![]()
“ننام في المستشفى ولا نخرج منها”..
بهذه الكلمات المختصرة، لخّص الطبيب سلمان عيديبي، مدير مستشفى حيرام،واقع الحال في المنشآت الطبية التي تحولت إلى قلاع للصمود في وجه الحرب التي يواجهها لبنان منذ مطلع مارس/ آذار 2026.
فمن مدينة صور جنوبًا إلى أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، يرتسم مشهد استثنائي لأطباء وممرضين اختاروا البقاء في عين العاصفة، محولين أروقة المستشفيات إلى بيوت دائمة لهم، في سبيل أداء رسالة إنسانية تتجاوز مخاطر القصف والدمار.
ويقع المستشفى الذي يديره عيديبي ضمن منطقة شديدة الخطورة، بين العباسية ومدينة صور في جنوب لبنان، ولا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن الحدود اللبنانية الفلسطينية، من جهة بلدة الناقورة الحدودية.
وتختصر تجربته، بصفته مديرًا لمستشفى يعمل عند تماسّ الخطر، جانبًا من صمود القطاع الصحي في لبنان. والرسالة نفسها يحملها الطبيب فادي هاشم، مدير مستشفى “STMC” في الحدت عند أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت.
هناك، يقضي هاشم غالبية ساعات يومه، يغادر إلى منزله للاستراحة لساعات قليلة، ثم يعود ليكون إلى جانب الممرضين والطاقم الطبي في المستشفى المعروفة باسم “السان تيريز“.
زار موقع “التلفزيون العربي” هذه الصروح الطبية لتوثيق يوميات العاملين فيها، والوقوف على حجم التضحيات التي يبذلها المسعفون والمتطوعون في ظل ظروف بالغة التعقيد.
ففي الوقت الذي تحولت فيه صور والضاحية الجنوبية إلى جبهات مفتوحة، بقيت المستشفيات والمستوصفات تفتح أبوابها للجميع، مقدمةً نموذجًا إنسانيًا فريدًا في التعالي على الجراح، وموفرةً الرعاية المجانية للنازحين الذين تقطعت بهم السبل وسط الحرب المستعرة.
فماذا تكشف هذه الشهادات عن صمود هذا القطاع؟ وكيف يعيش الأطباء والعاملون في المستشفيات والمرضى والمسعفون والمتطوعون يومياتهم تحت ضغط الحرب؟
مستشفى حيرام.. نشاط لا يتوقف
في ظل الحرب المستمرة، لم يسلم القطاع الصحي من الاعتداءات الإسرائيلية التي طالته بشدة، وجعلته من أكثر القطاعات تضررًا. ووفق الإحصاءات التي نشرتها وزارة الصحة اللبنانية حتى الرابع من أبريل/ نيسان 2026، بلغ عدد شهداء القطاع 54، فيما أُصيب 142 آخرون.
كما تمّ تسجيل 87 اعتداءً على الجمعيات الإسعافية حتى مطلع أبريل، فيما أغلق 5 مستشفيات.
رغم ذلك، حافظ مستشفى حيرام في صور على وتيرة عمله الكاملة, إذ يواصل داخله العمل نحو 150 شخصًا من أطباء وممرضين وموظفين، وفق ما يقول عيديبي لموقع التلفزيون العربي.
ويلفت عيديي إلى أن محيط مستشفى حيرام تعرّض لقصف شديد، لكن ذلك لم يثنِ الأطباء والممرضين عن البقاء داخله.
وعن واقع الأدوات والمستلزمات الطبية، يقول عيديبي إن لدى المستشفى مخزونًا كافيًا منها، مشيرًا إلى خطة طوارئ وُضعت مسبقًا لتجهيز المستشفى في حال حصول أي تطورات.
كما يوضح أن المستشفى تنسّق مع وزارة الصحة لتأمين ما يلزم في حال حدوث أي نقص.
“لا يمكننا أن نغادر هذا الصرح. فالقطاع الصحي هو خط الدفاع الأول عن الناس، وإذا غادرنا المستشفيات، فسيكون ذلك بمثابة إعلان عن انعدام الإنسانية، وهذا أمر ليس واردًا في قاموسنا”.
“في حيرام، نستقبل جرحى الحرب ونعالجهم، كما نستقبل الحالات الطارئة، خصوصًا للمواطنين الذين بقوا في مناطق النزاع ولم ينزحوا”.
“أبوابنا مفتوحة أمام أي مريض. رسالتنا إنسانية، وواجبنا أن نكون إلى جانب أي شخص، بمعزل عن انتمائه ودينه وطائفته”.
“الإنسانية لا تعرف الطائفية ولا الانتماءات”.
ويوجه عيديبي، عبر موقع التلفزيون العربي، نداءً إلى المجتمع الدولي من أجل حماية الصروح الطبية والمستشفيات من أي اعتداءات، مؤكدًا أن ذلك بات ضرورة ملحّة في ظل حرب تطال المدنيين والطواقم الطبية وسائر المواطنين.
ويضيف: “من المهم جدًا توفير هذه الحماية، لأن الاعتداءات على القطاع الطبي والصحي تدفع الواقع الإنساني في لبنان نحو كارثة كبيرة”.
مستشفى “STMC”.. “صامدون رغم كل شيء”
من العباسية في جنوب لبنان، كانت الوجهة التالية إلى أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يبرز مستشفى “STMC” (السان تيريز) كشريان حياة أساسي لم ينقطع نبضه منذ بداية الحرب، رغم وقوعه في منطقة تتعرض لقصف عنيف وتهديد مستمر.
ويوضح مدير المستشفى الدكتور فادي هاشم أن الطاقم الطبي والتمريضي موجود على مدار الساعة، حيث تم توفير سكن داخلي للممرضين النازحين لضمان استمرارية العمل، بالإضافة إلى تفعيل نظام الاستشارات الهاتفية للمرضى الذين يصعب عليهم الوصول إلى المستشفى بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
يروي هاشم قصة “الصمود” في مستشفى “STMC“، ويقول إن الصرح الطبي لم يُغلق أبوابه نهائيًا، لا خلال هذه الحرب ولا خلال حرب العام 2024.
“المستشفى تقع في الحدت، قرب أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، وبالقرب من مناطق تتعرض لتهديد مستمر وقصف عنيف.
رغم ذلك، لم نوفر جهدًا للحضور إلى المستشفى واستقبال المرضى، لأن الواجب يملي علينا ذلك، والإنسانية هي شعارنا.
نواكب المرضى هاتفيًا أيضًا، ونعطيهم التعليمات اللازمة إذا تعذر عليهم الحضور إلى المستشفى”.
“هناك مرضى نيلجأون إلينا في ظل هذه الحرب، ومن واجبنا مواكبتهم بكل سلاسة وإنسانية
وتعكس شهادات المؤسسات الصحية تفاوتًا في تجاربها لجهة المتابعة الرسمية خلال الحرب. وفي هذا السياق، يعبّر هاشم عن عتب واضح على الجهات الرسمية في لبنان، قائلًا إنها لم تسأل عن أحوال المستشفى وسط الحرب.
“وجودنا في منطقة خطرة يستدعي سؤالًا من الدولة والجهات المعنية بالقطاع الصحي. في أماكن أخرى، تكون هناك متابعة فعلية لوضع المستشفيات في مناطق النزاع، ونحن هنا نضحي ونعالج من دون أن نسأل عن الكلفة، ومن دون أن نسأل المواطن عن هويته أو طائفته”.
“للأسف، لم تلتفت إلينا أي جهة. الأصدقاء يتصلون للاطمئنان علينا، لكن لم تنظر أي جهة رسمية إلى المستشفى، كما أن وزارة الصحة لم ترسل أي مساعدات، ولم تسألنا ما إذا كنا نحتاج إلى شيء”.
“نحن كمستشفى لسنا بحاجة إلى شيء، فلدينا مخزون كبير، ونحن على استعداد لمواكبة كل الحالات الطارئة”.
“السؤال مهم في مثل هذه الظروف، لأنه يجعلك تشعر أنك لست وحدك، وأنك لست متروكًا”.
شهادات من ميدان الصحة
مسعفون يروون تفاصيل “المهمّة الصعبة”
في ميدان الإسعاف، يواجه المتطوعون في “كشافة الرسالة الإسلامية” و”الهيئة الصحية الإسلامية” خطر “الاستهداف المزدوج” الذي يحصد أرواح المسعفين أثناء قيامهم بواجبهم.
ويشير القائد ربيع عيسى إلى سقوط 8 شهداء من الكشافة، بينما فقدت الهيئة الصحية 35 شهيدًا، ومع ذلك، يستمر المسعفون في فتح الطرقات وانتشال الشهداء تحت النيران، معتمدين على خطط ميدانية دقيقة وتنسيق مع الجيش اللبناني لمحاولة تقليل الخسائر البشرية في صفوفهم.
“فرق كشافة الرسالة منتشرة في مختلف المناطق اللبنانية عبر متطوعين يؤدون واجبهم بكل إنسانية. المسعفون هم من أبناء القرى والبلدات، ولا يتركون مناطقهم ما دام فيها مواطنون.
يوميًا، نعيد الانتشار بحسب الواقع الأمني، وندرس حاجة كل منطقة من حيث عدد المواطنين والحاجات والعناصر، وعلى هذا الأساس نحدد عدد المسعفين والآليات المطلوبين”.
ويؤكد عيسى أن الفرق الإسعافية تسعى إلى حماية طواقمها قدر الإمكان، عبر تأمين طرق التحرك وفق خطط مدروسة، إلى جانب التنسيق مع الجيش اللبناني في المناطق الحربية. ويضيف أن هذه الفرق تدرس الواقع الميداني قبل التحرك نحو أي مكان يتعرض للقصف، بهدف إنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء بأسرع وقت ممكن.
ومن جهته، يتحدث محمود كركي، من الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية الإسلامية، عن تضحيات المسعفين خلال الحرب، فيقول إن مهامهم لا تقتصر على نقل الجرحى وإنقاذ المصابين، بل تشمل أيضًا انتشال الشهداء، وفتح الطرقات، والمشاركة في أعمال الإطفاء.
“رغم كل الاستهدافات، يحمل المسعفون إصرارًا كبيرًا على مواصلة العمل مهما كان الثمن، لأن الرسالة الإنسانية تأتي قبل أي شيء، كما أن الواجب الديني والشرعي يفرض علينا إنقاذ الآخرين.
قدمت الهيئة تضحيات جسيمة خلال هذه الحرب، إذ سقط لها 35 شهيدًا وأكثر من 50 جريحًا. بعض هؤلاء الجرحى كانت إصاباتهم طفيفة، فيما تعرّض آخرون لبتر أطراف، ما يظهر حجم التضحيات التي يقدمها المسعفون”.
ممرضون متمسكون برسالتهم الإنسانية
بالتوازي مع جهد المسعفين، تقف الممرضات مثل ريان إسماعيل ومريم عقيل كأعمدة ثابتة داخل المستشفيات، حيث لم تغادر ريان المستشفى منذ بدء المواجهات، معتبرة أن وجودها يزرع الأمل في نفوس المرضى، خاصة الأطفال منهم.
وصمود ريان يوازيه صمود الممرضة مريم عقيل داخل مستشفى حيرام. تقول لموقع التلفزيون العربي، إنه “رغم كل الصعوبات، يبقى الأساس هو مواصلة الرسالة الإنسانية وتقديم رعاية صحية للمرضى بجودة عالية“.
وتعكس هذه الشهادات حجم الضغط النفسي المؤلم الذي تواجهه الأطقم التمريضية جراء رؤية الإصابات البليغة، إلا أن التزامهن بالرسالة الإنسانية يتفوق على ألم البعد عن العائلة والمخاوف الشخصية من المجهول.
أطباء حاضرون وصامدون رغم الحرب
بدوره، يتحدث الطبيب عبد الناصر فران، اختصاصي الجراحة العامة، عن النشاط الطبي خلال الحرب، ولا سيما داخل مستشفى حيرام.
ويشير فران إلى أن المستشفى تُجري عشرات العمليات الجراحية، كما تعالج أيضًا أشخاصًا تعرضوا لاختناقات ومضاعفات تنفسية جراء القصف.
“وجودنا في المستشفى مستمر من دون انقطاع منذ بدء الحرب، ونحن نعالج كل الجرحى الذين يأتون إلينا من المناطق التي تتعرض للقصف.
لقد رصدنا إصابات خطيرة، وهناك فريق من الجراحين يتعامل مع مختلف أنواع الجروح. كذلك، لدينا طبيب نسائية وتوليد موجود باستمرار لتلبية الحالات الطارئة”.
أما الطبيب ناصر نسر، اختصاصي جراحة الأنف والأذن والحنجرة، والموجود دائمًا في مستشفى حيرام، فيتحدث عن “معضلة أساسية” تواجه الطواقم الطبية في ظل الحرب، تتمثل في الاعتداءات التي تطال الفرق الإسعافية.
موظفون صامدون رغم الخطر
ومن ناحيتها، تقول الموظفة في مستشفى “STMC” مايا شمّاس لـ”التلفزيون العربي” إنها لم تغب يومًا عن المستشفى خلال هذه الحرب. وتضيف:
“الانتماء إلى هذه المؤسسة كبير جدًا، ومن واجبنا أن نكون إلى جانبها في وقت الأزمات”.
“صمودنا مهم جدًا لاستمرار هذا الصرح. في الأيام الأولى من الحرب، حضرتُ إلى هنا رغم التهديد والقصف، وواصلنا البقاء رغم كل شيء.
صحيح أنني أتنقل تحت الخطر وأترك عائلتي في المنزل، لكنني متمسكة برسالتي ولن أتراجع عنها، لأن المستشفى ليست مجرد مؤسسة، بل هي عائلتنا الثانية”.
مستوصف المطران مارون العمّار.. صرح طبي لإغاثة النازحين
في بلدة عين الأسد بمحافظة جبل لبنان، ينشط مستوصف المطران مارون العمّار كصرح لإغاثة أكثر من 2000 نازح، حيث يقدم خدماته الطبية بالمجان تحت إشراف الدكتورة دعد القزي.
وتقول القزي إنّ المستوصف يقدم للنازحين خدمات طبية مجانية، سواء عبر المعاينات أو الأدوية والعلاجات، فضلًا عن الدعم النفسي. كما يتولى طبابة النازحين المقيمين في مدارس وجامعات مختلفة ضمن منطقة إقليم الخروب في جبل لبنان.
وفي الوقت نفسه، تلفت إلى أن المستوصف استقبل أكثر من 2000 نازح منذ بدء الحرب مطلع مارس/ آذار 2026، مؤكدة أن النشاط مستمر ومتواصل، وأن المرضى يتلقون الرعاية اللازمة بصورة دائمة.
ويرتبط نشاط مستوصف المطران مارون العمّار أيضًا بجمعية “الشوف للتنمية” الناشطة في إغاثة النازحين. وتقول المديرة العامة للجمعية، رويدا الدقدوقي، إن “المستوصف يقدّم لمراكز الإيواء كل ما يتعلق بالطب والأدوية العادية والمزمنة”.
“الجمعية تتابع 8 مراكز إيواء مختلفة، فيما تُقدَّم الخدمات الطبية المجانية تحت رعاية وزارة الصحة التي تتابع معنا كل ما نحتاجه، إذ إن كل ما نطلبه يصل دائمًا”.
ويشارك في هذا الجهد “أطباء نازحون” مثل الجراح علي عون (68 عامًا)، الذي اختار وضع علمه في خدمة المهجرين، مؤكدًا أن الألم المشترك يتطلب تكاتفًا إنسانيًا يتجاوز المادة
“أنا جراح كلى ومسالك بولية وعقم، تخرجت من كوبا قبل سنوات طويلة، وعملت في مستشفيات ومؤسسات عديدة. المبدأ الإنساني وسط هذه الحرب هو أن نخدم الناس، وأن نضع العنصر المادي جانبًا”.
“النازح يعيش حالة نفسية ومادية صعبة، ونحن نسعى إلى التخفيف عنه. نحن نازحون ونشعر ببعضنا، وأسعى بكل سرور إلى تغطية الحاجة الطبية للنازحين لأننا نتشارك الألم”.
هذه الروح تحملها أيضًا الشابة المتطوعة فاطمة طراد، التي ترى في خدمتها للنازحين تعبيرًا أصيلاً عن وحدة الشعب اللبناني.
“أسعى إلى مساعدة النازحين انطلاقًا من واجبي الإنساني”.
“ما أقوم به الآن جعلني أعي أمورًا أكثر، كما أن هذه التجربة ساعدتني على الاندماج في المجتمع، ودفعتني إلى الاعتماد على نفسي ومساعدة الآخرين”.