![]()
الخميس 2 أبريل 2026
بعد حوالي ساعتين من كتابة هذا العمود، من المفترض أن تنطلق من قاعدة كينيدي للفضاء في فلوريدا المركبة الفضائية Artemis II، التي تحمل أربعة رواد فضاء. وهذه أول رحلة مأهولة تصل إلى مدار القمر منذ حوالي نصف قرن. ستدور المركبة حول القمر لمدة نحو 10 أيام قبل أن تعود إلى الأرض.
ربما فوجئ كثيرون بهذه العودة، وعلى رؤوسهم السؤال الحتمي: لماذا تعود أمريكا الآن إلى رحلات مُجرَّبة لم يعد فيها جديد يُذكر، بل تُعد أقل طموحًا من سابقاتها، إذ إن رحلات أبوللو هبطت على سطح القمر وجمعت عينات من تربته، ثم عادت بسلام؟
لماذا الآن هذه العودة برواد فضاء إلى القمر؟
الإجابة التي قد لا يتوقعها أحد هي: الحرب العالمية الثالثة.
خلال السنوات الماضية، ومنذ العقد الأخير من القرن العشرين، بدأ نجم الصين يعلو في المجالات كافة. في البداية، لم تكن الصين مبتكرة أو مبادرة، بل كانت مقلدة في الصناعات وبدرجة أقل جودة. لكن مع المزايا الاقتصادية التي تمنحها تكلفة الإنتاج المنخفضة، انتقلت الصناعات الغربية – والأمريكية تحديدًا – بالكامل تقريبًا إلى الصين.

توسعت الصين في استيعاب هذه التكنولوجيا وتجويدها، ثم انتقلت خلال السنوات العشر الماضية إلى مرحلة المنافسة الحقيقية في الابتكار والاختراعات. وخلال السنوات الأخيرة، تفوقت الصين على الولايات المتحدة في عدد براءات الاختراع المسجلة.
في عام 2022، حاولت أمريكا عرقلة تقدم الصين بقرار رئاسي يمنع بيع أشباه الموصلات (Semiconductors) المتقدمة إليها. وكنتُ قد كتبتُ هنا مقالًا نقلتُ فيه تقديرات الخبراء التي توقعت أن يؤدي ذلك إلى تأخير الصين تكنولوجيًا عن الولايات المتحدة بما يعادل عشر سنوات.
لكن المفاجأة كانت أن الصين، خلال عامين فقط، تجاوزت هذه الثغرة، بل وبدأت تقفز أمام التكنولوجيا الأمريكية في بعض المجالات.
ولم تتوقف الصين عند ذلك، بل صعدت إلى منافسة في السماء بطريقة لم تتوقعها أمريكا. فقد بدأت الصين “تغازل” القمر، فأرسلت عدة رحلات آلية ناجحة، وتخطط الآن لهبوط أول إنسان صيني على سطح القمر قبل عام 2030.
الأمر هنا لا يشبه المنافسة السابقة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، حيث كانت الخطوة تتبعها خطوة مباشرة: ترسل أمريكا كلبًا إلى الفضاء، فترد موسكو بقرد، ثم تسجل أمريكا الهدف الذهبي بإرسال أرمسترونغ ورفاقه في أول رحلة مأهولة إلى القمر.
الآن، الوضع مختلف تمامًا. لم يعد الأمر سباقًا خطوة بخطوة، بل أصبح محاولة لإثبات التفوق العلمي والتكنولوجي في إطار جيوسياسي أوسع، يربط الفضاء بالسياسة وصراع القوى الذي يحيط بالعالم اليوم.
الصين لا تميل كثيرًا إلى الثرثرة الإعلامية أو المواجهات اللفظية، لأنها تضع موجهات استراتيجية طويلة الأمد، وتسابق الزمن لتنفيذ خططها للسيطرة على الأرض والفضاء معًا.
إنها حرب عالمية ثالثة، لكن بأدوات التكنولوجيا وصراع النفوذ، وباستخدام الفضاء ساحةً جديدة من ساحاتها.