![]()
لا يحتاج الأمر إلى ذكر البنادق أو المتاريس صراحة حتى يظهر أثر الحرب الأهلية في كلام اللبنانيين.
حين يتحدثون عن الخوف، أو عن الشارع، أو عن التوتر، كثيرًا ما تبدو لغتهم كأنها خارجة من حرب لم تغادرهم تمامًا.. يكفي أن يقال: “الوضع لا يطمئن”، أو “الشارع مش مرتاح”، أو “في خوف من انفلات”، أو “صار في شد حبال”، حتى يعود مناخ كامل من الحذر والتهيؤ والقلق.
هكذا، لا تبقى الحرب في لبنان حكاية سياسية مؤرخة بين 1975 و1990، وإنما تستمر أيضًا كلغة كامنة في الحديث اليومي، وفي الطريقة التي يصف بها الناس الخطر، ويقرأون بها الاختلاف، ويتوقعون بها ما قد يأتي.
لا تبدو لغة الحرب مجموعة تعابير قديمة استمرت بحكم العادة فقط. إنها طريقة في فهم العالم أيضًا. فالمفردات لا تعيش لأنها مألوفة وحسب، وإنما لأنها ما زالت تؤدي وظيفة في مجتمع لا يشعر أن الحرب صارت ماضيًا مغلقًا بالكامل.
الحرب حين تنتقل من الجبهة إلى الجملة
في زمن الحرب، كانت الكلمات تؤدي وظيفة مباشرة: خط تماس، قنص، حاجز، منطقة شرقية، منطقة غربية، تهجير، معبر، ملجأ.
كانت اللغة آنذاك مرتبطة بالفعل بالخطر القائم. غير أن المثير في الحالة اللبنانية أن عددًا من هذه المفردات لم يبقَ حبيس زمنه، بل خرج من معناه العسكري الضيق إلى المجال المدني الواسع.
صار “الخط” يعني التوتر والحدود النفسية بين الناس، وصار “الحاجز” حاضرًا في مخيلة اللبناني حتى في غيابه الفيزيائي، وصارت “المنطقة” كلمة مشحونة بدلالات تتجاوز الجغرافيا إلى الهوية والانتماء والحذر.
من هنا، لم تعد لغة الحرب تُستخدم فقط لاستحضار الماضي، وإنما لفهم الحاضر أيضًا.
من القاموس العسكري إلى الحياة اليومية
وليست قوة هذه اللغة في بقاء مفرداتها الأصلية فقط، وإنما في قدرتها على إعادة تشكيل التعابير اليومية الأوسع. فعبارات مثل “الوضع لا يطمئن” أو “في شيء بالجو” أو “ما حدا يغامر” أو “كل واحد ينتبه على حاله” لا تبدو، في ظاهرها، عسكرية.
غير أن خلفيتها النفسية مشبعة بمنطق الحرب: توقع الأسوأ، الحذر من المفاجأة، والاستعداد للانكفاء السريع. بهذا المعنى، تتسع لغة الحرب إلى ما هو أبعد من أسماء المعارك والميليشيات، وتصبح لغة مزاج عام وسلوك يومي.
وهنا تكتسب المفردات وزنها من التجربة لا من المعجم. فالكلمة لا تحمل معناها القاموسي فقط، وإنما تحمل أيضًا تاريخ استعمالها وطبقات الخوف التي التصقت بها.
اللكنة أيضًا تحمل أثر الحرب
لا يقف الأثر عند الكلمات فالحرب الأهلية اللبنانية لم تترك بصمتها في مضمون الكلام فقط، وإنما في طريقة النطق أيضًا، وفي ما توحي به اللكنة عن الأصل والمكان والجماعة.
الحرب الأهلية في لبنان لم تقسّم الأحياء والطرقات فقط، وإنما أعادت أيضًا ترميز الاختلافات الصغيرة وإعطاءها شحنة إضافية.
اللكنة التي قد تبدو اليوم تفصيلًا ثقافيًا أو اجتماعيًا بريئًا، يمكن أن تحمل في الذاكرة الأقدم معنى الانتماء، أو القرب من حيّ بعينه، أو صورة جماعة بعينها.
حين تغيب الرواية المشتركة، تتكلم البيوت
وتشير ورقة السياسات الصادرة عن “المركز اللبناني للدراسات”، إلى أن تعليم التاريخ ما زال أحد أكثر الملفات تعقيدًا، وأن النزاعات التاريخية، وفي مقدمتها الحرب الأهلية، بقيت عالقة بين الروايات المتعارضة والحساسيات الطائفية والسياسية. في مثل هذا الفراغ، تصبح البيوت المصدر الأهم للمعنى.
من هناك يتلقى الأبناء اللغة التي تصف الماضي، ومعها اللغة التي تصف الحاضر أيضًا.
ولهذا، لا يرث اللبنانيون من الحرب الأحداث فقط، وإنما يرثون مفرداتها ونبراتها واستعاراتها. يسمعونها في البيت، في الحي، في التعليقات العابرة على الأخبار، في طريقة الأهل في التحذير، وفي الصمت أحيانًا أكثر من الكلام.
لماذا تبقى لغة الحرب حية؟
الجواب الأوضح أن الحرب لم تُعالج بما يكفي حتى تخرج من الكلام. ما دام الماضي في لبنان موزعًا بين روايات متنافسة، وما دامت العدالة والذاكرة والمحاسبة ملفات غير مكتملة، تبقى اللغة مكانًا بديلًا لتخزين ما لم يُحسم.
الكلمات هنا لا تحفظ الماضي فقط، وإنما تحفظ أيضًا طريقة المجتمع في الاحتماء منه وتوقع عودته. لذلك، كلما اهتز البلد، عادت العبارات نفسها إلى التداول، وكأن اللسان اللبناني يعرف طريقه سريعًا إلى الحرب حتى حين يرفضها سياسيًا وأخلاقيًا.
فمن يريد أن يعرف ما الذي بقي من الحرب في الحياة اليومية، يكفيه أن يستمع جيدًا إلى الكلام. هناك، في الجمل العادية والتحذيرات العابرة وتعابير القلق المألوفة، تعيش حرب خرجت من الشارع، وسكنت اللغة.
