عمر الفاروق حكاية.. بطل بين الخنادق والسجون

عمر الفاروق حكاية.. بطل بين الخنادق والسجون

Loading

عمر الفاروق حكاية.. بطل بين الخنادق والسجون

بقلم/ عصام دقداق*

معركة الكرامة ليست مجرد حدث عابر في سجل الأيام بل قصة ستتداولها الأجيال وتُحكى بفخر في كتب التاريخ للأجيال القادمة كما كنا نحن نقرأ في مدارسنا بطولات أجدادنا عثمان دقنة والنجومي والمهدي تلك الصفحات التي تشربت معاني التضحية والفداء من أجل الوطن وهكذا تمضي معركة الكرامة اليوم لتكون امتدادًا لذلك المجد العريق تاريخًا يُسطر بالأحرف من نور ويُروى بدموع الفخر والوجع معًا

هي ليست معركة سلاح فقط بل معركة وعي وإرادة وكرامة معركة أعادت تعريف معنى الانتماء حين اختلطت فيها دموع الأمهات بزغاريد الفخر وحين صار الوطن فكرة تسكن القلوب قبل أن يكون حدودًا على الخريطة معركة كشفت معادن الرجال وفرزت الصفوف وأظهرت من يقف حين تشتد الخطوب ومن يلوذ بالصمت أو الفرار

في هذه المعركة لم يكن الصمود شعارًا بل كان واقعًا حيًا نابضًا عاشه جنود القوات المسلحة والشباب الوطني الغيور الذين وقفوا في وجه ذات الأطماع القديمة المتجددة نفس الأيادي التي امتدت قديمًا لنهب خيرات البلاد عادت بثوب جديد ولكنها وجدت أمامها رجالًا على خطى الأجداد لا ينكسرون ولا يتراجعون السودان الذي أنجب أولئك الأبطال لا يزال ينجب من يحمل الراية ويمضي بها غير هياب نحو ميادين الشرف حيث تختبر الإرادة وتصنع المواقف وتُكتب الحكايات التي لا تموت

ومع أول رصاصة غدر من التمرد انكشفت المواقف وتباينت الطرق هرول من أشعلوا الحرب وهددوا بها من قيادات قحت بعد أن تركوا الهالك يهلك في مغامرة غير محسوبة خارج الحدود وتركوا الخرطوم تحترق بينما كان هناك من يركض في الاتجاه المعاكس نحو الخطر نحو الدخان والرصاص نحو المجهول لكن بقلب ثابت وعقيدة لا تتزحزح شباب اصطفوا أمام المدرعات بلا تردد قدموا أنفسهم فداءً للوطن والعرض والمواطن بعضهم ترك أسرته وسط ألسنة النار وبعضهم ترك أهله في طرق النزوح وآخرون عادوا من المنافي البعيدة تاركين خلفهم حياة مستقرة ووظائف مغرية لأن نداء الوطن كان أعلى من كل شيء وكان أصدق من كل حسابات الربح والخسارة

كانت لحظات فاصلة بين من يرى الوطن قضية حياة أو موت ومن يراه مجرد ورقة تفاوض أو منصة خطاب وبين هؤلاء وأولئك تشكلت ملامح معركة الكرامة التي لن تُنسى

ومن بين تلك الوجوه ياتي عمر الفاروق أبو أنس الرجل الذي لم يكن يومًا بعيدًا عن معركة الوطن حتى وهو في المهجر لأكثر من عشرين عامًا رافقناه في معارك الإعلام عشرين عام ظل صوته حاضرًا بقلمه وكلمته في كل منصة يدافع عن الحقيقة ويفضح الشائعات ويواجه الحملات المنظمة التي استهدفت الوطن وجيشه ونسيجه الاجتماعي لم تغره الحياة المريحة ولا أبعدته المسافات بل كان جسده هناك وروحه هنا تنبض مع كل نبضة في قلب السودان وكأن الوطن يسكنه أينما كان

لم يكن حضوره مجرد كتابة عابرة بل كان التزامًا يوميًا وموقفًا لا يتغير كان يكتب حين يصمت الآخرون ويواجه حين يتردد البعض ويقف حين ينحني الكثيرون فكان القلم عنده سلاحًا لا يقل أثرًا عن البندقية وكانت الكلمة عنده موقفًا لا يُشترى ولا يُساوم عليه

وحين جاء النداء لم يتردد لم يكتف بالكلمة بل حمل السلاح واندفع إلى الميدان تاركًا كل شيء خلفه ثلاث سنوات من التنقل بين الاشتباكات والمعارك صوته يصدح في بحري والخرطوم وأمدرمان وأزقة المهندسين مكبرًا لا يعرف التعب ولا التراجع حتى كُتب النصر وهدأت المعارك وسكت هدير الرصاص لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء عنوانها الوفاء لما بعد النصر

وحينما أشفق عليه قيادته من إرهاق أعوام من المعارك ليأخذ قسطًا من الراحة ولكن كعادته عمر الفاروق لم يعرف التوقف ولم يقبل السكون فانتقل مباشرة إلى معركة أخرى لا تقل شرفًا ولا عطاء معركة الإسناد والدعم والعمل الإنساني أي شباب هؤلاء يقودون المعارك يحررون المدن ومنازل المواطنين ويعود المواطنون ثم يهرولون لإسناد المواطن في أكله وشربه والدواء والتعمير صورة تختصر معنى الإنسان حين يكون في أعلى درجات العطاء

فكان في الصفوف الأولى مرة أخرى لكن هذه المرة في ميدان الإسناد المدني يقود بفيلق البراء قوافل الغذاء والدواء نحو الجزيرة يجمع بين بندقية تحمي ويدٍ تمتد بالعطاء يجوب المدن المحررة يحمل الحياة كما حمل النصر يزرع الطمأنينة في القلوب كما زرع الأمان في الأرض وكأن رسالته لم تكن القتال فقط بل إعادة الحياة وإعادة الأمل في نفوس الناس

في تلك القوافل لم يكن مجرد قائد بل كان أخًا وسندًا ومصدر طمأنينة للناس كان يرى في كل طفل جائع مسؤولية وفي كل مريض أمانة وفي كل بيت مهدّم وعدًا بالإعمار فكان الحضور الإنساني امتدادًا طبيعيًا للموقف الوطني

وحين عاد القائد عاد معه مشهد آخر من الوفاء عمر الفاروق يسبق الجميع إلى مطار بورتسودان متحديًا الخطر مكبرًا مهللًا وكأنه يقول وراك رجال يزفون إليك بشائر النصر ويقدمون لك حصاد صبرهم وجهادهم صورة تختصر حكاية جيل كامل كتب تاريخه بيده ولم ينتظر من يكتبه له

وحينما دخل إلينا في مطار بورتسودان لاستقبال قائدهم المصباح جاء التهليل والعناق وكان لسان حاله يقول خلفك يا المصباح لم نتوارَ بل مضينا في مزيد من الانتصار قطع الفيافي والصحاري الخطرة حتى بورتسودان ليزف البشريات لقائد الشباب ويحكي له نشوة وحكاوي المعارك في غيابه حينها أدركت بأن للسودان شبابًا لن يتركوه يسقط ولن يتركوا الأعداء لينالوا من أرضنا وعرضنا ومواردنا وأن خلف هذا الوطن رجال إذا ناداه لبوا وإذا اشتد عليه ثبتوا

لكن المفارقة القاسية التي تجرح الوجدان أن هذا الرجل الذي أعطى كل هذا العطاء وقدم روحه ووقته وعمره للوطن يجد نفسه خلف القضبان هنا تتوقف الكلمات ويعلو الإحساس بالمرارة أي قلب يمكن أن يتحمل هذا المشهد وأي منطق يمكن أن يفسر أن من ضحى بكل شيء يصبح موضع مساءلة بهذه القسوة

أيكون من حمل السلاح دفاعًا عن الدولة أولى بالسجن ممن حملوه ضدها أيكون من ضحى بعمله وأسرته وراحته أقل استحقاقًا للإنصاف ممن عادوا من ميادين التمرد عبر أبواب العفو أسئلة موجعة تتردد في صدور الكثيرين ولا تجد إجابة تشفي وجع الحقيقة ولا تطفئ نار التساؤل

إن ما حدث لا يقف عند حدود شخص بل يمتد أثره ليصل إلى كل شاب في الميدان إلى كل من آمن أن التضحية طريق للكرامة وأن الوقوف مع الوطن شرف لا يُكافأ بالنسيان أو الجحود كيف يشعر المقاتل حين يرى رفيقه الذي شاركه الخطر يُقاد إلى السجن وكيف يمكن أن يستقيم ميزان العدالة في أعينهم وهم يرون هذا المشهد المؤلم

لم يزرف عمر الفاروق الدموع رهبة من السجن بل ألمًا من وقع القريب حين يتحول إلى جرح فالقسوة حين تأتي من الداخل تكون أعمق وأبقى وأشد وقعًا على النفس تلك الدموع لم تكن ضعفًا بل كانت شهادة صادقة على حجم الصدمة وصدق الانتماء

وهنا يقف القارئ أمام سؤال أكبر من شخص وأكبر من واقعة سؤال عن معنى العدالة حين تتقاطع مع التضحيات وعن قيمة الوفاء حين يُختبر في لحظة حرجة وعن مصير الحكايات التي تُكتب بالدم إن لم تجد من يصونها بالإنصاف

تبقى معركة الكرامة أكبر من كل التفاصيل تبقى شاهدًا على أن هذا الوطن لا يزال بخير ما دام فيه من يهبون له أرواحهم دون مقابل لكن يبقى العدل هو الاختبار الحقيقي الذي يكتمل به النصر وتستقيم به الحكاية ويطمئن به كل من ضحى بأن تضحياته لم تذهب سدى

ونسأل الله أن يفك أسر أبو أنس وأن يرد له حريته كما رد للوطن كرامته وأن يحفظ السودان وأهله وأن تبقى رايته مرفوعة بأبنائه الذين صدقوا العهد ولم يتراجعوا وأن يظل هذا الوطن قائمًا بأهله ما بقي فيهم هذا الصدق وهذا العطاء وأن يجد كل مخلص نصيبه من الإنصاف الذي يليق بما قدمه من تضحيات