البقاع اللبناني بعين الاستهداف الإسرائيلي.. رسائل بالنار وقرى مدمّرة

البقاع اللبناني بعين الاستهداف الإسرائيلي.. رسائل بالنار وقرى مدمّرة

Loading

هدأت أصوات القصف، وتراجع هدير الطائرات في سهل البقاع اللبناني بعد إعلان الهدنة، لكن القلق في نفوس الأهالي لم يتراجع بالوتيرة نفسها.

فالغارات وأعمال التفجير والهدم في جنوب لبنان أبقت الخوف حاضرًا، وفتحت سؤالًا ثقيلًا لدى العائدين:

هل انتهت الحرب فعلًا، أم أن الهدنة ليست سوى استراحة مؤقتة بين جولتين؟

معظم الذين لجأوا إلى مراكز الإيواء في المنطقة عادوا إلى منازلهم سريعًا بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ، ثم تمديدها لاحقًا ثلاثة أسابيع إثر محادثات لبنانية إسرائيلية على مستوى السفراء في واشنطن، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

أما الذين دُمّرت منازلهم أو تضررت جرّاء الغارات، فقد وجدوا أنفسهم أمام خيارات صعبة. فاختارت قلة منهم البقاء في مراكز الإيواء أو في شقق استأجروها مع بدء الحرب، فيما انتقل آخرون إلى منازل أقارب أو أصدقاء، بانتظار اتضاح المشهد وتأمين مساكن بديلة.

وفي البقاع، لا تبدو العودة إلى الحياة الطبيعية مسألة وقت فقط. فالمنطقة التي تحمل أهمية زراعية واقتصادية للبنان، تحوّلت خلال الحرب الأخيرة إلى مساحة استهداف متكرر، من النبي شيت وشمسطار إلى سحمر ومعبر المصنع، في مشهد أعاد طرح موقع البقاع في خريطة الصراع مع إسرائيل.


سهل البقاع.. عمق اقتصادي وممر إستراتيجي


سهل البقاع حوض زراعي خصب يقع في شرق لبنان، بين سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية. يمتد على طول يقارب 120 كيلومترًا من الشمال إلى الجنوب، ويتراوح عرضه بين 10 و25 كيلومترًا، ويُعد أكبر سهل داخلي في البلاد.

وتمنح التربة الرسوبية والمناخ المتوسطي السهل مكانته بوصفه مركزًا أساسيًا للإنتاج الزراعي. كما ينبع منه نهران رئيسيان: نهر الليطاني الذي يتجه جنوبًا داخل لبنان، ونهر العاصي الذي يتجه شمالًا نحو سوريا.

أما أهميته الجيوستراتيجية فتنبع من كونه ممرًا طبيعيًا يربط الداخل السوري بالساحل اللبناني، وخاصة بين دمشق وبيروت، ما جعله عبر التاريخ محورًا للطرق التجارية والعسكرية، ومنطقة تماس وتأثير في الصراعات الإقليمية.

تنبع أهمية البقاع من موقعه المفتوح وحدوده المتصلة بسوريا ودوره كطريق حيوي بين الداخل والساحل

ويقسّم البقاع إداريًا إلى محافظتين:

  • محافظة البقاع: وتضم ثلاثة أقضية هي زحلة والبقاع الغربي وراشيا
  • محافظة بعلبك الهرمل: وتضم قضاءي بعلبك، والهرمل.

هذه الخصائص جعلت البقاع منطقة محورية في المواجهات مع إسرائيل، من اجتياح 1982 إلى حرب يوليو/ تموز 2006، وصولًا إلى حربي 2024 و2026، بسبب موقعه المفتوح وحدوده المتصلة بسوريا، ودوره كممر لوجستي وطريق إستراتيجي بين الداخل والساحل.


لماذا يستهدف البقاع؟

  • موقعه المفتوح وحدوده المتصلة بسوريا.

  • دوره كممر لوجستي بين الداخل والساحل.


  • قرب بعض بلداته من مسارات الجنوب والبقاع الغربي.


  • وجود معابر حيوية تربط لبنان بسوريا.


  • رمزيته في سجل المواجهات السابقة مع إسرائيل.


حرب تركت بصماتها على القرى والمعابر


طبعت الحرب الإسرائيلية الأخيرة في البقاع أحداث كثيرة. فقد شهدت المنطقة استهداف منازل مأهولة، وإنذارات إخلاء طالت قرى بأكملها للمرة الأولى، وتدمير جسور، وعملية إنزال عسكرية، وحديثًا عن محاولات إنزال أخرى، إضافة إلى تهديد باستهداف أحد أهم المعابر البرية في لبنان.

وطال القصف قرى ومناطق عديدة، من بينها شمسطار والنبي شيت وسحمر، وهي بلدات تحولت خلال الحرب إلى عناوين بارزة في خريطة الاستهداف الإسرائيلي للبقاع.


إنزال النبي شيت.. ليلة لم تشبه أيام الحرب

تقع بلدة النبي شيت على السفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، قرب الحدود اللبنانية السورية. وقد تعرضت خلال هذه الحرب، كما خلال حرب عام 2024، لغارات متكررة أسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى.

غير أن ليل 6 مارس/ آذار لم يكن يومًا عاديًا في البلدة. فقد نفذ الجيش الإسرائيلي عملية إنزال جوي قيل إنها استهدفت البحث عن رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي فُقد في لبنان عام 1986، من دون أن تحقق العملية هدفها المعلن.

وتخللت العملية مواجهات مع أهالي البلدة وغارات مكثفة أسفرت، وفق المعلومات المتداولة، عن 41 شهيدًا على الأقل، قبل أن تنسحب القوة الإسرائيلية بعد ساعات.

 

ونُفّذ الإنزال على سفوح السلسلة الشرقية، حيث توجه الجنود، وفق روايات إعلامية، بآليات مشابهة لتلك التي يستخدمها الجيش اللبناني إلى داخل البلدة، ونبشوا أحد القبور اعتقادًا منهم أن رفات الطيار المفقود موجودة فيه.

وفي طريق العودة، كُشف أمر القوة، لتندلع مواجهات في المنطقة. طلبت القوة على أثرها غطاءً جويًا كثيفًا لتأمين انسحابها، ما خلّف دمارًا واسعًا في البلدة، إلى جانب الخسائر البشرية.

إنزال النبي شيت.. ما هي الأهداف الحقيقية؟

بدت بلدة النبي شيت وكأن زلزالًا ضربها بعد الإنزال والغارات الإسرائيلية – غيتي 

بينما أثارت العملية أسئلة كثيرة حول أهدافها الحقيقية، خصوصًا بعد ظهور مشاهد كاميرات مراقبة تشير إلى أن الإنزال بدأ في منطقة الخريبة قبل تحرك القوة نحو النبي شيت، يرجّح الخبير العسكري العميد المتقاعد في الجيش اللبناني خليل الجميل، في حديث خاص إلى موقع التلفزيون العربي، أن يكون الهدف الفعلي مرتبطًا بمحاولة الوصول إلى رفات رون أراد.
ويشرح الجميل أن إنزال جنود على الأرض يشكل مخاطرة عسكرية كبيرة، وعادة ما يُنفذ لهدفين: إما التمهيد لدخول قوات إلى منطقة معينة، أو تنفيذ عملية خاصة للحصول على هدف شديد الأهمية. وفي حالة النبي شيت، يرجّح أن يكون الهدف مرتبطًا برفات أراد أو بمعطيات تخص مصيره، نظرًا إلى حساسية هذا الملف لدى الجانب الإسرائيلي.
كما يرى الجميل أن ما يعزز هذه الفرضية هو توقيت العملية، إذ جاءت بعد خطف النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، وهو من أبناء النبي شيت، في عملية إسرائيلية ترافقت مع معلومات عن امتلاك شقيقه معطيات بشأن رون أراد، وهو ما تنفيه العائلة.

شمسطار.. القصف يطال مقبرة البلدة

بلدة بقاعية أخرى وجدت نفسها في قلب الاستهداف هي شمسطار، الواقعة غرب مدينة بعلبك وعلى مقربة من السفوح الشرقية لسلسلة جبال لبنان الغربية.

تعرضت البلدة لغارات عنيفة ومتكررة، وكان أبرزها استهداف مشيعين خلال جنازة في مقبرة البلدة، ما أسفر عن أكثر من 10 شهداء وعدد من الجرحى.

مقبرة شمسطار كما بدت بعد الغارات الإسرائيلية – الوكالة الوطنية للإعلام

ولم يكن هذا الاستهداف معزولًا عن مسار أوسع. فشمسطار كانت قد تعرضت خلال حرب عام 2024 أيضًا لغارات طالت داخل البلدة وجردها، قبل أن تعود في الحرب الأخيرة إلى دائرة النار.

وفي البقاع الغربي، قرى عدة تعرضت لغارات متكررة خلال الحرب أبرزها سحمر ويحمر ولبايا ومشغرة. إلا أن حصة الهجمات الكبرى كانت لسحمر حيث بدل الدمار معالم البلدة.


 

سحمر.. بلدة تغيّرت ملامحها

في البقاع الغربي، تعرضت قرى عدة لغارات متكررة، من أبرزها سحمر ويحمر ولبايا ومشغرة. غير أن سحمر نالت الحصة الأكبر من الاستهدافات، إلى حد تغيّرت معه ملامح البلدة.

تقع سحمر على مقربة من بحيرة القرعون التي يشكّلها نهر الليطاني، ما يمنحها موقعًا طبيعيًا مميزًا بين الجبل والسهل. لكن هذا الموقع نفسه جعلها، وفق قراءات عسكرية، جزءًا من خريطة اهتمام إسرائيلية أوسع في البقاع الغربي.

ولم تنجُ المنطقة من “حرب الجسور” التي شنتها إسرائيل لفصل الجنوب عن باقي المناطق. فقد استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي الجسر الذي يربط سحمر بمشغرة، وطال القصف جسرًا ملاصقًا له، ما أدى إلى تدميرهما.

كما دمّر الجيش الإسرائيلي في 23 مارس/ آذار جسر الدلافة الإستراتيجي فوق نهر الليطاني، وهو شريان حيوي يربط مناطق البقاع الغربي بجنوب لبنان، ولا سيما حاصبيا ومرجعيون.

بلدات بقاعية.. امتداد لجنوب لبنان

غيّرت الغارات الإسرائيلية ملامح بلدة سحمر في البقاع الغربي – غيتي

عن تركيز إسرائيل على قصف هذه القرى، يقول الخبير العسكري خليل الجميل لموقع التلفزيون العربي إن بلدات مثل سحمر ويحمر ولبايا تُعد امتدادًا لجنوب لبنان بحكم موقعها الجغرافي.

ويوضح أن قرى سحمر ويحمر ومشغرة وصولًا إلى إقليم التفاح تشكل، وفق الحسابات الإسرائيلية، عقدة ميدانية وهدفًا عسكريًا، بسبب اعتبارها طرقًا محتملة لمرور صواريخ نحو سجد وإقليم التفاح ووادي القطراني جنوبًا. ويضيف أن إطلاق الصواريخ من هذه المناطق يجعل اعتراضها أكثر صعوبة في المستوطنات الإسرائيلية بسبب قرب المسافة.

شكّلت الجسور هدفًا بارزًا في البقاع الغربي ضمن محاولة فصل مناطق الجنوب عن محيطها

ويرى الجميل أن إسرائيل تحاول منع أي إطلاق صاروخي من هذه البلدات في البقاع الغربي، وتعمل على الحد من أي مقاومة محتملة منها في حال توسيع العملية في جنوب لبنان أو تنفيذ عمليات أخرى.


تهديد معبر المصنع.. ضغط على بيروت ودمشق


لم تقتصر التهديدات الإسرائيلية في البقاع على القرى والجسور، إذ طالت الجانب الاقتصادي والحدودي أيضًا. ففي مساء 4 أبريل/ نيسان، صدر إنذار إخلاء عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لمعبر المصنع الحدودي مع سوريا، وهو أحد أهم المعابر البرية في لبنان.

أدى الإنذار إلى توقف الحركة كليًا على المعبر الذي يقابله من الجانب السوري معبر جديدة يابوس، قبل أن تنجح اتصالات لبنانية وسورية في تعليق أو إلغاء الاستهداف.

يمثل معبر المصنع شريانًا اقتصاديًا وحيويًا للبنان، وأي تهديد باستهدافه يحمل آثارًا تتجاوز البعد العسكري

وأثار التحذير تساؤلات واسعة في لبنان، خصوصًا أن عمليات تهريب الأسلحة والصواريخ من سوريا يصعب أن تتم عبر معابر شرعية كمعبر المصنع، وتحدث غالبًا عبر طرق تهريب ومعابر غير رسمية.

يرى خليل الجميل أن الإنذار جاء في إطار محاولة ضغط إسرائيلية على الحكومتين اللبنانية والسورية في آن واحد.


  • من الجانب السوري، تريد إسرائيل من دمشق إقفال الحدود بالكامل ومنع أي محاولات لإدخال أسلحة أو صواريخ إلى حزب الله في لبنان.

  • ومن الجانب اللبناني، يندرج تهديد معبر المصنع، وفق الجميل، في سياق الضغط في ملفات حصر السلاح والمفاوضات مع إسرائيل.

وتنبع حساسية معبر المصنع من كونه المتنفس البري الأبرز للبنان، وواحدًا من ثلاثة معابر من الفئة الأولى مع سوريا، ما يجعل أي تهديد باستهدافه رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى الاقتصاد وحركة الناس والتجارة.

يُعدّ معبر المصنع أحد أهم المعابر البرية في لبنان والمتنفس الأساسي باتجاه سوريا – غيتي

تحديات الإيواء.. حين تسبق الحلول المجتمعية الدولة

بعيدًا عن البعد العسكري والسياسي، تبرز تحديات إنسانية كبيرة في البقاع بعد توقف الحرب، خصوصًا على مستوى الإيواء لمن فقدوا منازلهم أو تضررت مساكنهم.

ورغم استمرار فتح مراكز الإيواء، سبقت الحلول المجتمعية تدخل الدولة في كثير من الحالات. فقد استقبل أهالي البقاع أقاربهم وأصدقاءهم ممن خسروا منازلهم، إلى حين التأكد من هدوء الأوضاع وتأمين مساكن بديلة.

وحتى الآن، لم يصدر رقم دقيق حول عدد الوحدات السكنية المتضررة في البقاع. غير أن المشاهد الواردة من القرى المدمرة توحي بأن الرقم ليس قليلًا، وأن العودة إلى ما قبل الحرب تحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير.

ما بعد القصف.. تحديات مفتوحة
 

  • عودة غير مكتملة للنازحين.
  • بيوت مدمرة أو متضررة.
  • غياب رقم دقيق للوحدات السكنية المتضررة.
  • اعتماد واسع على استضافة الأقارب والأصدقاء.
  • حاجة طويلة الأمد إلى ترميم وإيواء وتعويضات.

 


مشاهدات تختصر الواقع أكثر من الأرقام


تقول مراسلة التلفزيون العربي جويس الحاج خوري، التي غطت الحرب الأخيرة ميدانيًا في البقاع، إن قرى بكاملها تغيّرت ملامحها خلال ساعات بفعل القصف.

وتروي أن الصورة في النبي شيت بدت، بعد الإنزال الإسرائيلي وما تلاه من غارات، كأن زلزالًا ضرب البلدة. كما تتحدث عن الدمار الواسع الذي لحق بسحمر، وعن مشهد استهداف مسجد البلدة خلال صلاة الجمعة، وما خلّفه من شهداء وجرحى.

في القرى المدمرة، يبحث الأهالي بين الركام عن صور وأشياء صغيرة تثبت أن هذه البيوت كانت عامرة بالحياة

وتشير خوري إلى أن بعض مشاهدات الميدان يختصر الحرب أكثر من أي رقم أو إحصاء، على غرار امرأة تبحث بين الركام عن صورة، أو قطعة قماش، أو شيء صغير يثبت أن هذا المكان كان يومًا بيتًا. 

هذه التفاصيل الصغيرة، في نظرها، تقول ما لا تستطيع الأرقام وحدها قوله.


 غطّت الزميلة جويس الحاج خوري الحرب الأخيرة ميدانيًا من البقاع منذ يومها الأول، وقد وثّقت مشاهداتها في مقال خصّت به موقع التلفزيون العربي: 


وبينما لم تصدر حتى الآن حصيلة رسمية مفصلة لعدد الضحايا في البقاع جرّاء الحرب الأخيرة، ذكرت معلومات لموقع التلفزيون العربي أن الحصيلة بلغت في البقاعين الشمالي والأوسط 133 شهيدًا وأكثر من 150 جريحًا. أما في البقاع الغربي، فقد بلغت الحصيلة في بلدة سحمر وحدها أكثر من 20 شهيدًا، من دون توفر معطيات كاملة عن عدد الضحايا في البلدات الأخرى.

ووفق آخر حصيلة معلنة لوزارة الصحة اللبنانية، فقد أسفرت الحرب الأخيرة في جميع أنحاء لبنان، منذ 2 مارس/ آذار وحتى 25 أبريل/ نيسان، عن 2496 شهيدًا و7725 جريحًا، إضافة إلى أكثر من مليون نازح.

هكذا خرج البقاع من الحرب الأخيرة مثقلًا بالدمار والقلق والأسئلة. فالمنطقة التي كانت دائمًا خزانًا زراعيًا وممرًا إستراتيجيًا للبنان، وجدت نفسها مرة أخرى في قلب الاستهداف، بين رسائل إسرائيلية بالنار، وقرى تحاول أن تلملم ما بقي من بيوت وذاكرة وحياة.