بعد هرمز.. ما تداعيات إغلاق مضيق باب المندب المحتمل؟

بعد هرمز.. ما تداعيات إغلاق مضيق باب المندب المحتمل؟

Loading

بعد مرور شهر على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، التي مثّل العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران شرارتها الأولى، أعلنت جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن دخولها الحرب دعمًا لإيران وحزب الله في لبنان.

ففي 28 مارس/ آذار الفائت، أطلق الحوثيون أول عملية برشقة صاروخية استهدفت مواقع عسكرية حساسة في جنوب فلسطين المحتلة، متوعدين بالتصعيد ومهددين بإغلاق مضيق باب المندب.

ويقع المضيق بين اليمن في شبه الجزيرة العربية، وإريتريا وجيبوتي في القرن الإفريقي. وهو يصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكّل البوابة الجنوبية لقناة السويس.

ويبلغ عرضه نحو 26 إلى 32 كيلومترًا، فيما يصل متوسط عمقه إلى 150 مترًا، وتنتشر بين أجزائه بعض الجزر البركانية.

وفي أضيق نقطة فيه، التي لا يتجاوز عرضها 26 كيلومترًا، يقتصر مرور ناقلات النفط على ممرين للدخول والخروج، بعرض ميلين فقط لكل منهما.


أهمية جيوسياسية


تكمن الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب في مفارقة لافتة؛ فالمعضلة لا ترتبط فقط بالتنافس على السيطرة عليه، بل أيضًا بغياب مرجعية ضابطة قادرة على تأمين هذا الممر الاستراتيجي. ويُعد هذا الفراغ الإداري نتيجة مباشرة للوهن السياسي والأمني الذي تعانيه الدول المشاطئة على ضفتيه.

  • في الغرب، ظل الساحل الإفريقي أسير الاضطرابات، من النزاع الحدودي بين إريتريا وجيبوتي الذي استمر عقدًا كاملًا بين عامَي 2008 و2018، إلى الانخراط الإريتري المتجدد في الصراعات الإثيوبية عام 2022، فضلًا عن الهشاشة الأمنية المزمنة في الصومال.

  • أما في الشرق، فإن الحرب المندلعة في اليمن منذ عام 2015 أجهزت على أي فرصة لممارسة سيادة فعلية أو تأمين مستدام للمضيق.

رغم ذلك، تسيطر جماعة الحوثي على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وقد أظهرت خلال السنوات الماضية قدرتها على استهداف السفن بالطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية. وإذا نُفذ هذا التهديد بصورة منسقة ومستدامة، فلن تقتصر عواقبه على المنطقة، بل قد تمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي برمّته.

 يعد مضيق باب المندب من أهم مسارات تصدير النفط وحركة السفن بين آسيا وأوروبا – غيتي

ارتباط بقناة السويس


وفي هذا السياق، يؤكد معهد الشرق الأوسط للدراسات (MEPEI) في بوخارست أن الأهمية الجيوسياسية للمضيق تنبع أيضًا من الارتباط الوثيق بقناة السويس ودورها المحوري في سلاسل الإمداد العالمية. فقد تسبب تعطل سفينة الحاويات إيفر غيفنلمدة ستة أيام في قناة السويس عام 2021 في خسائر قُدّرت بنحو 9 مليارات دولار يوميًا في حركة التجارة، ما يعطي تصورًا عن حجم الكلفة المحتملة لأي تعطيل واسع في باب المندب.

كما أن معظم صادرات النفط من الخليج العربي، العابرة إلى أوروبا عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد، تمر عبر مضيق باب المندب. ففي النصف الأول من عام 2023، مر نحو 9.2 ملايين برميل من النفط يوميًا عبر قناة السويس، وهو ما يمثل قرابة 9% من الطلب العالمي، بزيادة بلغت 4.1% مقارنة بعام 2021، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وبحسب المصدر نفسه، انخفضت كميات النفط الخام والمنتجات النفطية المتدفقة عبر باب المندب بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، في ظل الهجمات الحوثية على السفن الإسرائيلية أو المرتبطة بإسرائيل، على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.


طريق بديل وأكلاف مرتفعة

يمر يوميًا عبر مضيق باب المندب ما بين ستة وسبعة ملايين برميل من النفط الخام ومشتقاته. وتعتمد ناقلات النفط المتجهة من الخليج العربي إلى أوروبا وأميركا الشمالية على هذا المسار للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط. وإذا أُغلق هذا الممر، فلن تختفي هذه الشحنات من السوق، لكنها ستضطر إلى الالتفاف آلاف الكيلومترات حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى مدة الرحلة ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بصورة كبيرة.



وتتأثر أسواق الطاقة بشدة بمثل هذه الاضطرابات. فأسعار النفط لا تنتظر حدوث نقص فعلي في الإمدادات، بل تتفاعل سريعًا مع احتمالات التعطل أو التأخير. وإذا ساد الاعتقاد بأن ملايين البراميل يوميًا قد تتأخر أو تتعطل، فمن المرجح أن ترتفع الأسعار على نحو حاد، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع توتر في ممرات مائية أخرى حيوية.

ووفق بيانات البنك الدولي، يُنقل عبر البحر الأحمر وقناة السويس نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، إلى جانب نسبة مهمة من النفط والبضائع الجافة، ما يجعل مضيق باب المندب شريانًا أساسيًا في حركة التجارة الدولية.


صدمة مزدوجة


تتضاعف خطورة المشهد إذا أصبح باب المندب ثاني ممر مائي رئيسي يتأثر بالحرب في الشرق الأوسط بعد مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الفاصل بين إيران وسلطنة عُمان، والذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط المنقولة بحرًا في العالم. فتعطل الممرين معًا، ولو جزئيًا، من شأنه أن يفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية حادة، تستحضر صدمات تاريخية سابقة، لكن ضمن أسواق أكثر ترابطًا وتعقيدًا.

ولن تتوقف تداعيات هذه الصدمة عند أسعار الوقود وحدها، بل ستمتد إلى قطاعات النقل والإنتاج والغذاء والخدمات اللوجستية، بالنظر إلى موقع الطاقة في صلب الاقتصاد العالمي.


تداعيات اقتصادية

مع ارتفاع أسعار الطاقة، سترتفع تلقائيًا كلفة الشحن، ما ينعكس على أسعار المواد الأساسية والسلع الصناعية على حد سواء. وفي ظل هذا الاختناق، قد تضطر بعض المصانع إلى خفض وتيرة إنتاجها، وقد تقلص شركات الطيران رحلاتها، فيما تجد البنوك المركزية نفسها أمام ضغوط إضافية لمواجهة موجات تضخمية جديدة. وفي المحصلة، قد تواجه اقتصادات عديدة، مثقلة أصلًا بالديون والتوترات الجيوسياسية، خطر التباطؤ أو الركود.
وفي الشرق الأوسط نفسه، قد تكون العواقب أشد وطأة. فاقتصادات المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على التجارة البحرية عبر البحر الأحمر، وإغلاقه لفترة طويلة سيؤدي إلى تعطيل الصادرات والواردات، فضلًا عن تهديد خطوط الإمداد الإنساني. أما الدول الهشة، التي تعاني أصلًا من الصراعات والضغوط الاقتصادية، فقد تجد نفسها أمام مستوى جديد من عدم الاستقرار.

مصر  الأكثر تضررًا


في حال إغلاق مضيق باب المندب، تبدو مصر في مقدمة المتضررين. فوفق تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا” التابعة للأمم المتحدة، يوفر البحر الأحمر لمصر فوائد اقتصادية حيوية، من خلال ربط أوروبا بآسيا وتقليص أزمنة الشحن في التجارة العالمية، بما في ذلك السلع والنفط والمواد الأساسية.

وقد يفرض إغلاق المضيق ضغوطًا إضافية على الاقتصاد المصري، إذ تواجه البلاد تحديًا مزدوجًا يهدد اثنين من مصادر دخلها الأساسية: إيرادات قناة السويس، وقطاع السياحة المتأثر أصلًا بتوترات الإقليم.

وتشير تقارير رسمية إلى أن إيرادات قناة السويس شهدت انخفاضًا حادًا بنسبة 64.3% في مايو/ أيار 2024، لتتراجع إلى نحو 337.8 مليون دولار، مقارنة بـ948 مليون دولار في مايو 2023.

كما انخفض عدد السفن العابرة للقناة بصورة كبيرة، إذ عبرت 1111 سفينة فقط في مايو 2024، مقابل 2396 سفينة في الشهر نفسه من العام السابق. وانعكس ذلك أيضًا على حجم البضائع، الذي تراجع بنسبة 68.5% ليصل إلى نحو 44.9 مليون طن، بعد أن كان 142.9 مليون طن في مايو 2023.

أي اضطراب في باب المندب يهدد الملاحة في قناة السويس ويضغط على إيراداتها – غيتي

ورقة رابحة بيد الصين


ولا تقف أهمية المضيق عند الطاقة والتجارة فقط، بل تمتد إلى توازنات النفوذ الدولي، إذ تقع منطقة باب المندب في موقع استراتيجي ضمن مسارات مبادرة “الحزام والطريق“، ما يجعلها ساحة تنافس بين قوى كبرى، من بينها الولايات المتحدة والصين واليابان ودول أوروبية. ومن هنا تتزايد أهميته الجيوسياسية باستمرار، مع سعي هذه القوى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة.

وقد نجحت الصين في الحفاظ على جزء من مصالحها في هذه المنطقة خلال فترات التصعيد السابقة، إذ سُمح لبعض السفن الصينية بالعبور الآمن في أثناء الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر.

ووفق المجلس الأطلسي، فإن بكين تنظر إلى الممرات البحرية الحيوية باعتبارها ساحة مركزية في معركتها الاقتصادية، إذ قد تمنحها السيطرة غير المباشرة على طرق التجارة مزايا تتجاوز ما تمنحه الاتفاقيات التجارية التقليدية.

وعلى الضفة الإفريقية، تواجه دول مثل جيبوتي وإريتريا مخاطر شلل في قطاع الخدمات اللوجستية والموانئ، وهو قطاع يعتمد عليه اقتصادها بدرجة كبيرة.

ختامًا، لا يمثل مضيق باب المندب مجرد ممر مائي في جغرافيا الشرق الأوسط، بل أحد مفاتيح الاستقرار الاقتصادي العالمي. وإذا تحوّل التهديد بإغلاقه إلى واقع، فإن ذلك قد يفتح فصلًا تصعيديًا جديدًا في الحرب الدائرة في المنطقة، مع ما يحمله من تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى العالم بأسره.