![]()
في تاريخ العمل الفدائي الفلسطيني، برز خليل الوزير “أبو جهاد” بوصفه واحدًا من أكثر القادة تأثيرًا في الكواليس، إذ قاد من الظل عمليات نوعية تركت أثرًا عميقًا في إسرائيل.
خليل الوزير “أبو جهاد”، القيادي البارز في حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وأحد أبرز مؤسسيها، والذي عُدّ الرجل الثاني فيها، بعد ياسر عرفات.
ما يُحكى عن سيرة “أبو جهاد” كثيرٌ جدًا، لكن تبقى هناك أسرار لم يُكشف عنها، يرويها من عايشه ورافقه، خصوصًا في لبنان حيث نشط خليل الوزير عسكريًا على نطاق واسع ضمن حركة “فتح”. وقد قاد الوزير عمليات وأشرف على مهمات نوعية نُفذت ضد إسرائيل، ولا سيما في الداخل الفلسطيني المحتل.
التقى موقع التلفزيون العربي اللواء قاسم علي رمضان، الذي واكب “أبو جهاد” عن كثب، إذ أشرف هذا الأخير على نشاطه العسكري داخل لبنان ضمن العمل الفدائي ضد إسرائيل.
كما التقى القيادي في قوات الأمن الوطني الفلسطيني عبد الهادي الأسدي، الذي خاض تجربة مباشرة مع “أبو جهاد” في بيروت.
فماذا كشف كلٌّ من رمضان والأسدي عن شخصية خليل الوزير؟ وما الذي قيل عن نشاطه والأسرار التي أحاطت بدوره العسكري داخل لبنان؟
“أبو جهاد”.. شاهد على النكبة والتهجير
وُلد خليل الوزير “أبو جهاد” في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 1935 في مدينة الرملة بفلسطين. وهو نجل إبراهيم محمود الوزير وفوزية خليل شيخو، وله ستة أشقاء.
في يوليو/ تموز 1948، غادر “أبو جهاد” مدينة الرملة بعدما احتلتها الجماعات الصهيونية، وانتقل إلى اللطرون فرام الله ثم الخليل، وصولًا إلى غزة حيث استقر. وقبيل خروجه من مدينته، تعرّض لإطلاق نار من قبل عصابة “الهاغاناه” الصهيونية، لكنه لم يُصب بأذى. (1)
وفي إحدى الشهادات المنقولة عن الوزير، يتحدث عن رحلة التهجير التي عاشها عام 1948، حين كان في الثانية عشرة من عمره.
وتروي الشهادة كيف بدأت عملية تهجير سكان مدينة الرملة، مسقط رأسه، مشيرًا إلى أن المدينة لبّت نداء الاستغاثة من سكان يافا الذين تعرضوا لهجمات العصابات الصهيونية.
وأرسل أهالي الرملة مساعدات إلى يافا، رغم امتلاكهم أسلحة بسيطة، في ظل قناعة سائدة بأن سقوط يافا سيعني سقوط الرملة واللد أيضًا.
ومع تصاعد الأحداث، حوصر السكان داخل منازلهم في الرملة واللد، وتمسكوا بالبقاء، فيما حاول وجهاء الرملة التفاوض مع التنظيمات الصهيونية للسماح بدخولها مقابل عدم إيذاء السكان أو اعتقالهم، إلا أن هذه المحاولات قوبلت بالرفض.
لاحقًا، تعرضت المدينة لقصف مدفعي، ما أدى إلى تضرر منزل الوزير. وفي خضم ذلك، طلب رئيس البلدية من السكان اللجوء إلى المساجد والكنائس. ويقول الوزير في شهادته: “كنا نعيش في جزء مسيحي من المدينة، فدخلنا كنيسة الروم الكاثوليك، وبقينا فيها يومين قبل دخول القوات اليهودية”.
ويروي أنه شاهد القتل بأم عينه، مع إطلاق النار على النساء والأطفال في الشوارع. وعندما وصلت القوات إلى محيط الكنيسة، رفع الكاهن راية بيضاء، فدخلوا المكان، واقتادوا الشبان والرجال إلى السجون ومعسكرات الاعتقال، فيما تُركت النساء والأطفال.
وفي اليوم التالي، سُمح للسكان بالعودة إلى منازلهم، لكن عمليات الدهم تواصلت بذريعة البحث عن أسلحة، ما رسّخ حالة من الخوف والهلع دفعت الأهالي إلى المغادرة.
وبحسب الوزير، استخدمت القوات الإسرائيلية مكبرات الصوت لمطالبة السكان بالرحيل فورًا، مع وعود بتأمين حافلات لنقلهم، إلا أن السكان انتظروا يومين في العراء قبل وصولها.
-
خليل الوزير “أبو جهاد” في سطور
الميلاد والنشأة: وُلد في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1935 بمدينة الرملة، فلسطين، ونشأ ضمن عائلة مكوّنة من والديه إبراهيم محمود الوزير وفوزية خليل شيخو وستة أشقاء.
التهجير عام 1948: غادر الرملة بعد احتلالها، وتنقل عبر اللطرون فرام الله والخليل، واستقر لاحقًا في غزة، بعد تجربة تهجير صعبة وشهد خلالها العنف والقصف وعمليات الاعتقال.
التعليم المبكر: أكمل دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين الثانوية بغزة عام 1954.
العمل العسكري السري: بدأ بتنظيم خلايا عسكرية تنفذ عمليات ضد إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأصبح مسؤولًا عن “القطاع الغربي” لحركة فتح، مُشرفًا على العمليات داخل فلسطين من لبنان.
اغتياله: استشهد في 16 أبريل/ نيسان 1988 في تونس، بعد أن استهدفته إسرائيل انتقاميًا نتيجة العمليات النوعية التي قادها ضد العمق الإسرائيلي، خصوصًا عملية مفاعل ديمونا.
وخلال عملية التهجير، يروي الوزير حادثة نجاته من إطلاق نار، حين حاول أخذ طعام من حقيبته بعد استئذان أحد الجنود، فصرخ جندي آخر بالعبرية، قبل أن تطلق رصاصة باتجاهه، لتصيبه النجاة ويُصاب أحد جيرانه بدلًا منه.
وفي مرحلة لاحقة، نُقل السكان باتجاه رام الله، قبل أن يُطلب منهم إكمال الطريق سيرًا على الأقدام، وسط قصف استهدف الطرق التي سلكوها. وبعد معاناة شاقة، وصل الوزير مع عائلته إلى رام الله، ومنها انتقل إلى غزة حيث استقر. (2)
خليل الوزير.. بداية رحلة “الفدائية”
بعد انتقال “أبو جهاد” إلى غزة، تلقّى تعليمه هناك، وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين عام 1954. وارتبط الوزير بجماعة الإخوان المسلمين عام 1952، لكنه غادرها لاحقًا بعد رفض قيادتها مشروع كفاح مسلح كان قد طرحه.
وبدأ بعدها بتنظيم خلايا عسكرية نفذت عمليات ضد الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المتاخمة لقطاع غزة، من بينها تفجير خزان مياه “زوهر” قرب بيت حانون في فبراير/ شباط 1955. وعلى إثر العملية، شنّت القوات الإسرائيلية هجومًا على غزة، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى من الفلسطينيين والمصريين.
وفي العام نفسه، التحق بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية، متخصصًا في الصحافة، لكنه لم يُكمل دراسته. وفي عام 1956، شارك في معسكر تدريبي نظمته “رابطة طلاب فلسطين”، حيث توطدت علاقته بياسر عرفات.
وفي عام 1957، انتقل إلى السعودية وعمل مدرسًا، قبل أن يتوجه إلى الكويت، حيث أقام حتى عام 1963.
وفي الكويت، عقد الوزير لقاءات مع عرفات أسفرت عن الاتفاق على تأسيس تنظيم سري يهدف إلى تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح.
ووفق “مؤسسة الدراسات الفلسطينية”، شارك الاثنان في نوفمبر/ تشرين الثاني في اجتماع عُقد داخل شقة في الكويت، بمشاركة فلسطينيين وآخرين من دول عربية، جرى خلاله اتخاذ قرار تأسيس حركة “التحرير الوطني الفلسطيني” (فتح). ومنذ ذلك الحين، اختير “أبو جهاد” عضوًا في لجنتها المركزية الأولى، وبقي في هذا المنصب حتى استشهاده عام 1988. (3)
وتشير الروايات إلى أن الوزير عمل بين عامي 1960 و1962 على تشكيل خلايا سرية لحركة “فتح” في مدن الضفة الغربية، وساهم في شراء وتخزين السلاح لها. وفي عام 1963، انتقل إلى الجزائر، حيث تولّى مسؤولية أول مكتب لفلسطين هناك، كما أشرف على تنظيم دورات عسكرية لمتطوعين فلسطينيين في الكلية الحربية.
وفي عام 1964، شارك مع عرفات في افتتاح مكتب لفلسطين في الصين، قبل أن ينتقل إلى سوريا، حيث أسّس مقر القيادة العسكرية، وتولى مهمة التنسيق مع الخلايا الفدائية داخل فلسطين.
وفي عام 1966، اعتُقل في سوريا مع ياسر عرفات وآخرين، بتهمة التسبب بمقتل الضابط الفلسطيني في الجيش السوري يوسف عرابي.
وخلال حرب عام 1967، أشرف الوزير على تنظيم عمليات عسكرية ضد إسرائيل في الجليل الأعلى شمال فلسطين. وفي سبتمبر/ أيلول 1970، وبعد صدامات بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني، انتقل مع ياسر عرفات إلى لبنان، حيث استقر.
“أبو كتف”.. خليل الوزير والعمل السري
في حديثٍ لموقع “التلفزيون العربي”، يستعرض اللواء قاسم علي رمضان (76 عامًا) ملامح من سيرة خليل الوزير “أبو جهاد” ودوره في العمل السري، مشيرًا إلى أنّه كان يتولى مسؤولية ما يُعرف بـ”القطاع الغربي” في حركة “فتح”، وهو الجهاز المكلّف بإدارة العمليات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويوضح رمضان أنّ الوزير كان مسؤولًا عن مجمل العمليات الفدائية التي تنفذها “فتح” داخل فلسطين، كما كان يُشرف عليها من لبنان، لافتًا إلى أنّه شكّل اليد اليمنى للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في إدارة هذا الملف.
ويستعيد رمضان أول لقاء جمعه بـ”أبو جهاد” في سوريا عام 1969، حيث كان يُعرف هناك بلقب “أبو كتف” نظرًا لطلّته اللافتة. ويقول: “كان اسمه لامعًا في سوريا، وكان يُقال: جاء أبو كتف ورحل أبو كتف. عُرف بإصغائه أكثر من حديثه، ونادرًا ما كان يرتدي بزّة رسمية”.
ويلفت إلى أنّ “أبو جهاد” ابتعد عن العمل السياسي، إذ انصبّ تركيزه على النشاط العسكري السري، موضحًا أنّه كرّس وقته بالكامل لهذا المسار. ويضيف: “كان حريصًا على تعريف أبنائه بالحياة الفدائية، فكان يرسلهم إلى مخيمات وقواعد عسكرية للفلسطينيين في جنوب لبنان، حيث كان كلّ منهم يمكث في موقع مختلف”.
ويتابع: “في إحدى المرات، قامت زوجته انتصار الوزير، وهي ابنة عمّه، بجولة على المواقع التي يتواجد فيها أبناؤها، وقد رافقتها شخصيًا خلال تلك الزيارة”.
ويتحدث رمضان عن إشراف الوزير على العملية التي نفذتها الشهيدة دلال المغربي مع مجموعة من الفدائيين داخل إسرائيل في مارس/ آذار 1978، والتي انتهت باستشهادها بعد اشتباك مع الجيش الإسرائيلي على الطريق الساحلي بين حيفا وتل أبيب.
ويشرح أنّ الخطة كانت تقضي بالانطلاق بحرًا من لبنان، وتنفيذ إنزال على أحد الشواطئ الفلسطينية، ثم السيطرة على فندق في تل أبيب واحتجاز رهائن بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية. (4)
ويكشف رمضان أنّه كان حينها يعمل ضمن قطاع البحرية في حركة “فتح”، مضيفًا: “واكبتُ العملية منذ انطلاقها بحرًا. كان أبو جهاد يتابعها عن كثب، ويرصد تحرك الزوارق التي أقلّت المغربي والفدائيين من منطقة الدامور جنوب بيروت، حيث كان يقف على تلة تُعرف بتلة الحمرا”.
ويصف رمضان “أبو جهاد” بأنه كان من “قيادة الظل”، مشيرًا إلى أنّه لم يكن يفضّل الظهور أو المواكب الكبيرة، إذ كان يتنقّل بسيارة من طراز “بيجو 504” وبرفقة مرافق واحد في معظم الأحيان، قائلًا: إن “الوزير لم يكن يهوى المواكب الكبيرة والفضفاضة”.
عملية في البحر.. “أبو جهاد” على الشاطئ
يتحدث اللواء قاسم رمضان المعروف بـ”أبو علي” عن مهمة بحرية نفذها وواكبها خليل الوزير “أبو جهاد” شخصيًا خلال سبعينيات القرن الماضي، حين كان رمضان مسؤولًا عن الأمن والاستطلاع ضمن حركة “فتح” في مدينة صور.
ويقول رمضان: “أرسلني أبو جهاد مع شخصين آخرين عبر زورق للقيام بعملية استطلاع في البحر تجاه هدف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. عند وصولنا إلى رأس الناقورة، شاهدنا مدينتي عكا ونهاريا، ثم تلقينا أمرًا بالعودة”.
ويضيف: “أثناء العودة، انحشر شباك بحري حول محرك الزورق، ما تسبب بعطل فني. غصت فورًا تحت الماء لقطع الشباك، ثم بدأنا بسحب الزورق تدريجيًا حتى وصلنا إلى شاطئ صور، حيث فوجئنا بأبو جهاد ينتظرنا مع مجموعة أشخاص وسيارة. تم سحب الزورق إلى الشاطئ، وتأكد أبو جهاد من سلامتنا قبل أن يغادر إلى وجهة مجهولة”.
ويشير رمضان إلى أن أبو جهاد حضره لاحقًا إلى أحد مراكز “فتح” في مدينة صور، وقال لهم عند الساعة 8:30 مساءً عبارة قال إنها بقيت في ذاكرته: “لا رحنا ولا جينا”. ويضيف: “تم وضعنا مع الشابين الآخرين بغرفة واحدة، وكانت الرسالة واضحة: ما حصل يجب أن يُنسى وألا يُتحدث عنه. استنتجت أن السبب يعود إلى احتمال انكشاف الاستطلاع، ولذا كان من الضروري الحفاظ على السرية التامة”.
ويلفت رمضان إلى أن “كل شيء كان يُنفذ بالسر”، ويضيف: “ما إن كنا نُسأل عما حصل معنا، حتى نقول إننا كنا نقوم باصطياد السمك وتعطل بنا الزورق، لاسيما أننا كنتُ من الصيادين المعروفين ولدي نشاط دائم في البحر على صعيد صيد الأسماك”.
“أبو جهاد” يخترق “التحقيق الإسرائيلي”
خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو/ حزيران 1982، اعتقلت قوات إسرائيلية اللواء قاسم رمضان واحتُجز في عدة معتقلات داخل فلسطين، من بينها مجدو، وعسقلان، والجلمة، كما مكث أيضًا في معتقل أنصار جنوب لبنان.
وخلال عملية تبادل حصلت عام 1983، أُطلق سراح رمضان مع أسرى آخرين في نوفمبر/ تشرين الأول، وتم نقلهم من مطار بن غوريون في تل أبيب إلى الجزائر. بعد أسبوع من الإفراج، زار خليل الوزير “أبو جهاد” الأسرى المحررين في الجزائر.
ويقول رمضان: “خلال لقائنا، سألني عن أحوالي في المعتقلات بسبب التعذيب الشديد الذي تعرضت له. لكن الصدمة الكبرى كانت أن أبو جهاد كان يعلم كل شيء عما حصل معي داخل السجن، رغم أنني لم أُدلِ بأي اعتراف. وتبيّن لاحقًا أن المحقق الإسرائيلي الذي تولى التحقيق معي كان قد جندّه أبو جهاد لصالحه، وهو ما مكّنه من اختراق أسوار التحقيقات الإسرائيلية بطريقة لا يمكن تصوّرها.. وقد وصفني بالبطل لأنني لم أُدلِ بأي اعتراف”.
بعد وجوده في الجزائر، تلقى رمضان تعليمات من “أبو جهاد” بالعودة إلى لبنان لمواصلة العمل العسكري، موضحًا: “أعطاني أبو جهاد إحداثيات مستودعات الصواريخ الخاصة بحركة فتح، وكل شيء كان يخضع لإدارته المباشرة”.
ويشير رمضان إلى أن عمله كان محفوفًا بالمخاطر، حتى أن الإسرائيليين استهدفوا منزله في صور خلال اجتماع مع مسؤولين آخرين في “فتح”، بينهم أبو جمال يعقوب، وعثمان حمادة، وسمير حمد. ويكمل: “أُبلغت في الأسر أن الإسرائيليين سيواصلون مطاردتي، وهذا ما حدث بالفعل. إثر القصف نجوت بأعجوبة مع عائلتي وزملائي، وأصيب بعضنا بجروح طفيفة فقط”.
عمليات نوعية.. “أبو جهاد” وضرب العمق الإسرائيلي
ارتبط اسم خليل الوزير “أبو جهاد” بعدة عمليات نوعية، كان أبرزها عملية دلال المغربي التي نفذت ردًا على اغتيال إسرائيل لقادة فلسطينيين مثل كمال عدوان، كمال ناصر، ومحمد يوسف النجار في بيروت خلال أبريل/ نيسان 1973.
ولم تقتصر نشاطات “أبو جهاد” على هذه العملية، بل قاد أيضًا عمليات مثل:
-
عملية تل الفخار:
يقول رمضان في حديثه لموقع التلفزيون العربي: إنّ “أبو جهاد” كلف “أبو فارس الفلسطيني” لتنفيذ عملية تل الفخار، حيث كان الهدف هو اختطاف رهائن لمبادلتهم مع أسرى، لكن العملية انتهت بمعركة ولم يجرِ أسر رهائن خلالها.
-
عملية فندق سافوي (1975):
أدار العملية “أبو جهاد” بنفسه، حيث تسلل فدائيون إلى تل أبيب عبر البحر بهدف الوصول إلى مقر وزارة الدفاع، إلا أن الفدائيين اقتصروا على السيطرة على فندق “سافوي” واحتجاز رهائن. بعد اشتباكات عنيفة، قصف الجيش الإسرائيلي الفندق، ما أدى إلى مقتل العشرات من الإسرائيليين واستشهاد الفدائيين، وبقي ناجٍ واحد هو موسى حسن، كما يكشفُ رمضان لموقع “التلفزيون العربي”.
ويضيف رمضان: “انطلقت المجموعة من منزل عزمي صغيّر في لبنان، وشقت طريقها عبر البحر بواسطة زورقين، وكان المشاركون: خضر أحمد جراح، عمر الشافعي، أحمد أبو قمر، عبدالله كليب، محمد الحلواني، موسى أبو ثريا، نايف الصغير، وموسى حسن، الناجي الوحيد”.
ويصف رمضان هذه العملية بأنها “نوعية وجريئة جدًا”، مشيرًا إلى أنّ “أبو جهاد كان العقل المخطط والمدبر لها بعد عدة عمليات استطلاع دقيقة، وقد شكلت ضربة كبيرة للعمق الإسرائيلي”.
-
عملية مفاعل ديمونا (مارس/ آذار 1988):
استهدفت ضرب مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي، وكانت تمهيدًا لاغتيال “أبو جهاد” في تونس لاحقًا على يد إسرائيل. قاد العملية ثلاثة فدائيين هم محمد الحنفي، محمد عيسى، وعبد المجيد كلاب، بهدف تحرير 9 آلاف أسير فلسطيني اعتقلوا أثناء انتفاضة الحجارة عام 1987.
في تلك العملية، استولى الفدائيون على حافلة تنقل ضباطًا وعمالاً إلى المفاعل، لكن ما حصل هو أن طائرة حربية اعترضت الطريق بعد ورود معلومات عما حصل، فتم إطلاق النار على الحافلة ما أدى إلى اندلاع معركة بين الفدائيين وجنود إسرائيليين فتحوا النار باتجاه الحافلة. عندها، تمكن المقاومون الفلسطينيون من قتل 3 جنود وامرأة قبل أن يستشهدوا. (5)
“أبو جهاد” وحادثة الرسالة
من جهته، يتذكر القيادي في قوات الأمن الوطني الفلسطيني، المقدم عبد الهادي الأسدي، تجربة شخصية مع خليل الوزير “أبو جهاد” خلال مطلع مراهقته في ثمانينيات القرن الماضي، إذ عايش بنفسه تفاصيل عملية تسليم رسالة سرية مباشرة إلى ياسر عرفات.
ويقول الأسدي في حديث لموقع “التلفزيون العربي”: “كان والدي مسؤولًا ماليًا لدى أبو جهاد، لذا كنت أرافقه أحيانًا إلى المكتب الرئيسي الخاص بالأخير في بيروت. كان أبو جهاد يناديني بـ(الشبل أبو نضال)، وذات مرة طلب مني إيصال رسالة خاصة وسرية إلى ياسر عرفات الذي كان متواجدًا داخل غرفة العمليات بكلية الهندسة في جامعة بيروت العربية”.
ويضيف: “آنذاك، كنت أمتلك دراجة هوائية أنتقل عليها، فقمت بأخذ الرسالة واتجهت نحو المكان الذي يتواجد فيه عرفات. في بادئ الأمر، رفض مرافقو الأخير إدخالي إلى المكان، بينما رفضتُ بدوري إعطاء أي أحد الرسالة لأن أبو جهاد طلب مني تسليمها باليد. وبعد أخذ ورد، عدتُ أدراجي إلى مكتب أبو جهاد، فأبلغته بالأمر الذي جعله يغضب جدًا، فقام بإجراء اتصالات بالمكتب الذي كان يمكث فيه عرفات طالبًا استقبالي على الفور، فعدتُ أدراجي ودخلت المكان حتى قابلت الأخير. عندها، كان عرفات يمكث مع القيادي سعد صايل، فطلب مني أن أجلس كي أحتسي الشاي. عندها رأيتُ عرفات يمسكُ قلمًا باللون الأحمر وكتب على الرسالة ثم طلب مني أن أعيدها إلى أبو جهاد”.
وأكمل: “عندها، توجهت إلى المكتب لكن أبو جهاد كان غادره. عندها، قررت التوجه إلى منزل الأخير مقابل جامع الحوري في بيروت، بعدما رفضت أن أعطيها لمدير مكتبه، لأن عرفات طلب مني ألا أعطي الرسالة لأحد. حينها، دخلت إلى المنزل بعد إصرار لأن المرافقين رفضوا ذلك، والتقيت أبو جهاد وأعطيته الرسالة، وطلب مني أن أستريح لأشرب العصير”.
يشير الأسدي إلى أن “أبو جهاد” كان يفضّل الاعتماد على الصغار في السن، أو ما كان يُعرف بالأشبال، لتعزيز الروح القيادية لديهم، مؤكدًا أن هذا الأسلوب كان من السمات المعروفة للقيادي الفلسطيني الراحل الذي اغتيل 16 أبريل/ نيسان عام 1988.
-
شهادات وعبر تاريخية
يُعد خليل الوزير “أبو جهاد” من أبرز القادة الفلسطينيين الذين تركوا بصمة واضحة في النضال الوطني، وساهموا بشكل كبير في إرباك إسرائيل خلال مسيرتهم الطويلة.
وتميز “أبو جهاد” بقدرته على التخطيط والإشراف على عمليات نوعية داخل العمق الإسرائيلي، بينما ظل بعيدًا عن الأضواء، مما مكّنه من إدارة ضربات مؤثرة انطلقت من لبنان.
وتشكل الشهادات التي نقلها من عاشوا معه دليلاً توثيقيًا على دوره في العمل الفدائي، وتضاف إلى المعلومات المسجلة عن خليل الوزير، الرجل الثاني في حركة “فتح” وأحد أعمدتها ومؤسسيها البارزين.
المراجع:
*مقابلة خاصة لموقع “التلفزيون العربي” مع قاسم علي رمضان، لواء متقاعد في حركة “فتح” واكب خليل الوزير شخصيًا
