بطانيتين فيما توشوش الدفايات تبث دفئا، فضلا عن جهاز استخلاص ماء الرطوبة من جو البيت وجدرانه، رغم أن الأحباب في سياتل كانوا يداعبوني وأنا بالسودان:
شردت من البرد، وهو خفيف هذا العام!
دة الخفيف؟!
سعدت جدا بلمتين زاهيتين جامعتين  في العشر الأواخر من رمضان فمجتمع سياتل المتحاب دوما في الموعد فقد ودعونا هكذا قبل عام عند رمضان وها هم يزدان بهم بيتنا لدى عودتنا .. الرجال تمتلئ بهم صالتان في ضحك ومحبة ومسرة، وربات البيوت وأطفالهن يضج بتفاعلهم الجميل الطابق الأسفل، يا لروعتهم!
قبل أيام كعادتي صحوت مبكرا وفوجئت بالثلج يفترش حديقة البيت بدءا بعتبة الصالة، يبدو أنه جاءنا من باب الترحاب فهذا التساقط فريدته هذا العام.
مشهد أعاد لذاكرتى وأنا حديث عهد هنا قبل أعوام كيف فوجئت ذات صباح بطبقة من الزبادي الأبيض الناصع يتكاثف باطراد تفترش النجيل وقمم أشجار الصنوبر والتفاح والكرز وسطوح سياراتنا وظللت مشدودا في دهشة لجهلي حتى صاح خلفي أحدهم وهو يحدق عبر الزجاج:
التلج جانا!
إذن هذا هو الثلج، ولكنه مختلف عن ألواح الثلج ومكعباته الشفافة التي أعرف!
هو أنا بعرف حاجة؟!
” .. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ..”
أنظر على المدى فإذا كل ما حولنا غارق ثلجا عدا الطريق الرئيس المحاذي، الذي يخضع لكاسحات ومعالجات فورية تتعهدها فرق متخصصة رجالية، نسوية بزي ملون موحد، فلا غرو فألسكا بلد الإسكمو والقطب الشمالي قلب جليد الدنيا من هنا فركة كعب.
قبيل حلول عيد الفطر بيوم قلت لنفسي:
ترى من سيكون السباقون في تهنئتي؟!
جاءت النتيجة خلال ساعة:
.. د. عثمان صادق، قرقود، السعودية
.. الأستاذ شاهر عبد الحليم، تبج .. عبري
.. د. سيف نوري، كجبار، لندن
وتضاعف امتناني لهم بأني استثمرت بطاقاتهم المنتقاة في معايداتي.
ثلاثتهم الفوز حليفهم في حيواتهم
دامت معزتنا
.. ثم تدفقت التهاني والأماني، شكرا أجمعين، حتى من تكاسلوا فتغافلوا، أنوه بهذا تعزيزا للوصال فبه تأتلق المحبة، وأبهجني بعض الأحبة الذين باعدت الأيام بيننا بمبادراتهم الرقيقة.
صباح العيد تابع المطر تسكابه بعناد ما حرم آلاف المصلين من أداء الصلاة على أرضية ملعب مكشوف مهيأ معتاد فلجأوا للمساجد، وكان من نصيب المسجد الأقرب الأفسح، الذي ابتناه الصوماليون ويرعونه وهم أصحاب نشاط تجاري ملحوظ 4 دفعات متتابعة ضمت رجالا ونساء من كل المكونات السكانية.
خرجنا في ترويحة أسرية والشمس الخافتة تتوسط السماء لحديقة عند بحيرة ناعسة تسبح فيها أسراب البط في وداعة فجلسنا على الأرائك نمتع النظر باللوحة الجمالية، ويزدهي مجلسنا بإنسانة رائعة ستبارحنا إلى مدينتها غدا تاركة لنا فراغا عريضا ثم اتجهنا لمطعم مكسيكي حيث تناولنا الغداء، وبما أني كنت أرتدي جلابية عيدية واعتمر عمة ترباسية كان بعض رواده يطيلون النظر تجاهي في تساؤل ودهشة.
قصدنا بعدئذ معايدة أسرة عزيزة، لكنا لم نحظ بهم في الدار، فأسفت لأن عميدة الدار الحاجة الأنموذج أجرت في غيابي عملية نقل كلية ناجحة وهي من فرط طيبتها يبدو لك أن كل فضائل الدنيا سكبت في أعماقها.
عند الأصيل وصلنا تجمعا أسريا فاعلا يحتفلون بالعيد فامتد الأنس لما بعد المغرب فآثرنا العودة للبيت، مختتمين برنامج اليوم الأول مع التلفزيون، ومتابعة المستجدات الملتهبة.
هكذا تدحرجت عجلى أيام العيد الزاهية برامجه.
كل عام أنتم والسودان في وثبة استقرار وإنتاج وعدالة.