![]()
كنت جالسا مع جاري الشاب الظريف أحمد في أمسية عطبراوية غيداقة فمر بنا شيخ جليل لطيف عائدا من المسجد بعد أداء صلاة المغرب تعاونه عكازته.
هذا المشهد فتح شهيتنا للحديث عن كبار السن وضرورة العناية بهم وكيفيتها، ليس بتوفير المأكل والمشرب فحسب، بل بنواح أخرى مهمة مثل مجالستهم وإيناسهم والترويح عنهم بطرائق شتى والاستفادة من خبراتهم وإشعارهم بجدوى ما قدموه .. إلخ
ارتاح صاحبي الوناس أحمد في كرسيه وأخذ يروي وأزيز مركبات شارع الشهداء القريب يناغينا:
كنت أعمل في فترة في الخرطوم فبعث ناس البيت رسالة عاجلة يطلبون حضوري لترتيبات زواج ابن عمي فكنت عصر اليوم التالي في عطبرة.
بعد السلام أفادوني التفاصيل فسألت:
كلمتم عمي؟
وهو مسن تقدم به العمر جليس غرفته فنفوا فزعلت وذهبت إليه مباشرة وحدثته أن الأخ فلان يرغب في الاقتران ببنت ناس فلان، وطبعا أنت كبيرنا وأعقلنا فلا نستطيع عمل شيء دون رأيك، فنهض عمي من رقدته باهتمام وسرور وتحدث عن أهل الفتاة المرشحة بتفصيل عن المعروف والمجهول وأثنى.
حرصت إطلاعه يوميا بما يجري مع تلمس نصائحه فكان قمة في التفاعل، متقدما خطواتنا حتى اكتمل العرس بنجاح متوهج.
جاء مشاركا المناسبة زميلي في الخرطوم مجاملة، الذي همس في أذني في لمة الصبحية الآسرة:
انت البنت السمحة ال بتغني متكئة على الشجرة دي معرسة؟
قلت: لا، ليه؟
قال: دي أنا عايزها لو ما مخطوبة.
قلت: يا صاحبي دي من بناتنا بنرتبها ليك، ” بنجازفها” جديدة!
ظهر اليوم التالي بانفضاض الناس كلمت عمي عن رغبة الضيف الخرطومي وعن مثاليته، فكاد يطير فرحا فوجهني على الفور:
البس، نمشي ليهم الحين
قلت له والوقت أول الظهر: مش أحسن المساء
قال: لا، فتح بيت جديد مطلوب التعجل فيه ونؤجر.
في حي الداخلة أساس عطبرة على البحر جلسنا مع الشابة المليحة وأمها الطيبة فطرح عمي لهما الموضوع ونحن نتناول أكواب كركدي سائغة فقالت الأم الأرملة:
يا خال، القرار عندك مادمت موافقا حبابه، أما ابنتها فجلست في خفر والسعادة تشع من محياها، والسكوت رضا.
حين عاد وفدنا للبيت وجدت الخرطومي متلهفا للنتيجة كطالب في انتظار بث مؤتمر نتيجة الشهادة الثانوية ومصيره فباركنا له فانتشى فبنتنا العطبراوية تملكت لبه فعاد للعاصمة استعدادا لمناسبة العمر.
أضاف لي أحمد: أنا بحكي ليك الوقائع دي تبيانا لأهمية وضع كبارنا في قلب أوضاعنا فثنيت وأثنيت.
بدوري حكيت له إجراءنا مقابلات خلال دراستنا العلوم الاجتماعية مع نزلاء دار الضو حجوج للمسنين ببحري ونزيلاتها، التي عادت إليها حديثا من مقرها المؤقت بشندي في ظروف الحرب، وكيف استقر في دواخلي ألا بديل للأسرة حضنا إلا الأسرة، لكن الظروف حكامة.
كيف نلون حيوات سادتنا مسرة؟
*العناية بنظافة موضع
المسن وجسمه وهندامه وطيبه
* *الإسراع به للمشفى عند المرض وعدم مداواته بالبيت.
* *عدم التلفظ بما يجرحه كالحديث عن تأخر وضعه الصحي فالسمع يظل فاعلا حتى بعد الوفاة لحين.
*يظل ذووه بعد مواراته في الثرى يدعون له عند القبر بعد انصراف العامة فهي ساعة السؤال.
* * الاهتمام بتسرية المسن والترفيه عنه وإشراكه في المناسبات السعيدة، فهو أجدر بالفرح، مع لطف الفعل ولين القول.
* * ليت أنديتنا تنظم لقاءات شهرية للمسنين توعوية، ترفيهية.
* سادتنا كبارنا كنوز خبرة فوجودهم سانحة لتدوين التراث الشفاهي، وسلاسل القرابات.
*هل هناك من لا يرجو ذروة السعادة لوالديه وأرحامه؟ علما ألا حد للسن، فشاعر الحقيبة الرائع العبيد حاج الأمين في أتم صحة بالدامر وقد بلغ 127، بل يشدو ويطرب، ليكن طموحنا 150 وطالع،
اتساقا مع المثل:
إذا طلبت اطلب الجوهر
وإذا عشقت اعشق القمر
دمتم شموسا وفية، عطية.