من جاسوس إلى مرشح للكنيست.. قصة جوناثان بولارد الذي يدعو للتطهير العرقي

من جاسوس إلى مرشح للكنيست.. قصة جوناثان بولارد الذي يدعو للتطهير العرقي

Loading

بعد ثلاثة عقود قضاها خلف القضبان في الولايات المتحدة، يعود جوناثان بولارد إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة من بوابة السياسة، لا من إرث التجسس الذي طبع اسمه لعقود.

وسبق أن أُدِين الرجل بالتجسس لصالح إسرائيل، وأمضى 30 عامًا في السجون الأميركية قبل أن يستقبله رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لاحقًا في تل أبيب استقبال الأبطال.


جوناثان بولارد.. خطاب يميني متطرف


واليوم، يتجه بولارد نحو دخول الكنيست، متبنيًا خطابًا يمينيًا متطرفًا أثار جدلًا واسعًا داخل إسرائيل وخارجها.

وفي مقابلة مع برنامج “هتسينور” على “القناة 13” الإسرائيلية، أعلن قراره خوض العمل السياسي، معتبرًا أن هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023 شكّل نقطة تحول دفعته للإقدام على هذه الخطوة.

وقال بولارد إن “الحكومة والجيش خانا الدولة وتخلّيا عنها”، معربًا عن رغبته في توحيد معسكر اليمين وتقديم بديل للقيادة الحالية.

لكن ما أثار الانتباه أكثر كان وضوح مواقف الرجل المتشددة، إذ دعا صراحة إلى طرد الفلسطينيين من قطاع غزة، قائلًا إن الحل يتمثل في “إخراج جميع السكان بالقوة، وضم القطاع وإعادة توطينه من جانبنا”، في طرح يعكس توجهًا يقوم على التطهير العرقي.

ويخوض بولارد السباق الانتخابي إلى جانب نيسيم لوك، والد شاني لوك التي قُتلت خلال هجوم 7 أكتوبر، وفق ما أورده موقع “سروغيم” العبري.

وقد أثار إعلان ترشحه موجة واسعة من الانتقادات داخل إسرائيل، حيث وصفه متفاعلون على منصات التواصل الاجتماعي بأنه “شخص لا يمكن الوثوق به”، محذرين من أن دخوله الكنيست قد يسبب توترًا جديدًا في العلاقات مع الولايات المتحدة.

أما في واشنطن، فجاءت ردود الفعل أكثر حدّة، إذ أعاد منتقدون التأكيد على أنه “مدان بالخيانة”، متهمين إياه ببيع أسرار بلاده لإسرائيل، قبل أن يعود اليوم بخطاب يدعو إلى طرد الفلسطينيين من قطاع غزة.


بورلاند.. وقضية التجسّس


وأعاد هذا التصعيد في الخطاب إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية. فبولارد، المولود في الولايات المتحدة، كان يعمل موظفًا مدنيًا في استخبارات البحرية الأميركية، عندما سلّم معلومات سرية لإسرائيل خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بحسب حكم قضائي صدر في نيويورك.

ووفق تقييم أعده مدير الاستخبارات المركزية الأميركية في أكتوبر 1987، وجرى رفع السرية عن أجزاء منه لاحقًا، فإن نشاط الرجل وُصف بأنه “حملة تجسس قصيرة لكنها مكثفة”.


نفذ جوناثان بولارد في الولايات المتحدة “حملة تجسس قصيرة لكنها مكثفة” – غيتي/ أرشيفية 

وبحسب التقرير، تلقّى بولارد توجيهات مباشرة من مُشغّليه الإسرائيليين، وسافر إلى باريس حيث التقى مسؤولين بارزين، بينهم رافائيل إيتان وجوزيف ياغور، وجرى الاتفاق معه على راتب شهري مقابل عمله.

وبعد عودته، دخل مرحلة أكثر كثافة في نشاطه، إذ بدأ بتسليم كميات كبيرة من الوثائق السرية بشكل دوري إلى جهة مرتبطة بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن.

وأشار بولارد لاحقًا إلى أن إحدى أولى عمليات التسليم، وربما أكبرها، شملت حقائب عدة مليئة بالوثائق الحساسة، قبل أن يُرفع أجره تقديرًا لما وصف بـ”إنتاجيته”.

وشملت المعلومات التي نقلها بيانات عن البرامج النووية في دول عربية وباكستان، إلى جانب معلومات عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والقدرات العسكرية السوفيتية، وانتشار القوات العربية.

وانكشفت القضية عندما أثار سلوك بولارد شكوك مسؤوليه، بعد تعامله مع مواد لا تدخل ضمن نطاق عمله.

وأدّى ذلك إلى خضوعه للتحقيق على يد مكتب التحقيقات الفيدرالي وجهاز التحقيقات البحرية، قبل أن يحاول الاحتماء بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن، لكن محاولته فشلت، ليُقرّ بعد ذلك بالذنب في إطار اتفاق لتخفيف الحكم، غير أن المحكمة قضت بسجنه المؤبد في مارس/ آذار 1987.


من السجن إلى السياسة


بعد سنوات طويلة قضاها خلف القضبان، أُفرج عن بولارد في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، حيث منحته لجنة الإفراج المشروط إطلاق سراح مشروطًا، مع قيود صارمة شملت المراقبة الإلكترونية وحظر التجول ومتابعة استخدامه للإنترنت.


يصف جوناثان بولارد تصريحات نتنياهو بشأن الحرب بأنها “كذبة محسوبة وباردة” – غيتي/ أرشيفية 

وفي ذلك الوقت، أكد نائب مستشار الأمن القومي بن رودس أن الإدارة الأميركية لا تنوي تعديل شروط الإفراج أو السماح له بالسفر إلى إسرائيل، رغم طلبات متكررة من نتنياهو، مشيرًا إلى أن القضية تُدار ضمن الأُطر القانونية.

لكن هذه القيود لم تستمر، إذ رُفعت بعد سنوات خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب، ما أتاح له مغادرة الولايات المتحدة.

وفي نهاية 2020، وصل جوناثان بولارد إلى إسرائيل، حيث استقبله نتنياهو شخصيًا على سلم الطائرة، في مشهد حمل دلالات سياسية واضحة، ومنحه بطاقة الهوية الإسرائيلية.

واليوم، تبدو العلاقة بين الرجلين مختلفة ولم تعد كما كانت. ففي مقابلته الأخيرة، لم يتردد بولارد في توجيه انتقادات حادة لنتنياهو، واصفًا تصريحاته بشأن الحرب بأنها “كذبة محسوبة وباردة”.

كما وجّه انتقادات لرئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، محمّلًا إياه مسؤولية مباشرة عن أحداث السابع من أكتوبر، بسبب قرارات تتعلق بالسماح بدخول عُمّال من غزة إلى داخل إسرائيل، معتبرًا أن تحميل نتنياهو المسؤولية دون الإقرار بدور بينيت “أمر غير مقبول”.