![]()
وصلت أمريكا عبر مصر وقطر من البلد شاكيا رهقي وانصراف شهيتي وإحساسي بحمى داخلية ما استوجب زيارة مستشفى الطوارئ، حيث أخضعوني لفحوص متعددة غير أني طلبت مراجعة موقف الملاريا فأخذوا عينة دم فانصرفنا.
في ضحى الجمعة الماضي وهو يوم عمل هنا جاءت محادثة من مستشفى الطوارئ مفادها:
ظهرت الملاريا في الفحص ونوعها
Salcitarum
حضورك فورا
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي
بعد ساعة مثلت بين يدي موظفي الاستقبال، الذين أحالوني للمختصين بالداخل.
تمددت على سرير يتوسط غرفة وبقي مرافقي على كرسي بجانبي بينما ظل آخر في الاستقبال.
على الفور أخذوا عينة دم للفحص وعكفوا على سلسلة مراجعات في النبض والضغط والحرارة .. إلخ فيما وضعت فراشة في ساعدي اليسرى.
بعد زهاء ساعة ذهبوا بي لغرفة حيث التقطوا صورة أشعة للصدر وعدت.
فيما كنت ومرافقي نتونس حول يا ترى هل سيصرفون حبوبا أم يلجأون للحقنة جاء طبيب اختصاصي في الوبائيات وقال إن من حسن الحظ وجود حبوب ملاريا في مدينة تاكوما القريبة وإنهم طلبوها على عجل، فهي غير متوافرة في كل البقاع لندرة مصابين بالملاريا وأضاف أنه طوال 15 عاما الماضية لم يصادف مريضا بالملاريا فحالتي تاريخية لذا كان الاهتمام الفائق والاستنفار، ( لأنها من أمراض المناطق الاستوائية والمدارية) ومضى يقول إن وضعي يستدعي بقائي 3 أيام بالمستشفى فالحبوب باهظة الثمن ومراقبة وضعي من كثب حتمية.
طلبت ذهابي للبيت للإتيان بمستلزماتي فقال مبتسما عبر نظارته الطبية إن خروجي غير متاح!
يا إلهي، كدة اعتقلت! فلا تحرك إلا بعد العلاج.
هكذا تسبيت طعنة بعوضة في جسمي في البلد في كل إعيائي عبر القارات.
وعندما تحسسنا من مضي الوقت الذي بات عصرا قالت سستر إن كل النتائج اكتملت عدا واحدة وشيكة!
لحظات ودفعت بي عاملة على كرسي بعجلات بالمصعد إلى الطابق السادس حيث الغرفة التي خصصوها لي فإذا هي من فئة فندق 5 نجوم تحوي كل ما يخطر على بالك من معينات الراحة، وعبر النافذة العريضة أشجار صنوبر فرعاء مستدامة الخضرة وأخرى أدنى قامة تمتد على ربوة تمرق من خلفها سيارات مسرعة، علما أن أعمدة التلغراف بالسودان كانت أشجار صنوبر.
ولحق بي موكب من أهل البيت والأصدقاء يحملون كل ما طلبت وبعضا مما لم أطلب.
وانداح نشاط الأطباء والسسترات على مدار النهار وصدر الليل، وهم في غاية الود ولطف التعامل، فأداعب السسترات الرائعات:
جاهز للكشف والحبوب، فقط لطفا بي من الحقن ولكن ذابت رجاءاتي وراء ابتساماتهن العذبة وثقبت بشرتي يمنة ويسرة مرارا.
الطعام صحي، متنوع، شهي، وواف كما وكيفا ما جعلني أمازح من معي:
لو قضيت شهرا هنا سأشق طريقي لحلبة الملاكمة!
أيقنتي هذه التجربة المريرة خطورة تشخيص كثيرين في السودان أنفسهم ذاتيا وأخذهم حبوب الملاريا دون فحص، بل بعضهم يكتفون بعلاج بلدي غير موثوق كمشروب العرديب حتى تصاب الكبد ثم كرويات الدم الحمراء ما قد يفضي لخروج منتج من دائرة العمل وربما يعرج به غيهب الموت، مثل طالب الشهادة الثانوية من أبناء المتمة، الذي اغتالته الملاريا في اليوم الأخير هذا الأسبوع.
رجاء:
لا تستهينوا بالملاريا.
سرني ما تابعت عن تجديد الجانبين السوداني والمصري حديثا اتفاق مشروع القامبيا المشترك المختص بمكافحة البعوض، وبالتالي الملاريا اللعينة وهو الذي خبرنا جدواه زمنا.
معا لنترجم مبادرة ” نحو سودان خال من الملاريا 2030 ” القومية المعلنة، في ظل إصابة 8 آلاف بها أسبوعيا في الخرطوم حاليا.
هأنذا أغادر المستشفى شاكرا بعد أيام ثلاثة بلياليها المترعات بالتعافي وعودة الصحة التامة، على أن أراجع بعد شهر للتيقن أن لا أثر بقي في الجسم وقالوا إنهم بصدد دراسة حالتي، بالطبع للاستفادة منها لاحقا.
التحية لشباب سياتل الذين ما فارقوني لحظة، والتقدير لزمرة الصحاب الجزائرية – المغربية على هداياهم وإيناسهم.
التقدير للعزيز د. خضر محمد علي، الذي تواصل مرتين متفقدا.
شاكر لكم أجمعين تفاعلكم، داعيا أن يجعل المولى أيامكم رائعة .. العافية ساعاتها والتوفيق دقائقها وثوانيها سعادتكم.