بعد أكثر من ستة عقود من العداء.. هل يفعلها ترمب ويغزو كوبا بعد إيران؟

بعد أكثر من ستة عقود من العداء.. هل يفعلها ترمب ويغزو كوبا بعد إيران؟

Loading

كوبا هي التالية.

هذا ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل أيام، في خضم الحرب على إيران التي تقودها بلاده وإسرائيل.

وبذلك، بدا ترمب، الذي تعهّد بعدم شنّ الحروب في حملته الانتخابية عام 2024، كأنه يحتفظ بقائمة من الدول التي يعتزم تغيير النظام فيها، إما بالغزو أو عبر صفقات مع الصف القيادي الثاني فيها، على غرار ما يمكن تسميته بسابقة فنزويلا.

وفي كلمة أمام منتدى الاستثمار “إف آي آي برايورتي” (FII Priority) الذي عُقد في ميامي في الثامن والعشرين من مارس/آذار الماضي، قال ترمب إن قاعدة مؤيديه تريد “القوة” و”النصر”، مضيفًا:

“لقد بنيت هذا الجيش العظيم. قلت لن تضطروا أبدًا إلى استخدامه، ولكن أحيانًا لا نملك خيارًا.

كوبا هي التالية بالمناسبة، لكن تظاهروا وكأنني لم أقل شيئًا”.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتوعد فيها ترمب كوبا بعمل لم يوضّح طبيعته. فبعد أيام قليلة من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على أيدي قوات أميركية في الثالث من يناير/ كانون الثاني الماضي، لمّح ترمب إلى أن كوبا قد تكون هدفه المحتمل التالي، قائلًا إنها “قضية سيتم التطرق إليها في نهاية المطاف“.

ولم يتوقف ترمب عن الإشارة إلى كوبا بعد اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.


ترمب يصعّد: كوبا “مسألة وقت”


في السادس من مارس/ آذار الماضي، قال ترمب خلال فعالية في البيت الأبيض:

نريد أولًا حلّ هذه المسألة (إيران)، لكن عودتكم أنتم والعديد من الأشخاص الرائعين إلى كوبا مسألة وقت لا أكثر“.

وتوجّه ترمب في حديثه إلى وزير خارجيته ماركو روبيو، الكوبي الأصل، قائلًا:

“لقد قمت بعمل رائع على صعيد مكان يُدعى كوبا”.


ترمب يتعهد بأن تكون كوبا التالية بعد إيران – غيتي

وفي 17 مارس الماضي، تقدّم ترمب خطوة أخرى إلى الأمام بالقول إنه سيحظى “بشرف الاستيلاء على كوبا“:

“أعتقد أنني سأحظى بشرف الاستيلاء على كوبا. سواء حرّرتها أو استوليت عليها، أعتقد أنني أستطيع أن أفعل بها ما أشاء. تريدون الحقيقة، إنهم أمة ضعيفة للغاية في الوقت الحالي”.

وعلى خلاف فنزويلا وإيران، اللتين تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا عليهما منذ 28 فبراير/ شباط، لا تملك كوبا ثروة نفطية، لكنها تحمل أهمية بالنسبة إلى السياسات الداخلية الأميركية.


هل يحرّض روبيو على غزو هافانا؟  


تأتي تهديدات ترمب في وقت تعاني فيه كوبا، التي يبلغ عدد سكانها 9.6 ملايين نسمة، من انقطاع كبير للتيار الكهربائي.

فمنذ إطاحة الولايات المتحدة بنيكولاس مادورو، الحليف الأكبر لكوبا، وفرض ترمب حصارًا نفطيًا على هافانا، لم تستورد الجزيرة أي شحنة وقود منذ التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي.

وكان ترمب قد أكد في السادس من مارس الماضي أن “كوبا ستسقط قريبًا جدًا“، وقال لشبكة “سي إن إن”: “إنهم يريدون بشدة إبرام صفقة“. وأضاف: “لدينا متّسع من الوقت، لكن كوبا جاهزة، بعد 50 عامًا“، مشيرًا إلى أن وزير خارجيته روبيو سيكون المسؤول عن الملف الكوبي.

ترمب يقول إن روبيو سيتولى ملف كوبا (الصورة خلال شنّ الحرب على إيران) – غيتي

من جهته، نفى روبيو في 18 مارس الماضي تقريرًا نشرته صحيفة “نيويورك تايمز“، يفيد بأن مسؤولين أميركيين حضّوا كوبا على إطاحة رئيسها ميغيل دياز-كانيل.

وقال روبيو في منشور على “إكس” إن التقرير “زائف”، وهو من بين تقارير إعلامية تستند إلى “دجالين وكذّابين يزعمون بأنهم على اطلاع” كمصادر.

ويُعدّ تغيير النظام الكوبي مطلبًا للوزير روبيو ذي الأصول الكوبية، وكان والداه، المهاجران إلى الولايات المتحدة، من معارضي الثورة التي قادها فيدل كاسترو عام 1959.

وذكر موقع “أكسيوس” الأميركي في فبراير/ شباط الماضي أن روبيو أجرى محادثات مع راوول غييرمو رودريغيز، أحد أحفاد راؤول كاسترو الذي خلف شقيقه فيدل، الزعيم التاريخي لكوبا.

وقال الموقع إن التواصل لم يجر عبر القنوات الحكومية الكوبية الاعتيادية، ويمكن اعتباره “نقاشًا بشأن المستقبل” وليس تفاوضًا.

ووصف الموقع راوول غييرمو رودريغيز (41 عامًا) بأنه من دعاة الحداثة، ويتطلّع إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

صورة تعود إلى عام 2010 لروبيو في فلوريدا بين نجله ووالده المهاجر من كوبا – غيتي

أزمة الطاقة تخنق الجزيرة.. وكوبا تواجه الحصار


انقطعت إمدادات النفط عن كوبا في يناير/ كانون الثاني الماضي بعد اختطاف واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حليف هافانا، ما أدى إلى تكرار انقطاع الكهرباء في كوبا.

وهدّد ترمب آنذاك بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط الخام إلى كوبا.

لكن ناقلة النفط الروسية “أناتولي كولودكين” وصلت إلى كوبا نهاية الشهر الماضي لتسليم أول شحنة نفط خام، تُقدّر بنحو 730 ألف برميل، إلى الجزيرة منذ يناير.

ويرى محللون أن الشحنة لن تمنح كوبا أكثر من انفراجة قصيرة، خاصة أن مشاكل الطاقة هناك “هيكلية وليست عرضية“.

 أزمة طاقة خانقة تعانيها كوبا بعد حظر واشنطن وصول النفط إليها – غيتي

وقال ترمب إنه لا يعترض على إرسال روسيا أو غيرها النفط إليها، لأن الكوبيين “يجب أن يبقوا على قيد الحياة”.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن ريكاردو هيريرو، المدير التنفيذي لـ”مجموعة دراسات كوبا” (Cuba Study Group)، وهي مجموعة سياسات غير حزبية في واشنطن، قوله إن الهدف من تقييد النفط يتمثل في إجبار هافانا على “تقديم تنازلات حقيقية على طاولة المفاوضات”.

وأوضح أن “الاستراتيجية هنا هي دفع النظام إلى حافة الانهيار، ولكن ليس التسبب في انهيار اجتماعي أو إنساني شامل”.


احتجاجات نادرة في الشارع الكوبي

عانى الكوبيون من عدة انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي على مستوى البلاد منذ عام 2024، مع ارتفاع حاد في أسعار الوقود.

ويعاني نظام توليد الكهرباء المتقادم في كوبا من حالة يُرثى لها، وقد أصبحت انقطاعات الكهرباء اليومية، التي تصل إلى 20 ساعة، أمرًا معتادًا في أجزاء من الجزيرة التي تفتقر إلى الوقود اللازم لتوليد الطاقة.

وبالإضافة إلى النقص المستمر في الغذاء والدواء، أدى انقطاع التيار الكهربائي إلى تأجيج الإحباط الشعبي، فضلًا عن بعض الاحتجاجات النادرة في الشارع الكوبي.



انقطاع الكهرباء ونقص الغذاء يدفعان إلى احتجاجات نادرة في الشارع الكوبي – غيتي

ففي الرابع عشر من مارس الماضي، هاجم متظاهرون مناهضون للحكومة مكتبًا للحزب الشيوعي في وسط كوبا، وذكرت صحيفة “إنفاسور” أن مظاهرة ضد انقطاع التيار الكهربائي ونقص المواد الغذائية بدأت، على ما يبدو، سلمية في مدينة مورون، التي تبعد نحو 400 كيلومتر شرقي العاصمة هافانا، ثم تحولت إلى أعمال عنف.

وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي حريقًا كبيرًا وأشخاصًا يلقون الحجارة على نوافذ مبنى، بينما ترددت في الخلفية هتافات تقول: “الحرية”.


تأجيل آلاف العمليات الجراحية


تهدد أزمة الطاقة القطاع الصحي في البلاد أيضًا، وقد قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الشهر الماضي، إن الوضع الصحي في كوبا “مقلق للغاية“.

وكتب غيبريسوس على منصة “إكس”:

“يجب حماية الصحة بأي ثمن وعدم تركها تحت رحمة الجيوسياسة، وحصار الطاقة، وانقطاع التيار الكهربائي”.

وأضاف:

“الوضع في كوبا مقلق للغاية، فيما تكافح البلاد من أجل الحفاظ على تقديم الخدمات الصحية في وقت يشهد اضطرابات هائلة، ما يؤدي إلى نقص في الطاقة يؤثر على الصحة”.

وقال غيبريسوس إن تقارير أظهرت أن المستشفيات الكوبية تكافح من أجل الحفاظ على خدمات الطوارئ والرعاية المركزة.

وأوضح: “أُرجئت آلاف العمليات الجراحية خلال الشهر الماضي (فبراير/شباط)، وتعرض أشخاص يحتاجون إلى الرعاية، من مرضى السرطان إلى حوامل يستعددن للولادة، للخطر بسبب نقص الطاقة اللازمة لتشغيل المعدات الطبية وتخزين سلسلة التبريد للقاحات”.


إلغاء مهرجان السيجار


كما أثرت أزمة الطاقة على القطاع السياحي الكوبي، وأجبرت شركات الطيران على تقليص رحلاتها الجوية إلى الجزيرة.

وفي منتصف فبراير الماضي، أعلنت هافانا إلغاء مهرجانها الشهير للسيجار، الذي كان مقررًا أن يُقام بين 24 و27 فبراير، وقالت شركة “هابانوس” المنظمة إن القرار اتُّخذ “بهدف الحفاظ على أعلى معايير الجودة والتميز والخبرة التي تميز هذا الحدث الدولي“.

هافانا ألغت مهرجانها السنوي للسيجار، وفي الصورة غيفارا يدخن السيجار الكوبي الشهير – غيتي

ويجذب “مهرجان هابانو” عشاق السيجار والتجار والصحافيين المتخصصين من أنحاء العالم، وعادة ما يوفّر إيرادات بملايين الدولارات من المبيعات في المزاد، تُحوَّل بعدها إلى نظام الرعاية الصحية.

ويُعدّ السيجار من أبرز صادرات البلاد، وتدرّ مبيعاته حول العالم دخلًا بالغ الأهمية لاقتصاد الجزيرة.


دياز- كانيل لترمب: سنقاوم


يُذكر أن الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل ردّ على تهديدات ترمب بالقول:

“في مواجهة أسوأ السيناريوهات، تملك كوبا ضمانة واحدة: أي معتدٍ خارجي سيواجه مقاومة منيعة”.

في المقابل، أكد نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو أن هافانا تستعد لاحتمال تعرّضها لغزو من الجيش الأميركي، وقال:

“جيشنا على أهبة الاستعداد دائمًا. وفي الواقع، هو يستعد هذه الأيام لاحتمال حدوث عدوان عسكري. في ضوء ما يحدث في العالم، سيكون من السذاجة ألّا نفعل ذلك.

لكننا نأمل ألّا يحدث ذلك. لا نرى سببًا لحصوله، ولا كيف يمكن تبريره”.

 الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل يتوعّد بمقاومة أي عدوان أميركي محتمل – غيتي

وفي يناير الماضي، أشرف الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل على تدريبات عسكرية شاركت فيها سرية دبابات، وقال إن “الطريقة الأمثل لمنع العدوان هي أن تضطر الإمبريالية إلى أن تأخذ في الحسبان كلفة مهاجمة بلادنا“.

يُذكر أن ميغيل دياز-كانيل هو الرئيس الثالث للبلاد بعد الثورة التي قادها الزعيم التاريخي لكوبا عام 1959 وأطاحت الديكتاتور فولغنسيو باتيستا، الحليف الوثيق للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الوقت، تشهد العلاقات بين هافانا وواشنطن تدهورًا متواصلًا.


ثورة كاسترو والقطيعة مع واشنطن

في مطلع يناير 1959، نجح كاسترو، بعد 26 شهرًا من الثورة المسلحة، في إطاحة باتيستا، وقام بمصادرة الأراضي الزراعية من كبار الملاّكين.

وكانت الخطوة الحاسمة التي فاقمت العداء بين النظام الكوبي الجديد آنذاك وواشنطن، إقدام كاسترو في أغسطس/ آب 1960 على تأميم الشركات الأميركية في بلاده، ردًا على حظر بيع النفط إلى كوبا وخفض حصة الصادرات الكوبية من السكر.


منذ إسقاط باتيستا عام 1959 دخلت العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة مرحلة صدام مفتوح – غيتي

وأدت هذه التوترات إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 3 يناير/كانون الثاني 1961.

وفي فبراير/شباط 1962، فرضت واشنطن حظرًا تجاريًا على كوبا، لا يزال ساريًا حتى الآن.


خليج الخنازير وأزمة الصواريخ

قبل ذلك، كانت وكالة المخابرات الأميركية (سي آي إيه) قد حاولت تدبير عملية انقلاب على الرئيس الكوبي الشاب آنذاك، فيديل كاسترو، في أبريل/ نيسان 1961.

لكن القوات الكوبية أفشلت ما عُرف بعملية خليج الخنازير، التي كان يُفترض خلالها إنزال نحو 1400 من المرتزقة والمعارضين لكاسترو، الذين دربتهم “سي آي إيه”، لغزو كوبا، مدعومين بقصف جوي.


فشل غزو خليج الخنازير رسّخ العداء التاريخي بين هافانا وواشنطن​​​​​​​ – غيتي

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1962، كادت كوبا أن تتسبب في حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، على خلفية قيام موسكو بنشر صواريخ في كوبا موجّهة نحو الولايات المتحدة.

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت كوبا إلى تصدير الثورة على طريقتها، فقامت في البداية بإرسال مسلحين إلى أنغولا دعمًا للتنظيم الماركسي “الحركة الشعبية لتحرير أنغولا” بقيادة أغوستينو نيتو، وامتد الحضور العسكري الكوبي إلى إثيوبيا وعشرات البلدان الإفريقية الأخرى.


حين التقى راؤول كاسترو بباراك أوباما


في يوليو/تموز 2006، تسلّم راؤول السلطة من شقيقه فيدل المريض، وتولى رئاسة البلاد عام 2008، قبل نحو ثمانية أعوام من وفاة فيدل كاسترو في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016. 

 تقارب أوباما وراؤول كاسترو لم ينهِ إرث القطيعة الطويل بين البلدين – غيتي​​​​​​​

وكان ديسمبر/ كانون الأول 2014 تاريخًا مفصليًا في علاقات واشنطن بهافانا، ففيه التقى راؤول كاسترو بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وأعلنا بداية التقارب بين بلديهما، فأعيدت العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 2015، بعد 53 عامًا من المواجهة.

وفي مارس 2016، قام أوباما بزيارة هافانا، وهي الأولى لرئيس أميركي منذ ثورة كاسترو، إلا أن وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2017 أعاد العلاقات إلى توترها السابق.