العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية: من التحالف السري إلى العداء المفتوح

العلاقات الإيرانية - الإسرائيلية: من التحالف السري إلى العداء المفتوح

Loading

 يعيد العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران تسليط الضوء على تاريخ العلاقات بين طهران وتل أبيب، منذ فترة حكم الشاه التي شهدت تعاونًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا واسعًا، في سياق الحرب الباردة والانقسام الدولي بين المعسكرين الأميركي والسوفياتي. ومع قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، دخلت العلاقات مرحلة جديدة اتسمت بالقطيعة وتبنّي خطاب معادٍ لإسرائيل وداعم للقضية الفلسطينية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى صراع متعدد الأشكال، بدأ بحرب الظل والاغتيالات، وانتهى إلى مواجهات أكثر مباشرة.

الشاه… ذاكرة المهانة الدولية


تساعدنا العودة إلى أربعينيات القرن العشرين على فهم المنظور الاستراتيجي والسياسي الذي حكم علاقة محمد رضا بهلوي، الشاه، بإسرائيل، في سياق سعيه إلى صياغة سياسة إيرانية تتيح له التقارب مع الولايات المتحدة والقوى الغربية وتعزيز نفوذه في المنطقة.

وجاء ذلك بعد ما اعتبره الشاه مهانة وقعت على أرضه، حين تولّى الحكم شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، خلفًا لوالده رضا شاه الذي أُجبر على التنازل عن العرش عقب الاجتياح السوفياتي – البريطاني لإيران عام 1941، في سياق الحرب العالمية الثانية.(1)

وتجلّت تلك المهانة في الاجتماع الثلاثي البريطاني – الأميركي – السوفياتي الذي عُقد في السفارة السوفياتية في طهران، بمشاركة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. وقد اتُّفق خلاله على فتح جبهة ضد النازيين انطلاقًا من الأراضي السوفياتية. ورغم انعقاد الاجتماع على أرض إيران، فإن الشاه لم يُبلَّغ به إلا في اللحظات الأخيرة.(2)

وكان الشاه يشعر بخوف شديد من الاتحاد السوفياتي، وصل إلى حد الرعب، إذ اعتبره مصدر تهديد استراتيجي مباشر لحكمه. وتعزّز هذا الشعور بفعل ما رآه طموحات سوفياتية متزايدة في إيران، خاصة مع اهتمام موسكو بالمناطق الشمالية الغنية بالموارد، ولا سيما النفط، وهو ما أشارت إليه تقارير لخبراء جيولوجيين سوفيات أُرسلوا متخفّين بصفة مستشارين عسكريين عام 1943.

كما عمل الاتحاد السوفياتي على دعم القوى الشيوعية الإيرانية لإعادة تنظيم صفوفها، ودفع باتجاه مشاريع هدفت إلى فصل أذربيجان الجنوبية وبعض المحافظات الشمالية عن إيران، بغرض إنشاء كيان جغرافي وسياسي جديد ذي توجه شيوعي مرتبط بموسكو، بما يضمن تعزيز نفوذها والسيطرة على الثروات الإيرانية. (3)

محمد رضا بهلوي تولّى الحكم شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، خلفًا لوالده رضا شاه 

وخضعت إيران في تلك السنوات أيضًا للهيمنة البريطانية، حيث كان السفير البريطاني بولارد يتدخل على نطاق واسع في الشؤون الداخلية، ويُتهم، وفق بعض الروايات، بإهانة “الأمة الفارسية“، فضلًا عن تأثيره في تعيين كبار المسؤولين، بما في ذلك اختيار رؤساء الحكومات وبعض المناصب العليا.

وفي المقابل، كانت بريطانيا تنظر إلى التمدد السوفياتي في حقول النفط الشمالية بوصفه جزءًا من معادلة توازن القوى، في إطار ما عُرف بسياسة “التوازن الإيجابي“، القائمة على افتراض أن الحفاظ على قدر من النفوذ السوفياتي قد يسهم في حماية المصالح البريطانية في الجنوب.. (4)

وفي هذا السياق، سعى الشاه إلى موازنة النفوذين البريطاني والسوفياتي عبر منح امتيازات لشركات أميركية للعمل في قطاع النفط الإيراني. وقد شكّل هذا المشهد، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وما قبل تشكّل الحرب الباردة، الإطار العام الذي بلور لاحقًا كثيرًا من ملامح السياسة الخارجية للشاه.


بدايات التقارب السري بين الشاه وإسرائيل


عارضت إيران قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، كما عارضت عام 1949 انضمام إسرائيل إلى المنظمة الدولية.

واستند الموقف الإيراني في ذلك الوقت إلى مخاوف سياسية واستراتيجية، أبرزها احتمال أن تنشأ الدولة التي أُقيمت على أنقاض فلسطين وحقوق شعبها في إطار اصطفاف أو تقارب مع الاتحاد السوفياتي، الذي كان يُنظر إليه في العقل السياسي للشاه بوصفه تهديدًا رئيسيًا.

وكان الشاه قد نجح في إخراج القوات السوفياتية من الأراضي الإيرانية بدعم سياسي أميركي، كما أنهى وجود حكومة أذربيجان الشعبية التي أُعلنت في شمال إيران بقيادة جعفر بيشقاري، والمدعومة من موسكو بقيادة جوزيف ستالين.(5)

وقرر الشاه بدء إقامة علاقات غير معلنة مع إسرائيل منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين، في إطار سياسة سرية هدفت إلى الحفاظ على توازن دقيق في سياسته الخارجية.

وقد سعى من خلال ذلك إلى تعزيز تقاربه مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بما يتيح له الحصول على أدوات قوة تدعم نظامه وتكرّس موقعه كفاعل إقليمي مؤثر، مع تجنّب في الوقت نفسه إغضاب الدول العربية.

وانحصرت هذه العلاقات بشكل أساسي في مجالات التعاون الاستخباراتي والعسكري، عبر جهاز الاستخبارات الإيراني “السافاك”. (6)

وتلقّت كوادر من جهاز الاستخبارات الإيراني تدريبات من نظيرتها الإسرائيلية على تقنيات التحقيق وملاحقة المعارضين، كما جرى تبادل محدود للخبرات العسكرية وبعض المعدات بين الطرفين.


أقام الشاه علاقات غير معلنة مع إسرائيل منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين – غيتي

وكان من أبرز مجالات التعاون المبكر مشروع خط أنابيب النفط المعروف بـ”إيلات – عسقلان” (7)، الذي ساهمت إيران في تمويل إنشائه عقب اتفاق تم خلال زيارة سرية لممثل شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى تل أبيب في صيف عام 1957.

وقد تطوّر المشروع لاحقًا ليصبح خطًا بقطر 16 بوصة بعد مفاوضات مباشرة جرت عام 1958 بين رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول والشاه. واستفاد الطرفان من هذا المشروع، إذ مكّن إيران من تنويع مسارات تصدير نفطها وتقليل الاعتماد على قناة السويس التي كانت خاضعة للسيطرة المصرية. (8)


السير بين الحبال


جمعت النظام الإيراني وإسرائيل آنذاك مخاوف مشتركة من الاتحاد السوفياتي ومن بعض الأنظمة العربية، إلى جانب مصالح اقتصادية وأمنية متقاطعة.

وقد سعى الشاه إلى تعزيز التقارب مع إسرائيل بوصفه جزءًا من مشروعه الاستراتيجي القائم على توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية، إضافة إلى رغبته في الاستفادة من التقنيات العسكرية المتقدمة.

في المقابل، انتهجت إسرائيل سياسة خارجية نشطة امتدت إلى إفريقيا وآسيا والمنطقة، بهدف مواجهة ما اعتبرته تحديات أمنية في محيط عربي معادٍ لها.

كما وُجدت في إيران أن مجموعة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون في إيران، وطمحت إسرائيل لتسهيل نقلهم إليها، مع اليهود العراقيين.

وحرص الشاه على إبقاء العلاقة مع إسرائيل في طور السرية، لتجنّب تأزيم العلاقات مع الدول العربية، رغم أنها كانت في الواقع مكشوفة إلى حدّ ما. وفي الوقت نفسه، كان سفر المسؤولين الإيرانيين إلى إسرائيل يتمّ بسرية، وغالبًا ما كان عبر الأراضي التركية من دون ختم جوازات السفر.

كما لم يُعلن عن البعثة الإسرائيلية في طهران بصورة رسمية، ولم يُرفع العلم الإسرائيلي، وتجنّبت الزيارات الفعاليات الدبلوماسية المعتادة. ومع ذلك، كان الممثل يُعرَّف بصفته سفيرًا، وكان وصوله مفتوحًا إلى الشاه، الذي سعى إلى تعزيز العلاقة عبر مشاريع مشتركة، وإشراك خبراء إسرائيليين في مشاريع زراعية وعمرانية، رغم أن بعضهم لم يكن ذا فائدة تُذكر. (9)

في فترة الشاه وجدت إسرائيل مجموعة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون في إيران، وطمحت لتسهيل نقلهم إليها، مع اليهود العراقيين

ومن الشواهد التي عززت لدى الشاه أهمية سياسة عدم الإفصاح عن علاقاته مع إسرائيل، الغضب والخلاف بين إيران ومصر عام 1960، بعد أن قال الشاه خلال لقاء صحفي إن “إيران اعترفت بحكم الواقع بإسرائيل في 1951 خلال فترة حكومة مصدق”.

وواجه الشاه تهديدات مختلفة لمشروعه للهيمنة ولحكمه، بينها حركات المعارضة في الداخل التي كان جزء منها يحمل أيديولوجيا شيوعية ويسارية ومدعومًا من الاتحاد السوفييتي. وعلى حدوده، كان العراق يمثّل عدوًا، قبل أن يتجه إلى عقد اتفاق الجزائر معه، وهو ما أثار خيبة إسرائيلية حينها، وأوقف الدعم العسكري الإيراني – الإسرائيلي المشترك للحركات الكردية التي نشطت ضد النظام العراقي.


طموح الهيمنة ودعم إسرائيل في حرب 1973


حظي النظام الإيراني بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة، التي قرر رئيسها ريتشارد نيكسون، في عام 1972، منح إيران حرية واسعة في اقتناء وشراء المعدات العسكرية الأميركية، ما جعل النظام الإيراني في تلك السنوات أحد أبرز القوى في مواجهة الاتحاد السوفييتي في المنطقة. (10)

وحرص الشاه، في سبيل الحفاظ على تفوقه على كل القوى في المنطقة، بما فيها إسرائيل، على ألا يحقق أي طرف نصرًا ساحقًا على الآخر، وألا ينجرّ إلى حرب كبيرة تجلب القوى الكبرى إلى المنطقة وتُهدد نفوذه. ويؤكد على ذلك الملحق العسكري الإسرائيلي السابق في إيران، يتسحاق سغيف، بقوله: “كان الشاه ذكيًا جدًا. بمجرد أن اكتشف أن جميع الدول العربية عدائية تجاه إسرائيل، كان من الجيد جدًا له أن يستمر في دفع العرب للعداء مع إسرائيل.. إسرائيل كانت الموضوع الذي سيأخذ كل غضب العرب بعيدًا عن إيران”. (11)

وتجلّت هذه السياسة خلال حرب أكتوبر 1973، حين قدّمت إيران دعمًا في نقل المعدات العسكرية إلى بعض القوى العربية عبر أجوائها، كما نقلت جرحى سوريين وغيرها من الإجراءات، خاصة بعد تحسّن علاقاتها مع مصر في عهد الرئيس أنور السادات. وفي الوقت ذاته، رفض الشاه الانضمام إلى القرار العربي بفرض حصار نفطي على إسرائيل، واستمر في تزويدها بالنفط إلى جانب بعض المعدات العسكرية مثل مدافع الهاون الثقيلة. (12)

وفي توصيف العلاقة، كانت حاجة الطرفين قائمة على مصالح مختلفة ومشتركة في الوقت نفسه؛ فالشاه كان يتحرك ضمن مشروعه لتعزيز الهيمنة الإقليمية، بينما كانت إسرائيل بحاجة إلى توسيع علاقاتها الخارجية في بيئة إقليمية معادية. لذلك، سعى الطرفان إلى مواجهة النفوذ السوفييتي والدول العربية، مع تطوير تعاون في مجالات عسكرية وأمنية واستخباراتية واقتصادية. (13)


ماذا يقول الأرشيف الإسرائيلي؟


تساعد العودة إلى وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية حول العلاقات مع إيران، والتي سُمح بالكشف عنها عام 2019، في فهم طبيعة العلاقة بين الطرفين، وكيف نظرت إسرائيل إلى النظام الإيراني، وإلى آليات سيطرته على الدولة، وصولًا إلى أحداث الثورة التي أطاحت به. (14)

في رسالة مؤرخة في 5 أيار/ مايو 1965، قال السفير الإسرائيلي في طهران مائير عزري إن وزير الخارجية الإيراني عباس آرام اشتكى من “الطابع العلني” للأنشطة الإسرائيلية في إيران، معتبرًا أنها قد “تضر بالعلاقة الإيرانية مع الدول العربية”. وردّ السفير الإسرائيلي بأن:

“مصلحة إسرائيل العامة في الشرق الأوسط تكمن في وجود إيران ذات سيادة ومزدهرة بقيادة الشاه، الذي يُعتبر صديقًا لإسرائيل (..) لا نعتقد أن العرب سيصادقون إيران مهما بذلت من جهود. إن صداقتنا تُلزمنا بإطلاع إيران على ما نعرفه عن الجهود العربية الرامية إلى حماية مصالحها الحيوية”. (15)

وفي برقية داخلية تعود إلى 23 شباط/فبراير 1966، أوضح مدير إدارة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإسرائيلية مردخاي غازيت أن:

“إسرائيل منخرطة في تحديث طائرات القوات الجوية الإيرانية وطائرات الطيران المدني بتعويض كامل وكبير. وظفنا خبراء إسرائيليين في الدعاية الفارسية المناهضة لجمال عبد الناصر. تعاون استخباراتي وثيق للغاية من خلال الاستفادة الكاملة من الأراضي الإيرانية. تعاون وثيق بين جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش الإيراني. عملية شراء إيرانية من شركة IMI Systems، بالإضافة إلى صفقات “عوزي” وعمليات الاستحواذ الأخرى، في مراحل متقدمة من المناقشة”. (16)

كما تشير برقية لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي قبل حرب 1967 إسحاق رابين إلى طلب الشاه شراء دبابات وطائرات إسرائيلية. وفي السياق ذاته، أكد السفير الإسرائيلي السابق في طهران تسفي دوريل في رسالة:

“أقمنا شراكة وثيقة وودية وعملية بين جيش الدفاع الإسرائيلي وأجهزة الأمن ونظرائهم الإيرانيين. تم حل العديد من المشاكل الأمنية الحيوية لإسرائيل بالتعاون الوثيق مع الإيرانيين. الملحق العسكري معترف به من قبل هيئة الأركان العامة ووزارة الخارجية الإيرانية، ويحافظ على علاقات واسعة مع الجيش الإيراني، ويتعامل مع قائمة طويلة من القضايا ذات الأهمية الوطنية، ويحظى بمكانة خاصة لدى الأوساط العسكرية الإيرانية”. (17)

ولا تكشف الوثائق عن تفاصيل التعاون بين الاستخبارات الإسرائيلية وجهاز المخابرات الإيرانية في عهد الشاه “السافاك”، الذي اشتهر بالقمع الوحشي ضد المعارضين، وإن كانت تشير إلى الإعدامات التي نفذها النظام ضد قادة وكوادر في حزب “توده” الشيوعي، وقمعه للمعارضين، والحيل التي كان يقوم بها لإظهار “وجه ديمقراطي” عبر السماح لحزب “معارض ضعيف” بالعمل السياسي في وجه الحزب الوحيد المشرعن في إيران، في تلك الفترة.


أوري لوبراني السفير الإسرائيلي قبل الأخير في إيران حذر موشيه دايان من خطورة اقتراب انهيار نظام الشاه – غيتي

وترصد السفارة الإسرائيلية في طهران الاحتجاجات التي اندلعت في يونيو/ حزيران 1963، والمعروفة في الأدبيات الإيرانية بـ”انتفاضة 15 خرداد”، والتي جاءت احتجاجًا على اعتقال النظام للخميني، بعد خطاب ألقاه في ذكرى عاشوراء هاجم فيه الشاه وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وطالب فيه المحتجون بإصلاحات مختلفة. (18)

يذكر التقرير الموجّه إلى مدير قسم الشرق الأوسط في الخارجية الإسرائيلية أن المتظاهرين رددوا شعارات مثل: “إسرائيل القذرة عودي إلى ديارك”، “الشاه باع إيران لإسرائيل“، “إسرائيل اتركي أنفسنا لشأننا”، و”لن نستسلم لإسرائيل عدو الإسلام“.

وأشار التقرير إلى الدور المركزي للخميني في الاحتجاجات، ووصَفه بـ”التشدد”، وبـ”الاختلاف” مع ما اعتبره “القادة الدينيين المعتدلين”.

وحاولت الوثيقة الربط بين الأحداث والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يمثل الخصم المشترك للشاه وإسرائيل، وزعمت أن الخميني “تلقى دعمًا من مصر عبر الكويت”.

وأوصى التقرير بتناول المواجهات باعتبارها “حركة معارضة من ملاك الأراضي الكبار لإصلاحات الشاه لقانون الأراضي”، وليس كحركة سياسية تحمل مطالب إصلاحية على مستوى النظام، مع التشديد على ضرورة “منع أي محاولة لربط العلاقات الإسرائيلية – الفارسية كسبب لهذه الأحداث”.


“العمى الاستراتيجي”.. هل توقعت إسرائيل سقوط الشاه؟


كان أوري لوبراني، السفير الإسرائيلي قبل الأخير في إيران، قد تنقّل في مناصب داخل الاستخبارات الإسرائيلية قبل أن يتولى مهام دبلوماسية وسياسية، من بينها مسؤول وحدة التنسيق مع لبنان خلال فترة الاحتلال.

وزعم لوبراني، في لقاء مع المؤرخ العسكري الإسرائيلي أوري ميلشتاين، أنه توقّع في فبراير/ شباط 1978، أي قبل عام من نجاح الثورة، أن نظام الشاه يقترب من الانهيار، وأن الخميني سيتولى القيادة، وهو ما اعتبره “يشكل خطرًا على إسرائيل” بسبب تأييده للقضية الفلسطينية ومواقفه المناهضة للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويروي لوبراني أن هذا الاستنتاج دفعه للتوجه إلى وزير الخارجية الإسرائيلي حينها موشيه دايان، محذرًا من خطورة اقتراب انهيار نظام الشاه على إسرائيل، بسبب اعتمادها الواسع على إيران في النفط، وكذلك بحكم العلاقات العسكرية والأمنية المتينة بين الطرفين.

لكن دايان، بحسب رواية لوبراني، كان يعتمد على تقديرات أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلي التي استبعدت سقوط الشاه، وفقًا لمذكرات لوبراني، الذي أُقيل لاحقًا من منصبه، وحلّ مكانه الرئيس السابق لجهاز الشاباك يوسف هرملين. (19)

ويضيف السفير السابق أن “إلحاحه على دايان” دفع الأخير إلى طلب تقييم مكتوب للأوضاع في إيران، قائلًا:

“دوّن تقييمك خطيًا”. وبعد أيام، قدّم وثيقة صاغها لوبراني، ثم أُرسلت لاحقًا إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مع ملاحظة أنها “رأي صادر عن مصدر موثوق عادة”.

وردّت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بأن مصادرها تشير إلى أنه لن يحدث أي تطور استثنائي في إيران خلال الخمسة عشر عامًا القادمة. وبما أن دايان كان يثق ثقة كبيرة بالـCIA، وكان يرى أن لوبراني يبالغ في تقديراته، فقد تم البحث له عن بديل، وفق الرواية.

وتكشف وثيقة صادرة في سبتمبر/ أيلول 1978 عن تقييم لوبراني لوضع النظام الإيراني، بعد اجتماعه الوداعي مع الشاه عقب إنهاء مهمته كسفير، حيث وصف مزاج الشاه بأنه “قاتم.. بالكاد استطعت انتزاع ابتسامة من شفتيه. كان يبدو شاحبًا ومنهكًا”.

وعن الاضطرابات الداخلية التي سبقت الثورة، جاء في الوثيقة:

“عندما تطرقنا للوضع في إيران، بدا الشاه حائرًا، وسألني إن كنا قد رصدنا أي تدخل خارجي في الاضطرابات الحالية. أخبرته بأن هناك مؤشرات على دعم من جهات راديكالية إقليمية، لكن الأساس يبدو داخليًا”. (20)


نهاية زمن.. وبداية آخر


في 11 فبراير/ شباط 1979 سقط الشاه محمد رضا بهلوي بعد عقود من الحكم، وبدأ عهد جديد في إيران، عقب سنوات من حركة معارضة متعددة الأيديولوجيات، كان أبرز قادتها الخميني الذي نظّر قبل نجاح الثورة لنموذج إقامة دولة إسلامية تقوم على نظرية “ولاية الفقيه”.

أدى نجاح الثورة إلى قطع العلاقات الاستراتيجية التي ربطت إيران بإسرائيل. وتُظهر وثائق كُشف عنها في السنوات الماضية بعض تفاصيل الأيام الأخيرة للوفد الإسرائيلي في طهران، الذي غادر في أجواء من الخوف والقلق بمساعدة الولايات المتحدة (21)، فيما جرى تسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، واستُقبل الرئيس الراحل ياسر عرفات بحفاوة في طهران (22)، بعد سنوات من العلاقات بين قوى ثورية إيرانية وحركات فلسطينية شملت تدريبات وعلاقات عسكرية وأمنية. (23)

وفي تحليلها لأسباب سقوط الشاه، تربط وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية بين الثورة وصعود الطبقة الوسطى وانتقال فئات من الريف إلى المدينة، وتطلّعها إلى تقدم سياسي واقتصادي وثقافي، إضافة إلى فشل الإجراءات التي نفذها الشاه وقدّمها بوصفها إصلاحات داخل النظام، مع الإشارة إلى الدور المحوري للخميني في توحيد المعارضة وقيادة الاحتجاجات. (24)


إسرائيل و”الجمهورية الإسلامية”.. انتقالات في الصراع


منذ انتصار الثورة وبداية عهد “الجمهورية الإسلامية” في إيران، بدأ صراع تراكمي مع إسرائيل، تراه بعض التحليلات تنافسًا على النفوذ الإقليمي، بينما تفسّره أخرى من منظور أيديولوجي، في حين تميل قراءات أخرى إلى الجمع بين العوامل الإقليمية والوطنية والفكرية والسياسية لفهم حالة العداء التي ظلت مهيمنة على مستوى الخطاب ومعظم السلوكيات السياسية.

ولم يغيّر هذا المسار بعض القضايا، من بينها فضيحة “إيران–كونترا” التي اتُّهمت فيها إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان خلال الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي بتزويد إيران بأسلحة، وهو ما أثار جدلًا داخليًا في إيران، حيث اتُّهم آية الله حسين منتظري، الذي كان يشغل منصب نائب الخميني قبل إقالته، الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني بإبرام هذه الترتيبات دون علم القيادة الإيرانية. (25)

وقدمت إيران دعمًا لقوى سياسية وثورية في فلسطين ولبنان وغيرها (26)، وأسست أجهزة خاصة لإدارة هذا الملف، أبرزها “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، وحاولت بناء قدرات عسكرية في جبهات قريبة من إسرائيل. كما اتبعت ما يوصف بسياسة “الصبر الاستراتيجي” في مواجهة الاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية، والتي يبررها مسؤولون إيرانيون بأنها تهدف إلى تراكم القوة وتطوير المعادلات الاستراتيجية.


مع سقوط الشاه وصعود الخميني تحولت العلاقة بين تل أبيب وطهران إلى القطيعة النهائية – غيتي

ويربط بعض المحللين هذا النهج بالذاكرة الثقيلة التي يحملها الإيرانيون عن الحرب، خصوصًا تجربة الحرب مع العراق التي استمرت ثماني سنوات، وما رافقها من خسائر كبيرة وتأثيرات عميقة على بنية الدولة والمجتمع. (27)

وتعاملت إسرائيل منذ سنوات طويلة مع إيران، بالإضافة إلى العراق، على أنهما عدوان يجب الاستعداد لاحتمال المواجهة معهما، وهو ما كان يدور في تفكير رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق إسحاق رابين عندما دخل في مفاوضات تسوية مع منظمة التحرير والأردن وسوريا ولبنان، بهدف إنهاء الصراع مع ما أسماه “الدائرة الأولى”، تمهيدًا للتفرغ لـ”الدائرة الثانية” المتمثلة في العراق وإيران. (28)

تطور الصراع الإيراني – الإسرائيلي من “حرب الظل”، التي اتسمت بالعمليات الاستخباراتية والاغتيالات التي طالت علماء وقادة وضباطًا، واستهداف منشآت نووية ومدنية، إلى امتداد أوسع شمل ساحات ودولًا مختلفة في المنطقة، وصولًا إلى الحرب وأشكال من المواجهة المباشرة. (29)


كيف وصلنا إلى حالة الحرب؟


شكلت عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بداية كسر في المعادلات السابقة التي كانت تحدّ من الانزلاق إلى حرب مباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.

ومع قصف إسرائيل لمقر دبلوماسي إيراني في دمشق في أبريل/ نيسان 2024 (30)، دخل الصراع مرحلة جديدة، ردّت فيها إيران بعملية قصف صاروخي وبالمسيّرات على قواعد عسكرية إسرائيلية، في أول هجوم مباشر من هذا النوع على أهداف إسرائيلية. وجاء ذلك بعد سلسلة تطورات، من بينها اغتيالات طالت شخصيات قيادية، بينها رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران (31)، والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. (32)

وفي صيف 2025، نفّذت إسرائيل ضربة داخل إيران استهدفت قيادات عسكرية ومواقع أمنية ونووية (33)، تلاها تدخل أميركي باستهداف مواقع نووية باستخدام قنابل ثقيلة.

ظهر لجميع الأطراف أن حرب الصيف لم تكن سوى مرحلة مؤقتة في الصراع، استُعد خلالها لاحتمال تجدد المواجهة، وهو ما حدث في مارس/ آذار 2026، مع شراكة عسكرية أميركية – إسرائيلية مباشرة للمرة الأولى، بما مثّل كسرًا للقواعد السابقة.

وجاءت الضربة الافتتاحية ضمن هذه المرحلة لتستهدف قيادات عليا، بينها المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القيادات السياسية والعسكرية، وفق خطة تقوم على مبدأ “قتل القيادة” وضرب “مراكز الثقل”، بهدف دفع النظام نحو الانهيار وتشجيع معارضيه على التحرك في الشارع.

في المقابل، اتجهت إيران إلى تبني استراتيجية حرب الاستنزاف، ومحاولة تحويل الضغط العسكري عليها إلى ضغط أوسع على العالم عبر التأثير في المسارات الاقتصادية.

المراجع:

  1. Parsi, Trita. Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States.
  2. Milani, Abbas. The Shah.
  3. Diplomatic History، رابط المقال.
  4. المرجع رقم 3.
  5. Parsi, Trita. Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States.
  6. المرجع رقم 5.
  7. مركز مدار، “شركة خط أنابيب أوروبا-آسيا المحدودة: شريان الطاقة الإسرائيلي”، رابط المادة.
  8. المرجع رقم 7.
  9. المرجع رقم 7.
  10. PBS, “Taken Hostage: Presidents, the Shah, and the Strategic Partnership”، رابط المادة.
  11. المرجع رقم 10.
  12. اللباد، مصطفى. إيران والقضية الفلسطينية: مشاعر التضامن وحسابات المصالح. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  13. The New Indian Express، “Secret Missile Project That Once United Israel, Iran”، رابط المقال.
  14. موقع Mekomit، رابط المادة.
  15. المرجع رقم 14.
  16. المرجع رقم 14.
  17. +972 Magazine، رابط المادة.
  18. Archive.org، “Israeli-Iranian Relations 1960–1979″، رابط المادة.
  19. Maariv، رابط المادة.
  20. المرجع رقم 19.
  21. Archive.org، “Israeli-Iranian Relations 1960–1979″، رابط المادة.
  22. الأرشيف الفلسطيني، رابط المادة.
  23. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، رابط المادة.
  24. المرجع رقم 23.
  25. منتظري، حسين علي. نقد الذات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  26. صمادي، فاطمة. إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى. مركز الجزيرة للدراسات.
  27. يوتيوب، رابط المادة المرئية.
  28. العربي الجديد، “الفصل المُستجدّ في تقييم رابين”، رابط المقال.
  29. العربي، “من تموز إلى نطنز: تاريخ إسرائيل في استهداف المشاريع النووية في المنطقة”، رابط المادة.
  30. العربي، “في غارة إسرائيلية… قتلى وجرحى في قصف مقر القنصلية الإيرانية بدمشق”، رابط المادة.
  31. معهد الدوحة للدراسات العليا، “اغتيال إسماعيل هنية وتداعياته”، رابط الدراسة.
  32. العربي الجديد، “الوعد الصادق 2: كل المعلومات حول الهجوم الإيراني على إسرائيل”، رابط المادة.
  33. العربي، “حرب الـ12 يومًا: من هم أبرز القادة الإيرانيين الذين اغتالتهم إسرائيل؟”، رابط المادة.