تفكيك معادلة الحرب: المحددات الواقعية لإنهاء الصراع في السودان

تفكيك معادلة الحرب: المحددات الواقعية لإنهاء الصراع في السودان

Loading

ترتبط محددات إنهاء الحرب في السودان، وهي تدخل عامها الرابع، بمجموعة معقدة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها توازن القوى الميداني؛ حيث يمكن وصف الوضع الراهن على الأرض بحالة من الإنهاك والاستنزاف المتبادل، أو الوصول إلى نقطة استحالة الحسم العسكري الكامل لأي طرف. هذا الانسداد الميداني يجعل من الإرادة السياسية عاملاً حاسماً، والمتمثلة في مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات مؤلمة وإعادة ترتيب الأوراق السياسية بعيدًا عن لغة الرصاص. ويأتي العامل الإقليمي والدولي مكمّلاً حيوياً عبر تكثيف الضغوط على طرفي النزاع، وضرورة التنسيق بين المبادرات المتعددة لمنع تضاربها. كما لا يمكن إغفال تأثير التدهور الاقتصادي المريع والكارثة الإنسانية التي باتت تضغط على بنية الأطراف المتحاربة ذاتها، مما أدى إلى تضعضع تماسكها الداخلي وظهور مؤشرات التشظي في مراكز القرار.

وتبدو مؤشرات اقتراب نهاية الحرب في التبلور تدريجياً، وإن كانت ببطء؛ ويتجلى ذلك في التراجع النسبي لوتيرة العمليات العسكرية الكبرى، وتحول الخطاب الإعلامي من نبرة الحسم المطلق إلى البحث عن مخارج سياسية، بالتزامن مع إمكانية فتح قنوات التفاوض.

تبرز في هذا السياق إشارات هامة، منها مؤتمر برلين الذي يسعى لتوحيد المبادرات الدولية، لا سيما التنسيق بين الرباعية والخماسية وبريطانيا والنرويج، لخلق منصة دولية منسقة. كما يمثل إعادة فتح مكتب الأمم المتحدة في الخرطوم خطوة استراتيجية، خاصة مع الترتيبات الجارية لاجتماع وكالاتها لصياغة تصور إنساني متكامل يهدف إلى تعزيز إجراءات بناء الثقة، مثل الإفراج عن الأسرى وفتح الممرات الإنسانية وتحسين وضع حقوق الإنسان، وصولاً إلى معالجة الانهيار في قطاعي الصحة والتعليم. وهي ملفات تتطلب تفاهمات مباشرة ومسؤولة مع طرفي الحرب، ويواكب ذلك تغير ملموس في سلوك الحلفاء الخارجيين الذين بدأوا يميلون نحو تقليص الدعم العسكري والدفع نحو طاولة المفاوضات.

ويمكن قراءة التغييرات الأخيرة داخل المؤسسة العسكرية بإعتبارها مؤشراً على الدخول في طور جديد من إعادة ترتيب موازين القوة وبنية القرار الداخلي، غير أنها تظل خطوة منقوصة ما لم تُدرج ضمن رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها السطحية فقط. إن نجاح أي انتقال حقيقي يقتضي بالضرورة تفكيك شبكات النظام البائد داخل أجهزة الدولة، ومنع تسييس المؤسسات عبر أطر قانونية، وإنهاء ظاهرة الميليشيات وتعدد الجيوش عبر مسار واضح يؤدي إلى احتكار الدولة للعنف المشروع من خلال جيش مهني واحد. كما يتطلب ذلك تحولاً نوعياً في الخطاب من منطق التعبئة الحربية إلى أفق الحل السلمي، مقروناً بانخراط جاد مع خطة الرباعية كإطار مرجعي للحل السياسي. فبدون هذا الترابط الوثيق بين الإصلاح الأمني والتحول السياسي، ستظل أي إجراءات جزئية عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام.

كما يعكس سلوك حكومة بورتسودان والقوى المتحالفة معها نزعة واضحة للانكفاء على خيار الحرب ورفضاً عملياً لأي آفاق جدية للسلام، وهو موقف يطيل أمد الصراع ويعقّد الاستجابة للأزمة الإنسانية المتفاقمة. ويتجلى ذلك بوضوح في التعاطي السلبي مع مؤتمر برلين كمنصة دولية تستهدف حماية المدنيين وتنسيق الدعم الإغاثي. إن هذا النهج يعكس غياب الرؤية السياسية المسؤولة ويقوّض فرص بناء عملية سياسية، إذ إن الانخراط في المسارات الدولية يمثل التزاماً أخلاقياً ووطنياً تجاه معاناة الملايين من السودانيين، وخطوة ضرورية لتهيئة المناخ لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.

في المقابل، يعيش الدعم السريع وتحالف تأسيس مأزقاً يعكس عجزاً بنيوياً في استيعاب التحولات العميقة التي أفرزتها الحرب، والانتقال من منطق السيطرة العسكرية إلى مقتضيات الفعل السياسي المسؤول. إن المحاولات الرامية إلى تحقيق مكاسب عبر حكومة موازية تبدو ردة فعل غير مدروسة، وتفتقر إلى أدنى شروط الشرعية والقدرة المؤسسية. والواقع في مناطق سيطرة الدعم السريع يؤكد هذا الاختلال؛ حيث يتصاعد الاستقطاب القبلي الحاد على حساب النسيج الاجتماعي، مع انهيار تام في الخدمات الأساسية. هذا الفشل لا يمثل أزمة في الأدوات فحسب، وإنما أزمة في الرؤية والمشروع، مما يحد من فرص التحول إلى طرف سياسي جاد في أي معادلة سلام مستقبلية.

صحيح أن الحرب قد تدخل مرحلة حاسمة في عامها الرابع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قرب نهايتها ما لم تتوافر شروط متزامنة تتمثل في قناعة الأطراف بعبثية الحسم العسكري، وتوافق إقليمي ودولي صلب، ووجود قوى مدنية منظمة قادرة على تمثيل بديل سياسي موثوق. في هذا السياق، تتزايد أهمية القوى المدنية كلما تعثر الخيار العسكري، غير أن تأثيرها يظل مرهوناً بقدرتها على التماسك وفرض حضورها في العملية السياسية. ومن المعلوم بالضرورة أن القوى المدنية ليست طرفاً في القتال، لكنها الطرف الثالث والأساسي في معادلة السلام، باعتبارها الجهة القادرة على كسر ثنائية الصراع المسلح وفتح أفق سياسي يستند إلى الشرعية الشعبية لا القوة العسكرية.

ويقتضي هذا الدور توافر إرادة سياسية تتجسد في الاستعداد لتقديم تنازلات حقيقية، وتغليب مصلحة الوطن على المكاسب الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار، يشكل انخراطها الجاد في مبادرة الخماسية فرصة عملية لتأسيس مسار حوار سياسي يبدأ بالاتفاق على لجنة تحضيرية تمهد لمائدة مستديرة مملوكة للسودانيين، تضمن مشاركة وتمثيلاً متوازناً، وتضع أسساً واقعية لوقف الحرب. كما أن هناك ضرورة ملحة لفك ارتباط القوى المدنية المتحالفة مع طرفي الحرب، لكي تكون جزءاً من عملية سياسية، مما يتيح لطرفي الحرب الإقبال على التفاوض دون حمولات سياسية تعيق الوصول إلى اتفاق سلام.

ختاماً، إن فرصة إنهاء الحرب في عامها الرابع تبدو كبيرة، ولكنها لا تحتمل التردد أو التماطل، وإلا فإن هناك توجهاً أمريكياً لطرح مشروع بديل لمجلس الأمن لإصدار قرار بموجب الفصل السابع، والذي سيفرض واقعاً جديداً قد يكون بعيداً عن إرادة السودانيين وتطلعاتهم الوطنية، مما يجعل العودة إلى مسار الحل السلمي الوطني ضرورة قصوى قبل فوات الأوان.