حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة

حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة

Loading

في اليوم التالي لانتهاء مؤتمر برلين، عقد التحالف المدني الديمقراطي، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، لقاءات مع شركات ألمانية كبرى، من بينها “سيمنس” عملاق الطاقة، وشركة لوفتهانزا للاستشارات، وبعض المؤسسات المالية الأخرى.
ووفق بيان، وُصفت اللقاءات بأنها “بحث فرص إعادة إعمار السودان”، وتأتي في إطار جهود الدكتور حمدوك لتعزيز الشراكات الدولية في قطاع الطاقة والكهرباء. وهي امتداد لمباحثات سابقة جرت خلال الفترة الانتقالية (2019–2020)، والتي شهدت عودة “سيمنس” إلى السودان لدعم قطاع التوليد الكهربائي، والتخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، خاصة قطاع الكهرباء الذي تسهم فيه ألمانيا بشكل بارز.حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة
جاء الخبر مصحوبًا بلقطات مصورة تظهر الدكتور حمدوك منهمكًا في الحديث مع ممثلي هذه الشركات. ومثل هذا العرض الإعلامي يبدو مقنعًا لرجل الشارع العادي، فيوحي بأنه مجهود حقيقي يعزز فرص استفادة السودان من هذه الشركات الألمانية العملاقة.
ولكن… ما أفجع لواقع البلد المأزوم دائمًا.
هذه الصورة مقلوبة رأسًا على عقب. وأغلب الظن أن ممثلي شركة “سيمنس” لا يزالون في حيرة، يبحثون عن إجابات لأسئلة عملية وصريحة.
مجموعة “صمود”، وعلى رأسها الدكتور حمدوك، ليست في السلطة حاليًا في السودان، ولا حتى في المعارضة الداخلية، بل تمارس نشاطها من المهجر السياسي. فكيف يمكن التفاهم مع شركات عملاقة حول مشروعات معلقة في انتظار عودة محتملة إلى حكم السودان، قد تصدقها الأيام وقد لا تصدقها؟ أشبه ببيع سمك في البحر.
وحتى لو تجاوزنا هذه النقطة الجوهرية، وسلّمنا جدلًا بأن حمدوك و”صمود” سيتسلمون حكم السودان خلال شهر أو ثلاثة أشهر، وأن الشركاء الألمان يؤمنون بأنهم يتحدثون إلى مسؤولين فعليين لا يفصلهم عن السلطة سوى انتظار قصير… هنا يبرز السؤال الأهم: أين هي المشروعات؟
بالمنطق البسيط، لو كان حمدوك قادمًا من الخرطوم ممثلًا لحكومة السودان لعقد هذا الاجتماع، لكان من المفترض أن يحمل في حقيبته الأفكار المبدئية والدراسات الأولية للمشروعات المطلوب تنفيذها مع شركة “سيمنس” ولوفتهانزا. فصاحب المشروع هو من يبحث عن مقاول لتنفيذه.
وبحسب نص الخبر، شرح الدكتور حمدوك لممثلي الشركات الألمانية “الأوضاع في السودان حاليًا، والبؤس والشقاء الذي يعانيه السودانيون”. لكن مثل هذا الشرح، ماذا تستفيد منه هذه الشركات؟ إنها في حاجة إلى مشروع طاقة محسوب ومدروس بدقة لتحدد كيفية مشاركتها فيه، وليس إلى قصص المآسي لتنسج منها مواصفات مولدات ومحطات كهربائية.
في وضع دولة طبيعية، تتولى وزارة الكهرباء وضع خطة طويلة المدى، تحدد فيها:
المطلوب حاليًا في مجالات التوليد والنقل والتوزيع،
توقعات التوسع المستقبلي لعدة سنوات،
مواصفات الأجهزة والمعدات المطلوبة،
خيارات التمويل المتاحة والمطلوبة.
ثم يسافر خبراء الوزارة إلى برلين، أو يأتي ممثلو الشركات إلى الخرطوم، لتوقيع اتفاق مبدئي على الشراكة في تنفيذ هذه الخطة.
بمعنى آخر: صاحب المشروعات هو الذي يحدد مواصفاتها ومتطلباتها بدقة قبل أن يجتمع مع الشركات المصنعة والموردة، حتى يقوم اللقاء على معلومات دقيقة وواضحة.
أما في زيارة الدكتور حمدوك، فلا هو في السلطة، ولا هو قريب منها، ولا يحمل معه أي دراسات من وزارة الكهرباء.
فأنّى لمثل هذه الزيارة أن تحقق أكثر من التقاط الصور؟