![]()
لا يعتبر فيلم “نظرية المؤامرة” الأفضل في مسيرة نجميه: جوليا روبرتس وميل غيبسون، لكنه الأكثر شهرة في مجاله، وهو نظرية المؤامرة التي تزدهر في الأحداث الكبرى في العالم، وفي الولايات المتحدة تحديدًا في حالات محاولات الاغتيال التي شهدت تزايدًا مضطردًا منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مجدّدًا في يناير/ كانون الثاني 2025.
يروي الفيلم قصة سائق التاكسي جيري فليتشر، الذي يؤدي دوره غيبسون، وهو رجل تستحوذ “نظرية المؤامرة” على تفكيره إلى حدّ الهوس. يشتري الصحف يوميًا لتحليل الأخبار الواردة فيها، وكتابة ما يخلُص إليه منها وتوزيعه على خمسة أشخاص وحسب، يستبطن فيها ما يعتقد أنها مؤامرات تدبّرها أجهزة المخابرات الأميركية.
نظرية المؤامرة ما بين السينما والواقع
في رأي فليتشر، فإن ما يبدو عابرًا أو بلا أهمية قد يكون جزءًا من سياق أكبر، لا يكشف الحقيقة وإنما يخفيها. ومن خلال هذا المنطق يتنبأ فليتشر بأحداث قد تقع، من بينها تخطيط أجهزة الاستخبارات الأميركية لاغتيال الرئيس الأميركي خلال زيارة يعتزم القيام بها إلى تركيا.
لكن، كيف يمكن اغتيال رئيس أميركي في تركيا؟
لا تعجز فليتشر حيلة في الرد. فالاغتيال، وفق نظريته، سيتم بسلاح سري مثبت على مكوك فضائي تتحكم به وكالة ناسا، ويمكنه إحداث زلازل في المناطق التي سيزورها الرئيس، بما يؤدي إلى اغتياله من دون أن يظهر الأمر كعملية اغتيال تقليدية.
هل نحن أمام خيال جامح؟
نعم، ولكن الفيلم يقوم أساسًا على الخيال المشوّش لشخص مضطرب، يسعى طيلة الوقت للتغلب على تشوّشه بإنتاج سياقات “منطقية” لا يمكن تقبّلها إلا إذا اقتنعنا بمقدماتها، وهي ألا شيء يحدث بالصدفة هنا، ولا شيء كما يبدو عليه أصلًا، وثمة ما يربط بين الأشياء التي قد يبدو ألا صلة لها ببعضها البعض للوهلة الأولى.
وهذا، تحديدًا، هو جوهر نظرية المؤامرة كما يعرضها الفيلم. والمفارقة أننا نكتشف داخل العمل نفسه أن جنون فليتشر ليس خيالًا كاملًا، وأن بعض ما يقوله يستند إلى وقائع مخفية. فالرئيس ينجو فعلًا من محاولة اغتيال بالزلازل، وتتكشف لاحقًا مؤامرات أخرى تتصل بماضي بطل الفيلم، الذي كان جزءًا من برنامج استخباراتي لإنتاج قتلة يمكن التحكم في عقولهم.
ما علاقة ترمب بفيلم “نظرية المؤامرة”؟
لم ينتظر ترمب طويلًا قبل أن يخرج إلى الإعلام، بعد محاولة استهدافه في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، ليقدّم روايته الأولية للحدث الذي صدم العالم وغذّى فور حدوثه نظرية المؤامرة بالمزيد من الوقود.
وصف ترمب المهاجم بأنه “ذئب منفرد“، “مختل عقليًا“، “مضطرب للغاية“، “يكره المسيحية“، وقال إن ما فعله لا علاقة له بالحرب على إيران.
الأسماء الثلاثية.. تفصيل صفير يغذّي الشكوك
إذا كان هذا شأن ترمب فإن وسائل إعلام أميركية سارعت للكشف عن هوية المهاجم، محدّدة اسمه من ثلاثة مقاطع وليس اثنين، وهو كول توماس آلن.
هنا يستعيد الفيلم حضوره على نحو لافت. ففي “نظرية المؤامرة” الذي أنتج عام 1997، لا يتردد جيري فليتشر في “تثقيف” ركاب سيارته بنظرياته الغريبة. يخبرهم أن القتلة المتسلسلين في الولايات المتحدة يُشار إليهم عادة بمقطعين فقط من أسمائهم، بينما يُعرّف منفذو الاغتيالات السياسية أو الكبرى بأسمائهم الثلاثية.
“هل لاحظتم ذلك؟”، يقول للركاب، ويذكر أمثلة لتأكيد ما يذهب إليه: جون ويلكس بوث، قاتل الرئيس أبراهام لينكولن عام 1865؛ لي هارفي أوزوالد، المتهم باغتيال الرئيس جون كنيدي عام 1963؛ ومارك ديفيد تشابمان، قاتل جون لينون عام 1980.
كلهم، في الذاكرة الأميركية، أسماء ثلاثية.
هل كانت محاولة لاغتيال ترمب؟
قد يجد أنصار نظرية المؤامرة في تعريف مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض باسمه الثلاثي مادة جديدة لتغذية شكوكهم. فالفيلم نفسه جعل من هذه التفاصيل الصغيرة علامة على شيء أكبر، ومن الاسم الكامل خيطًا في شبكة أوسع.
ويضاف إلى ذلك أن الصفات التي أطلقها ترمب على المهاجم بدت، في نظر بعض المراقبين، غير منسجمة تمامًا مع ما نُشر عن خلفيته. فقد قُدّم كول توماس آلن، بعد الحادث، بوصفه مهندسًا ميكانيكيًا وحائزًا شهادة ماجستير في علوم الحاسوب، ونقلت وسائل إعلام عن أحد زملائه السابقين في مدرسة باسيفيك لوثران في لوس أنجلوس قوله إنه كان “عبقريًا بالفطرة” و”متزنًا للغاية“.
ووفق المعلومات المنشورة عنه، فقد مُنح أيضًا لقب “مدرّس الشهر” في ديسمبر/كانون الأول 2024 من أكاديمية “سي 2 إديوكيشن” المتخصصة في إعداد الطلبة للاختبارات، ما يعني أنه يخالف صورته التي أراد بها ترمب شيطنته إذا صح الوصف.
وهذا ما يُعزّز في المناسبة من التفكير المؤامرتي إزاء ما فعله ولا ينتقص منه، عبر كشف الفجوة بين الصورة الرسمية السريعة للمهاجم بوصفه مضطربًا ومنعزلًا، والصورة الاجتماعية التي رسمها بعض من عرفوه.
هذه الفجوة هي المكان المثالي الذي تنمو فيه نظرية المؤامرة: حين لا تكفي الرواية الأولى لاحتواء الحدث، وحين تبدو الشخصية أكثر تعقيدًا من التصنيف السريع الذي يُقدَّم لها.
من اغتيال كنيدي إلى هجمات سبتمبر
لا يُعتقد أن نظرية المؤامرة حديثة. جذورها قديمة لكنها لم تتبلور كمفهوم يُناقش أو يُعتمد شعبيًا وفي العلوم السياسية والاجتماعية إلا خلال القرن العشرين، وخصوصًا في مقاربة الأحداث الكبرى: الصعود إلى سطح القمر، اغتيال الرئيس جون كنيدي، هجمات سبتمبر/أيلول، وصولًا إلى محاولات استهداف ترمب نفسه.
في الواقع، ورد مفهوم “نظرية المؤامرة” لأول مرة في مقالة اقتصادية عام 1920، ثم ازداد تداوله بعد اغتيال كنيدي، حين بدا أن الرواية الرسمية لا تكفي قطاعات واسعة من الأميركيين لتفسير حدث صادم بهذا الحجم.
ما الذي تقوله نظرية المؤامرة عن العالم؟
تقوم نظرية المؤامرة على تفسير الأحداث الكبرى بوصفها نتاج خطط سرية تحيكها جهات قوية وخفية. وفي كتابه “ثقافة المؤامرة: رؤى نهاية العالم في أميركا المعاصرة”، يحدد أستاذ العلوم السياسية الأميركي مايكل باركون ثلاثة مبادئ رئيسية للتفكير المؤامرتي:
-
لا شيء يحدث بالصدفة.أي إن كل حدث كبير هو نتاج تخطيط متعمد.
-
لا شيء كما يبدو عليه.فلسطح الأحداث معنى ظاهر، وحقيقة خفية تتوارى خلفه.
-
كل شيء مرتبط ببعضه البعض.أي إن هناك روابط سرية بين أحداث وشخصيات وظواهر قد تبدو بلا صلة.
ويرى باركون أن نظرية المؤامرة تحولت إلى ثقافة منتشرة، يُلجأ إليها لتفسير ما يعجز التحليل المؤسسي البارد عن شرحه أو إقناع الناس به. فهي تمنح أصحابها إجابات شاملة لأحداث معقدة، وتوفر شعورًا زائفًا بالفهم والسيطرة.
أما الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر، فكان من أبرز معارضي هذا النمط من التفكير، وخصّص له جانبًا من كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه”.
أليس في بلاد العجائب
في حالة فليتشر في فيلم “نظرية المؤامرة”، يبدو السيناريو مُحكمًا، فثمة روايتان إحداهما روايته هو، ورواية أخرى مضمرة، هي منطق الأمور الذي يُناقض مروياته، وما بينهما ثمة حقيقة مخفية تتكشّف رغمًا عن لا معقوليتها.
فالسائق مهووس بمحققة في وزارة العدل، تُدعى أليس، ما يحيل إلى الرواية المعروفة “أليس في بلاد العجائب” التي كتبها عام 1865 البريطاني لويس كارول، وتدور حول أليس، الفتاة الصغيرة التي تسقط في حفرة لأحد الأرانب، وإذ يحدث معها هذا تبدأ باكتشاف عالم سحري، وتتعرف إلى مخلوقات غريبة لا يحكمها منطق الأمور وقوانين الطبيعة في “العالم على السطح”.
عمليًا، فإن السائق فليتشر (غيبسون) هو الأرنب الذي يقود أليس (روبرتس) إلى العالم السري، الذي تكتشف فيه أن ما تظنه قانونًا ليس أكثر من خدعة، وأن علاقات القوة والنفوذ في مجتمعها محكومة بأخرى، سرية، تخالف المنطق والقوانين، وأن فليتشر مصيب في نهاية المطاف.
يتّضح أنّ فليتشر عميل سابق خضع للتدريب في برنامج سري للمخابرات الأميركية لإعداد مجموعة من القتلة، وبتجميد البرنامج يظل جزء أساسي من عقل فليتشر عاملًا وفق آليات ذلك البرنامج، ما يجعله مشوّشًا ومضطربًا، ويخلط الحقيقة الظاهرة بما يُظن أنه مجرد خيال.
لقد بُرمج ليقتل والدها القاضي الذي يتم اغتياله فعلًا لكن على يديّ شخص آخر غيره، ذلك أن فليتشر يصبح مهووسًا بابنة القاضي فور رؤيته لصورتها، فيعدل عن اغتيال الأب، ويظل يدور حول أليس بعد ذلك “لحمايتها” محكومًا ربما بعقدة الذنب.
“الحارس في حقل الشوفان”.. كتاب الغضب والوحدة
تكتشف أليس أن كل ما كان يقوله فليتشر صحيح، وأن المخابرات الأميركية تسعى لاغتياله فعلًا للحفاظ على سرية برنامجها للاغتيال الذي جمّدته.
كما تكتشف أن الصلة الوحيدة التي كانت تجعله قادرًا على التماسك خلال تنقله بين العالم كما نعرفه والعالم على حقيقته هو كتاب “الحارس في حقل الشوفان”، تمامًا مثل صورتها التي نقلته من عالم القتل إلى محاولاته التي لا تتوقف لكشفه على الملأ.
أما لماذا “الحارس في حقل الشوفان”؟ فلأنه كتاب عن الغضب والوحدة واليأس.
وهو رواية للكاتب الأميركي جيروم ديفيد سالينجر، ترجمها إلى العربية الروائي الأردني المعروف غالب هلسا، وتتناول قصة مراهق يشعر باللا جدوى، ويبحث عن حقيقته ويهرب منها في آن.
بهذا المعنى، يصبح الكتاب مرآة رمزية لفليتشر نفسه، ودعوة إلى أليس كي تبحث عن حقيقة العالم المحيط بها، لا عن الصورة التي يُراد لها أن تراها فقط.
“سائق التاكسي”.. قاتل بهواجس رسولية
إذا كان فليتشر سائقًا للتاكسي خلُص إلى أن ثمة مؤامرة تستهدف الرئيس الأميركي من ضمن أهداف أخرى، فثمة سائق تاكسي آخر سعى إلى اغتيال مرشح للرئاسة.
عام 1976، أخرج مارتن سكورسيزي فيلمه “سائق التاكسي”، من بطولة روبرت دي نيرو وجودي فوستر. ولا يزال الفيلم إلى اليوم واحدًا من أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما الأميركية، ويدين سكورسيزي له في شهرته وصعوده إلى مرتبة كبار مخرجي هوليوود عبر تاريخها.
يدور الفيلم حول ترافيس بيكل، الجندي السابق في البحرية الأميركية خلال الحرب على فيتنام، الذي يعاني من الوحدة واضطراب الشخصية.
لا يؤمن ترافيس بنظرية المؤامرة بل بضرورة القيام بدور رسولي في مدينة نيويورك القذرة التي تمتلئ بالفساد والدعارة.
يتنقل ترافيس خلال الفيلم بين عالمين، واقعي يرفضه ولا ينسجم معه، وآخر متخيّل يقوم على العزلة والشعور بضرورة تنظيف المدينة من قذاراتها، وفيه يتحدث مع نفسه ويتخيّلها بل ويتدرب على إطلاق الرصاص.
في العالم الواقعي يتعرف إلى بيتسي (سيبيل شبرد) المتطوّعة في الحملة الانتخابية الرئاسية لسيناتور أميركي يدعى تشارلز بالاتين، فيراها ملاكًا، ولاحقًا إلى إيريس (جودي فوستر)، العاهرة الصغيرة التي يرى أن عليه إنقاذها من وحل حياتها.
كلتاهما كانتا الأبيض والأسود اللذين يتحرك بينهما، في واحد من أكبر أدوار دي نيرو وأكثرها تركيبًا وتعقيدًا، وكان عليه أن يحسم تردّده بين هذين العالمين، وهو ما كان.
في السوبر ماركت يتابع ترافيس عملية سطو فيطلق النار على المهاجم، وذلك بعد أن يصادف العاهرة الصغيرة “إيريس” لأول مرة. تركب في سيارته مع “ربّ عملها”، ثم تحاول الهروب من الأخير.
يشعر ترافيس بالإهانة، ويتبلور لديه إذ ذاك الدافع للقيام بمهمته الرسولية وتنظيف المدينة من قذاراتها.
يقص ترافيس شعره على طريقة قبيلة “الموهوك” الهندية، ويذهب إلى التجمع الانتخابي للسيناتور “بالاتين” لاغتياله، لكنه يفشل فيهرب إلى بيت الدعارة الذي تعمل فيه إيريس، وهناك يقتل العاملين قبل أن يُصاب بالرصاص.
واللافت هنا أن سائق التاكسي ترافيس يهاجم الفسادين معًا، السياسي والأخلاقي، كأنهما هدف واحد، وأنه إذ يفلح في التخلص من أدوات الفساد الأخلاقي، ويحرّر إيريس منه، يفشل في التخلص من الفساد السياسي الذي يبدو متجذرًا أكثر مما كان يظن.
محاولة اغتيال ريغان.. حين خرج الفيلم إلى الواقع
للوهلة الأولى يبدو ألا علاقة للفيلم بفيلم “نظرية المؤامرة”، وبالتالي لا علاقة له بهجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، لكن معرفة دوافع منفذ الهجوم الفاشل “كول توماس آلن” تبدو متطابقة مع دوافع ترافيس في “سائق التاكسي”.
أرسل آلن بيانًا إلى عائلته قبل محاولته تنفيذ الهجوم، قال فيه بحسب صحيفة نيويورك بوست إنه يهدف لقتل أعضاء إدارة ترمب “المجرمين”، لأسباب منها الحروب التي شنتها هذه الإدارة، والفساد الأخلاقي المتمثّل في فضيحة إبستين.
أما أهداف ترافيس في “سائق التاكسي” فليست بعيدة عن هذا. إنه يريد تنظيف نيويورك من قذاراتها وفسادها الأخلاقي والسياسي.
مساء الثلاثين من مارس/آذار 1981 كان الرئيس الأميركي رونالد ريغان يخرج من فندق هيلتون الذي وقعت فيه بالمناسبة حادثة الهجوم الفاشل على حفل مراسلي البيت الأبيض، عندما قام جون هينكلي جونيور بإطلاق الرصاص عليه، لكن ريغان نجا رغم إصابته.
هينكلي المهووس بجودي فوستر
لم يكن هينكلي سائق تاكسي مثل فليتشر بطل “نظرية المؤامرة” وترافيس بطل “سائق التاكسي”، لكنه سعى للتطابق مع ترافيس، إلى حد قيامه بقص شعره على طريقة قبيلة الموهوك.
أصبح هينكلي (مواليد 1955) مهووسًا بالممثلة الشهيرة جودي فوستر، بعد بطولتها فيلم “سائق التاكسي” إلى درجة أنه شاهد الفيلم أكثر من خمسة عشرة مرة في دور السينما، وحاول مرارًا التواصل معها.
وعندما التحقت الممثلة الشابة آنذاك بجامعة ييل، انتقل للعيش في منطقة قريبة من جامعتها، وبدأ يكتب لها القصائد والرسائل ويضعها قرب باب مقر سكنها، ثم التحق بدورة للكتابة كانت قد سجّلت لدراستها في الجامعة عام 1980.
لكن فوستر لم تلتفت إليه، فبدأ يخطط لتنفيذ عمليات انتحارية ودموية للفت انتباهها، منها اختطاف طائرة أو حتى الانتحار أمامها.
فعل ما هو أكثر إذتقمص شخصية ترافيس في الفيلم، وقص شعره على طريقة قبيلة الموهوك، وبدأ بمطاردة الرئيس الراحل جيمي كارتر لاغتياله فألقي عليه القبض لحيازته سلاحًا غير مرخّص، قبل أن يحوّل انتباهه إلى الرئيس المنتخب حديثًا بعد ذلك، رونالد ريغان، وينجح بالفعل بالوصول إليه في أثناء خروجه وعقيلته نانسي من فندق هيلتون ويطلق عليه الرصاص.
كان هينكلي يعاني من اضطرابات نفسية، وعاش عزلة عميقة تشبه، في جوانب منها، عزلة ترافيس بيكل. ومثله، لم ينجح في محاولة الاغتيال. لكنه لم يكن يسعى إلى “إنقاذ” جودي فوستر كما تخيل ترافيس أنه ينقذ إيريس، وإنما إلى الاستحواذ على انتباهها عبر فعل صادم.
وخلال محاكمته، عرض محامو الدفاع فيلم “سائق التاكسي” على هيئة المحلفين ضمن مواد أخرى لإثبات عدم مسؤوليته الجنائية عن أفعاله. وفي النهاية، لم يُدَن هينكلي بسبب حالته النفسية، ما فتح في الولايات المتحدة نقاشًا طويلًا حول حدود المسؤولية، وتأثير الثقافة الشعبية، والعلاقة المعقدة بين الفن والهوس والعنف.
حين تسبق السينما الواقع
لا تقول السينما إن الاغتيالات السياسية تنتج من الأفلام، ولا ينبغي تحميل الفن مسؤولية مباشرة عن أفعال أفراد مضطربين. غير أن الأفلام الكبرى تملك قدرة خاصة على التقاط هواجس المجتمعات قبل أن تنفجر في الواقع.
“نظرية المؤامرة” التقط خوف الأميركيين من الدولة العميقة والأجهزة السرية والبرامج المخفية. و”سائق التاكسي” التقط عزلة الفرد الغاضب، الذي يرى نفسه مكلفًا بتطهير عالم لا يستطيع فهمه أو التعايش معه.
وبين جيري فليتشر وترافيس بيكل وجون هينكلي وكول توماس آلن، تتكرر صورة واحدة بأقنعة مختلفة: فرد معزول، يرى نفسه قادرًا على كشف الحقيقة أو تصحيح العالم، ثم يتحول من قارئ مضطرب للواقع إلى فاعل خطر داخله.
هنا تكمن قوة السينما وخطورتها في آن واحد. فهي لا تخلق دائمًا الهوس، لكنها تمنحه أحيانًا لغة وصورة وشخصية يمكن التماهي معها.
في زمن عودة العنف السياسي إلى الواجهة، تبدو هذه الأفلام أقل انتماءً إلى الماضي، وأكثر حضورًا في حاضر لا يزال يبحث عن تفسير لما يحدث، بين الواقع والخيال ونظرية المؤامرة.
.jpg)