![]()
في سبتمبر/ أيلول 2024، اهتزّ لبنان على وقع آلاف الانفجارات المتزامنة. لم تكن صواريخ أو غارات جوية، بل أجهزة اتصال يحملها أشخاص في جيوبهم، في المنازل والأسواق والمستشفيات. في لحظة واحدة، تحوّلت أداة تواصل يومية إلى سلاح.
في الحالة الإسرائيلية، هذا النوع من العمليات ليس استثناءً، بل ممارسة مستمرة تعود جذورها إلى ما قبل قيام إسرائيل.
فعلى مدى عقود، طوّرت إسرائيل منظومة اغتيالات متكاملة، من العبوات المخفية إلى الضربات الجوية الدقيقة، تستهدف أفرادًا تصنّفهم كتهديدات أمنية، خارج أي إطار قضائي، ودون تبنٍّ رسمي مباشر.
وهذه العمليات، رغم تقديمها كأدوات “دقيقة”، لم تخلُ يومًا من كلفة بشرية أوسع، إذ غالبًا ما أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، سواء بشكل مباشر أو ضمن ما يُعرَف بـ”الأضرار الجانبية”.
وضمن هذه المنظومة، يبرز “الموساد“، جهاز الاستخبارات الخارجية الرئيسي الذي تأسس عام 1949، والمسؤول عن جمع المعلومات وتنفيذ العمليات السرية خارج حدود إسرائيل.
وعلى غرار أجهزة استخباراتية أخرى، يقدّم “الموساد” نفسه كجهاز معني بإنتاج المعلومات ومنع التهديدات، إلا أن سمعته ارتبطت، منذ تأسيسه، بعمليات اغتيال نُفذت في بلدان متعددة، غالبًا في ظل سياسة “الغموض” التي تتبعها إسرائيل، حيث تمتنع عن تأكيد مسؤوليتها أو نفيها عن هذه العمليات (1).
ورغم أن الاغتيال ليس الوظيفة المعلنة للجهاز، فإن هذه العمليات ساهمت في تكريس صورته كأداة مركزية في إدارة الصراع خارج الحدود الإسرائيلية، حتى باتت تشكّل، في نظر كثيرين، أحد أبرز أوجه نشاطه، وإن بقيت رسميًا جزءًا من منظومة أوسع من العمل الاستخباراتي.
عملية خطف أدولف أيخمان
تُعدّ عملية خطف أدولف أيخمان، أحد المسؤولين عن عملية الإبادة النازية لليهود، من الأرجنتين عام 1960 من أوائل العمليات التي كرّست نمط عمل “الموساد” خارج الحدود.
كان أيخمان يعيش في بوينس آيرس بهوية مزيفة، قبل أن يتم تعقبه والتأكد من هويته عبر مراقبة ميدانية دقيقة. ثم تم اختطافه سرًا خلال عودته إلى منزله، واحتجازه في منزل آمن، قبل نقله خارج الأرجنتين متنكرًا كموظف مريض على متن طائرة إسرائيلية ضمن غطاء دبلوماسي (2).
وقد أسست هذه العملية لنموذج عمل يحكم عمل “الموساد”، حيث يتم تحديد الهدف، تتبعه، اختطافه أو تصفيته، ثم الإفلات من المسؤولية عبر السرية والغموض.
حملة “غضب الرب”: التعاون الاستخباراتي الدولي
عقب عملية ميونيخ عام 1972، حيث قُتل 11 رياضيًا إسرائيليًا خلال دورة الألعاب الأولمبية على يد مجموعة “أيلول الأسود” الفلسطينية، أطلقت إسرائيل، عبر “الموساد”، حملة اغتيالات سرية عُرفت باسم “غضب الرب”، استهدفت فلسطينيين يُشتَبه بارتباطهم بعمليات ضد أهداف إسرائيلية في أوروبا.
شملت العمليات اغتيال شخصيات في عواصم أوروبية عدة، منها وائل زعيتر، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في إيطاليا، حيث أُطلق عليه النار أمام منزله في روما عام 1972، ومحمود الهمشري، أحد كوادر منظمة التحرير، الذي قُتل في باريس عام 1973 عبر تفجير عبوة زُرعت في هاتفه بعد استدراجه لمكالمة.
كما اغتيل محمد بودية في باريس عام 1973، وهو مناضل جزائري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعبوة ناسفة ثُبّتت في سيارته بعد تتبّع دقيق لتحركاته بمساعدة معلومات استخباراتية سويسرية. وامتدت العمليات لاحقًا لتشمل علي حسن سلامة، أحد أبرز قيادات حركة “فتح”، الذي اغتيل في بيروت عام 1979 بسيارة مفخخة بعد سنوات من محاولات استهدافه.
غير أن هذه الحملة لم تخلُ من أخطاء فادحة، أبرزها حادثة ليلهامر في النروج عام 1973، حين قُتل نادل مغربي عن طريق الخطأ، ما أدى إلى توقيف عملاء إسرائيليين واندلاع فضيحة دولية كبيرة (3).
وفي الفترة نفسها، سبقت هذه الحملة عمليات أخرى استهدفت قيادات فلسطينية، أبرزها اغتيال الكاتب والناطق باسم الجبهة الشعبية غسان كنفاني في بيروت عام 1972 عبر تفجير سيارته (4)، في عملية حملت بعدًا سياسيًا يتجاوز الهدف الأمني المباشر، إذ استهدفت شخصية ثقافية بارزة إلى جانب دورها التنظيمي.
وقد تشكّلت عملية “غضب الرب” ضمن منظومة تعاون استخباراتي عابر للحدود، جرت خارج أي رقابة سياسية أو مساءلة ديمقراطية، حيث كشفت وثائق أرشيفية حديثة أن جهاز “الموساد” اعتمد بشكل أساسي على شبكة أوروبية لتبادل المعلومات ضمّت 18 جهازًا أمنيًا من دول بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسويسرا، وعُرفت باسم “نادي برن”، حيث وفّرت عبر قناتها التشغيلية “كيلوواط” تدفّقًا يوميًا من المعطيات الدقيقة عن تحركات المشتبه بهم واتصالاتهم وأماكن إقامتهم.
وقد شمل ذلك تفاصيل دقيقة، من أرقام هواتف إلى مسارات سفر، شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه قرارات الاستهداف. ضمن هذه الآلية، لم يكن اختيار الأهداف عشوائيًا، بل نتيجة عملية تراكمية من الربط والتحليل بين معطيات قدّمتها أجهزة متعددة.
في حالة وائل زعيتر، على سبيل المثال، ساهمت معلومات نقلتها الاستخبارات الألمانية عن صلاته بالمشاركين في عملية ميونيخ في ترسيخ قناعة لدى القيادة الإسرائيلية بضرورة اغتياله، رغم الجدل اللاحق حول مدى دقة هذه المعطيات. هكذا، تحوّلت شبكات التعاون الاستخباراتي إلى ما يشبه غرفة قرار غير معلنة، تنتج لوائح القتل استنادًا إلى معلومات قد لا تكون خاضعة لأي تدقيق قضائي مستقل (5).
الأكثر دلالة أن هذا التعاون استمر حتى مع تصاعد الشبهات حول دور “الموساد” في الاغتيالات. ففي أعقاب بعض العمليات، شاركت أجهزة أوروبية تفاصيل تحقيقاتها، بما في ذلك معطيات عن المنفذين ومسارات هروبهم، ضمن الشبكة نفسها التي كانت إسرائيل جزءًا منها، ما أتاح لـ”الموساد” الاطلاع على مجريات التحقيق في عملياته الخاصة، في خرق لسيادة الدول الأوروبية، والتقاء بين إدانة رسمية وتعاون استخباراتي فعلي يكشف عن مستوى من “التواطؤ الضمني” الذي بقي بعيدًا عن أي رقابة سياسية أو مساءلة عامة (6).
من الاغتيالات الكلاسيكية إلى الحديثة
منذ حملة “غضب الرب” عقب عملية ميونيخ، توقّفت عمليات الاغتيال التي تنفّذها إسرائيل عن كونها تكتيكًا أمنيًا ظرفيًا، إذ أصبحت سياسة مستمرة تتكيّف مع تطوّر الأدوات والسياقات. وتطوّرت الوسائل من الرسائل المفخخة والعبوات المزروعة إلى أجهزة اتصال يمكن تحويلها إلى أدوات تفجير، وصولًا إلى تعقّب الضربات الدقيقة عبر طائرات مسيّرة أو حتى أنظمة إطلاق عن بُعد.
ويعكس اغتيال وديع حداد، أحد القادة المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عام 1978 التحوّل نحو ما يُعرَف بـ”الاغتيال منخفض البصمة”. بدل استخدام وسائل مباشرة، جرى – بحسب روايات لاحقة – تسميمه بشكل تدريجي عبر مادة يُعتقَد أنها أُدخلت إلى معجون الأسنان خاصته، ما أدى إلى تدهور صحته على مدى أسابيع، قبل وفاته دون أن يتمكن الأطباء من تحديد السبب بدقة. وتمّيزت العملية بقدرتها على محاكاة وفاة طبيعية، ما سمح بتفادي أي رد فعل فوري أو مساءلة مباشرة، فيما لم يُكشَف عن تفاصيلها إلا بعد سنوات (7).
ومن أبرز العمليات اغتيال العالم المصري يحيى المشد في باريس عام 1980، في سياق استهداف البرنامج النووي العراقي الذي كان المشد جزءًا منه. وبحسب بعض التقارير الفرنسية، عُثر على جثة العالم النووي مصابة على مستوى العنق بضربة سلاح أبيض كما عُثر على عدد من الطعنات في مختلف أرجاء جسمه.
ورغم عدم توافر أدلة قضائية حاسمة، أشار محققون فرنسيون إلى شبهات قوية تربط “الموساد” باغتياله. في المقابل، تحدثت إسرائيل عن توجيه ضربة قاسية للبرنامج النووي العراقي وتأخيره، دون أن تعلن رسميًا مسؤوليتها عن العملية (8)، في ما يعكس سياسة “الغموض المتعّمد” التي وسمت عددًا من عملياتها في الخارج.
وفي سياق تطوّر العمليات، يُعدّ اغتيال القيادي في “حزب الله” عماد مغنية في دمشق عام 2008 من أبرز نماذج العمليات المعقّدة التي جمعت بين التخطيط الاستخباراتي والتنفيذ التقني الدقيق. فبعد سنوات من الغموض، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت بمسؤولية إسرائيل عن العملية، موضحًا أن العبوة الناسفة زُرعت داخل جزء من السيارة، وجرت مراقبة الهدف إلى حين وصوله قبل تفجيرها عن بُعد (9).
أما عملية اغتيال القيادي في “حماس” محمود المبحوح في دبي عام 2010 فتُعدّ من أبرز العمليات التي جمعت بين الدقة الاستخباراتية والانكشاف العلني. فقد تمكّن فريق الاغتيال من تعقّب المبحوح واستدراجه إلى غرفته، حيث جرى قتله بوسيلة لا تترك أثرًا واضحًا، قبل ترتيب المشهد ليبدو كوفاة طبيعية.
إلا أن العملية انكشفت سريعًا، إذ أعادت شرطة دبي بناء تحركات الفريق عبر كاميرات المراقبة وتحليل الاتصالات، ونشرت صور المشتبه بهم، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية مع دول أوروبية بسبب استخدام جوازات سفر أوروبية مزوّرة (10).
ورغم نجاح “الموساد” في اغتيال المبحوح، كشفت العملية حدود هذا النوع من الاغتيالات، إذ قد تحقق أثرًا فوريًا، لكنها لا تحدث بالضرورة تغييرًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وفي حالات أخرى، لم تُكشَف العمليات بشكل مباشر، بل بقيت ضمن ما يُعرَف بسياسة “الغموض المتعمّد”. ففي حالة المهندس الفلسطيني فادي البطش الذي قُتل بإطلاق نار في ماليزيا عام 2018، نُسبت العملية على نطاق واسع إلى “الموساد”، خصوصًا بعد إعلان “حماس” أنه كان من كوادرها المرتبطة بتطوير قدراتها العسكرية.
ورغم نفي إسرائيل الرسمي لأي ضلوع في العملية، فإن تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك أفيغدور ليبرمان، التي أشار فيها إلى دور البطش في تطوير الصواريخ (11)، عكست نمطًا متكررًا عبر النفي المباشر الذي يترافق مع تلميحات غير مباشرة إلى طبيعة الهدف. في هذا السياق، يتيح الغموض لإسرائيل تنفيذ عمليات خارج حدودها دون تحمّل مسؤولية قانونية أو سياسية واضحة.
وفي تطوّر أكثر تقدّمًا، يُعدّ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020 نموذجًا لانتقال الاغتيالات إلى مستوى جديد من التنفيذ عن بُعد. فقد جرى استهدافه باستخدام سلاح آلي مُتحكَّم به عن بُعد ومدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، دون وجود منفّذين في موقع العملية. تميّزت العملية بدقة عالية، إذ استهدفت الشخص المعني دون إصابة مرافقيه أو زوجته التي كانت إلى جانبه، في مؤشر على تحوّل الاغتيال من عمل ميداني إلى عملية تُدار تقنيًا من مسافة، حيث يصبح “الحضور” البشري في موقع التنفيذ غير ضروري (12).
غير أن تاريخ جهاز “الموساد” الإسرائيلي شهد عددًا من الإخفاقات كذلك، لعل أبرزها محاولة اغتيال القيادي في “حماس” خالد مشعل في عمّان عام 1997.
فقد نفّذ العملية عملاء لـ”الموساد” تنكّروا بهويات كندية، واستخدموا مادة سامة تُحقَن بسرعة قرب الأذن. غير أن العملية انهارت خلال لحظات بعدما انتبه أحد مرافقي مشعل للهجوم، ما أدى إلى ملاحقة المنفذين والقبض عليهم قبل تمكنهم من الفرار.
وأثارت العملية أزمة دبلوماسية حادة مع الأردن، إلى أن اضطرت إسرائيل إلى إرسال الترياق لإنقاذ حياة مشعل، كما انتهت الأزمة بإفراج إسرائيل عن الشيخ أحمد ياسين وعدد من المعتقلين الفلسطينيين، مقابل إطلاق سراح عملاء “الموساد” (13).
وتشكّل هذه الحادثة واحدة من أكثر العمليات التي كشفت حدود هذا النوع من الاغتيالات وكلفتها السياسية.
هجمات الأجهزة المفخخة والاغتيالات في سياق حرب 2023
شكّل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 منعطفًا حادًا في طريقة إسرائيل في إدارة صراعها، إذ لم تقتصر ردود الفعل على العمليات العسكرية التقليدية، بل رافقتها موجة واسعة من الاغتيالات المستهدفة طالت قيادات بارزة في “حماس” و”حزب الله” وفصائل أخرى، في عمليات توزّعت بين الجيش الإسرائيلي والموساد وأجهزة أمنية أخرى.
من أبرز هذه الاغتيالات التي نُسبت تحديدًا إلى “الموساد”، اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في طهران في يوليو/ تموز 2024. نُفّذت العملية داخل مقر إقامته في دار ضيافة حكومية إيرانية، عبر عبوة ناسفة يُرجَّح أنها زُرعت مسبقًا في الغرفة قبل أسابيع من وصوله (14).
شكّل الاغتيال صدمة إستراتيجية وسياسية واسعة، لا لأهمية الهدف فحسب، بل لأنه نُفّذ في قلب العاصمة الإيرانية، في رسالة مزدوجة وجّهتها إسرائيل لكل من “حماس” وطهران في آن واحد.
ثم جاءت هجمات الأجهزة المفخخة في أيلول/سبتمبر 2024 لتمثّل تحوّلًا نوعيًا غير مسبوق. بحسب تقارير إعلامية، جرى إدخال متفجرات داخل أجهزة “بيجر” وأجهزة لاسلكية بيعت عبر شركات وهمية لـ”حزب الله”، قبل أن تُفجَّر عن بُعد بشكل متزامن في لبنان، ما أدى إلى سقوط قتلى وآلاف الجرحى، بينهم مدنيون.
واختلفت العملية عن سابقاتها بأنها استهدفت شبكة كاملة، لا شخصًا بعينه، عبر تحويل أداة تواصل يومية إلى وسيلة قتل كامنة. كما أظهرت مستوى متقدمًا من الاختراق، حيث لم يقتصر التنفيذ على لحظة التفجير، بل بدأ قبل سنوات عبر التلاعب بسلاسل التوريد وإنشاء واجهات تجارية مزيفة (15).
الإطار المؤسسي والقرار السياسي
في هذا السياق، يظهر أن عملية الاغتيال لا تبدأ لحظة التنفيذ، بل تمر في سلسلة من المراحل المؤسسية داخل المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية. غالبًا ما يُحدَّد الهدف عبر جمع معلومات من وحدات مختلفة، تشمل مراقبة الاتصالات وشبكات التجسس وتحليل العلاقات التنظيمية.
بعد ذلك، يُبنى ملف استخباراتي متكامل يقيّم دور الشخص المستهدف وجدوى اغتياله والوسيلة الأنسب لتنفيذ العملية. يُعرَض هذا الملف على هيئة تنسيق تضم رؤساء الأجهزة الأمنية، قبل أن يُحال القرار النهائي على رئيس الحكومة الذي يمتلك صلاحية الموافقة (16).
عند إقرار العملية، تتولى وحدات متخصصة التنفيذ، أبرزها “قيصرية” المسؤولة عن تشغيل العملاء وجمع المعلومات، و”كيدون” التي تضم عناصر مدرّبة على تنفيذ الاغتيالات والتخريب. وتعتمد هذه العمليات على مزيج من المراقبة التكنولوجية والعمل الميداني، حيث تؤدّي متابعة الاتصالات وتحليلها دورًا أساسيًا في تحديد موقع الهدف وتوقيت استهدافه (17).
غير أن هذا لا يعني أن الاغتيال أداة سهلة أو مضمونة النتائج. فتنفيذ عمليات الاغتيال يبقى مرتبطًا باعتبارات سياسية وجغرافية معقّدة، تحدّد أين يمكن لإسرائيل أن تتحرّك. كما أن سجل هذه العمليات يكشف عن إخفاقات بارزة، من استهداف أشخاص بالخطأ إلى انكشاف شبكات كاملة من العملاء، ما يذكّر بأن دقة التكنولوجيا لا تلغي هامش الخطأ.
والأهم أن أثر هذه الاغتيالات يبقى موضع جدل، باعتبار أن استهداف القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف التنظيمات، إذ غالبًا ما تُستبدَل هذه القيادات بسرعة، ما يطرح تساؤلات عما إذا كانت هذه السياسة تنتج ردعًا فعليًا، أم تندرج أساسًا ضمن منطق توجيه الرسائل واستعراض القدرة أكثر من كونها حلًا حاسمًا للصراع (18).
الاغتيال كنموذج للصراع
في كتابه “انهض واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية” (19)، يشير الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان إلى أن إسرائيل نفّذت منذ الحرب العالمية الثانية عمليات اغتيال أكثر من أي دولة غربية أخرى، حيث تحوّل هذا الأسلوب إلى خيار متكرر لدى صانعي القرار في التعامل مع التهديدات الأمنية.
فبدل اللجوء إلى المواجهات الواسعة، جرى اعتماد الاغتيال كأداة مفضّلة لحل “مشكلات معقّدة”، وحتى لمحاولة تغيير مسارات الصراع. ووفق المنطق الإسرائيلي، لا تهدف الاغتيالات إلى الإزالة الجسدية فقط، بل إلى إنتاج صدمة وردع ورسالة تتجاوز الحدث نفسه، حيث يصبح التأثير النفسي جزءًا لا يتجزأ من العملية، لا نتيجة جانبية لها. وفي هذا السياق، لم تتردّد القيادة الإسرائيلية، في حالات عديدة، في اعتبار تعريض المدنيين للخطر ثمنًا مقبولًا بوصفه “شرًا لا بد منه”.
وتعكس الأرقام هذا التوجّه بوضوح. فبحسب برغمان، حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، نفّذت إسرائيل نحو 500 عملية اغتيال، قُتل فيها ما لا يقل عن ألف شخص، بينهم مدنيون ومقاتلون. وخلال الانتفاضة الثانية، نُفّذت نحو ألف عملية إضافية، تلتها مئات العمليات الأخرى في السنوات اللاحقة، وصولًا إلى ما يقارب 800 عملية إضافية حتى عام 2018، تاريخ صدور الكتاب.
لا تقتصر هذه الأرقام على عمليات “الموساد” وحده، الذي يبقى الواجهة الأكثر ارتباطًا بالاغتيالات الخارجية، بل تشمل مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. كما أن “الموساد” لا يتولى دائمًا تنفيذ عمليات الاستهداف بشكل مباشر، إلا أنه غالبًا ما يؤدّي دورًا محوريًا في مراحلها الأولى، من جمع المعلومات وتعقّب الأهداف إلى بناء ملف الاستهداف، حتى عندما يُترَك التنفيذ لأجهزة أخرى.
سياسة القتل خارج القانون
لا تكمن أهمية الاغتيال فقط في كونه أداة، بل في كونه يعكس تصوّرًا إسرائيليًا أوسع للأمن والسياسة، تصوّر يقوم على أن التهديد دائم، وأن مواجهته تتطلّب أدوات استباقية، حتى لو تجاوزت حدود القانون وسيادة الدول. وعلى هذا الأساس، بقي هذا النهج موضع إدانة دائم لدى منظمات حقوق الإنسان، التي ترى فيه عمليات قتل خارجة عن أي مسار سياسي أو قضائي، وتفتقر إلى المساءلة والرقابة.
وبينما تتغير الوسائل، من السموم إلى الطائرات المسيّرة، تكشف التجربة أن هذا السلاح ليس دائمًا حاسمًا كما يُقدَّم. فنجاحات تكتيكية كثيرة لم تُترجَم بالضرورة إلى مكاسب استراتيجية، بل أدت أحيانًا إلى تداعيات عكسية، سواء عبر انكشاف العمليات، أو تعقيد العلاقات السياسية، أو ببساطة لأن الأشخاص المستهدفين يُستبدَلون بسرعة داخل بنى تنظيمية قادرة على التكيّف.
كما ساهمت سياسة “الغموض المتعمّد” في ترسيخ إفلات إسرائيل من المساءلة والعقاب، إذ توفّر غطاءً لتنفيذ هذه العمليات دون تبنٍّ رسمي. وفي ظل هذا الغياب للمحاسبة، تبقى كلفة الاغتيالات الإنسانية قائمة، إذ كثيرًا ما تتجاوز آثارها الهدف المباشر لتطال مدنيين، ما يضع حدودها الأخلاقية والقانونية موضع إدانة دائم.
2- Harriet Sherwood, Adolf Eichmann’s capture, as told by the Mossad, in Israel exhibition, The Guardian, February 2012
3- Jason Burke, Western countries gave Mossad information used to track and kill Palestinian terrorists in 1970s, The Guardian, May 2025
4- Rebbeca Armitage and Basel Hindeleh, Tennis players, poisoned toothpaste and explosive phones: Israel’s long history of assassination plots, ABC News, September 2024
5- Aviva Guttmann, Mossad’s Accomplices: How Israel Relied on Foreign Intelligence Agencies to Organise its Killing Campaigns, The English Historical Review, Volume 140, Issue 604-605, June 2025, Pages 777–807
6- المصدر نفسه
7-Ananya Bhattacharya, How Israel killed Palestinian commander Wadie Haddad with toothpaste in 1978, India Today, December 2024
8- بهذا العام.. اغتالت إسرائيل أهم عالم نووي لدى صدام حسين، تشرين الأول 2023
9- Haaretz, Ex-PM Admits Israel Behind Previously Unclaimed 2008 Killing of Hezbollah’s Military Chief, September 2024
10- Eyal Pinko, A dozen years on from the assassination that shook the world, i24NEWS, January 2022
11- Aaron Boxerman, Hamas claims to nab Palestinian who aided alleged 2018 Mossad hit in Malaysia, The Times of Israel, January 2022
12- Ronen Bergman and Farnaz Fassihi, The Scientist and the A.I.-Assisted, Remote-Control Killing Machine, The New York Times, September 2021
13- فراس خطيب، هكذا حاول «الموساد» اغتيال مشعل، الأخبار، أيلول 2007
14- Barak Ravid, Planted bomb, remote control and AI: How the Mossad killed Hamas’ leader in Iran, Axios, August 2024
15- Raffi Berg, Ex-Israeli agents reveal how pager attacks were carried out, BBC, December 2024
16-Ali Younes, How Mossad carries out assassinations, Aljazeera, April 2018
17- المصدر نفسه
18-Dan De Luce, Keir Simmons, and Anna Schecter, Israel has a long track record of assassinating its enemies. Will it work against Hamas?, NBC News, January 2024
19-Bergman, R. (2018). Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations. Random House
