![]()
ليس من السهل تناول ما يجري داخل المؤسسة العسكرية في السودان خلال الأيام الماضية بلغة هادئة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن إعادة هيكلة القيادة العسكرية لم تعد مجرد ترتيبات مهنية، بل باتت تمس جوهر التوازن الوطني نفسه. فالمسألة لم تعد تتعلق بأسماء تذهب وأخرى تأتي، وإنما بسؤال أكبر: لمن يُعاد تشكيل الجيش، وبأي روح يُدار؟
ان إقصاء قيادات بارزة من غرب السودان من قيادة الجيش ، مثل الفريق أول شمس الدين كباشي وآخرين، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يوحي بأن ميزان التمثيل داخل القيادة العليا للقوات المسلحة يميل بشكل متسارع نحو نطاق جغرافي ضيق. هذا التحول، سواء كان مقصودًا أو نتيجة حسابات ظرفية، يبعث برسالة سلبية إلى قطاعات واسعة من السودانيين الذين يرون في الجيش مؤسسة قومية يُفترض أن تعكس تمثيلهم جميعًا، لا أن تختزلهم وتخذلهم.
المفارقة أن التجارب الانقلابية السابقة، رغم كل ما يُؤخذ عليها، كانت أكثر حذرًا في هذا الجانب. فعقب انقلاب سوار الدهب وانقلاب الإنقاذ، حرصت القيادة الجديدة على إشراك ضباط من أقاليم متعددة، ولذلك راينا انقلاب الإنقاذ في يونيو ١٩٨٩م تاتي بامثال إبراهيم نايل إيدام والتجاني آدم الطاهر، بل وحتى بشخصيات مثل بيوكوان رغم أن اختفائه لاحقًا ظل لغزًا مفتوحًا. وهذا التمثيل لم يكن بدافع الإيمان بالتنوع بقدر ما كان إدراكًا عمليًا بأن الجيش الذي لا يمثل الجميع، لن يستطيع أن يحكم الجميع ولا أن يحميهم.
اليوم، يبدو أن هذا الدرس يُنسى أو يُتجاهل. فإعادة إنتاج مركزية ضيقة داخل مؤسسة يفترض أن تكون عماد الوحدة الوطنية، هو رهان محفوف بالمخاطر. إذ لا يمكن فصل تماسك الجيش عن شعور مكوناته المختلفة بالعدالة والانتماء. وكلما ضاق هذا الشعور، اتسعت فجوة الثقة، وتزايدت احتمالات التصدع من الداخل.
ومع ذلك، فإن النقد هنا لا ينبغي أن ينزلق إلى التبسيط أو الاتهام المجاني. فقد تكون هناك اعتبارات أمنية تتعلق بالحرب الجاريه أو حسابات تتعلق بالكفاءة أو الولاء المؤسسي وهذه ستفرض نفسها في لحظة معقدة تمر بها البلاد. ولكن حتى هذه المبررات، مهما كانت وجاهتها، لا يمكن أن تبرر الإخلال بالتوازن الوطني على المدى الطويل. فالاستقرار الذي يُبنى على الإقصاء، هو استقرار هش بطبيعته.
السودان اليوم في مفترق طرق، وهو عملياً فيه عاصمتان واحدة في بورتسودان واخرى في نيالا وأي خطأ في تقدير طبيعة مؤسساته السيادية قد تكون كلفته باهظة. فالجيش السوداني ليس مجرد جهاز أمني، بل هو مرآة للدولة نفسها. وإذا ما انكسرت هذه المرآة، أو عكست صورة مشوهة لمجتمعها، فإن ذلك يهدد الفكرة التي تقوم عليها الدولة من الأساس.
والحل ليس معقدًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية ومهنية واضحة: إعادة الاعتبار لمبدأ القومية داخل القوات المسلحة السودانية ، والحد من نفوذ المليشيات الكيزانية وضمان تمثيل عادل يراعي التنوع الجغرافي والإنساني للسودان، دون التضحية بمعايير الكفاءة والانضباط. فهذه المعاني ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية. ففي نهاية المطاف، يمكن لأي قيادة أن تعيد ترتيب صفوفها كما تشاء، لكن لا يحق لها أن تعيد تعريف الوطن على مقاسها الضيق. فالسودان، بتاريخه وتعقيداته، أكبر من أن يُختزل في جهة واحدة أو صوت واحد او قبيلة واحدة. وأي محاولة لفعل ذلك، لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة التي يسعى الجميع ، نظريًا على الأقل للخروج منها.