![]()
#الرئيس_أو_الطوفان!
عزمي عبد الرازق
تُحاول إطلالات رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، المتكررة مؤخراً أن تكتب “بطاقة تعريف” جديدة للرجل؛ فهو تارةً يقتحم فسحات الكرة في الأحياء، وتارةً يتجول في الشوارع العامة والمنابر الشعبية، يلتقط مع المارة الصور، أو يقود سيارة على متنها بعض طلاب المدارس، ما يثير عاصفة من الجدل.
هذا “النزول” المفاجئ يوحي بأن الأمر “ممنهج” ومقصود، والهدف منه ركوب موجات “الترند” في محاولة لاستمالة العاطفة العامة، وهو مشهد يبعث على الحيرة، ويعني أن الدائرة الاستشارية التي تصنع هذه التفاصيل لا تتمتع بخيال سياسي، ووعي خلاق يقرأ الواقع ويستخلص العبر، ما يمهد لوقوع القائد العام ضحية لـ “محاولات ساذجة” تخصم من رصيده ولا تضيف إليه.
الحقيقة أن البرهان لا يحتاج إلى “صناعة” شعبية جديدة، فهو “بطل” في نظر الآلاف المؤلفة، لكونه نجح في قيادة الجيش لكسر أكبر مخطط استهدف اختطاف البلاد ونهب مواردها. كان شجاعاً وثابتاً في اللحظات الحرجة، وهي صفات كفيلة بأن تضعه في منزلة رفيعة عند السودانيين، الذين يتغاضون –لأجل ذلك– عن إخفاقات سياسية كبرى يُسأل عنها هو مباشرة.
إن كانت ثمة حاجة لـ “خارطة طريق”، فهي تبدأ أولاً بتحمل المسؤولية الكاملة، وإعادة ترتيب الفوضى الضاربة من حوله. وهو أمر لن يستقيم طالما بقي البرهان “منزوع الصلاحية” فعلياً، وقراراته موزعة بين استحقاقات “اتفاقية جوبا” التي أكل عليها الدهر وشرب، وبين حكومة تسيير ضعيفة وعاجزة، ومجلس سيادة تتقاطع فيه إرادات الجنرالات وبعض الشخصيات، بصورة تعطل مؤسسات الدولة المهترئة أصلاً.
على الفريق البرهان أن يتخلص من هذه “السيولة”، ويمسك بزمام المبادرة تماماً، عليه أن يعلن نفسه “رئيساً للبلاد” لتوحيد مراكز القرار، وهو عين ما تطلبه القوى الإقليمية والدولية (مصر، الخليج، روسيا، والصين)؛ فهم يبحثون عن رجل واحد قوي مسؤول يتعاملون معه، بعيداً عن ضبابية التحرك ما بين أزقة “الشرعية الثورية” أو ” الشرعية الانتقالية” التي استمرت لسبع سنوات عجاف، وتسببت في اشتعال الحرب ولا تزال.
يمكن للبرهان هنا أن يستلهم تجربة الجنرال الفرنسي “شارل ديغول”، الذي جعل من الاستفتاءات الشعبية أداة لترسيخ شرعيته وتغيير النظام الدستوري، متجاوزاً البرلمان للوصول المباشر إلى الشعب، مما خلق علاقة قائمة على “الثقة الشخصية”. ديغول أنقذ شرف فرنسا وهو “عميد” بلا جيش، والفريق البرهان يقود الآن معركة الوجود في ظروف مشابهة تقريباً.
أمام البرهان خياران: إما اللجوء للاستفتاء، أو العودة لـ “دستور 2005” الذي سبق أن أشار إليه الفريق ياسر العطا؛ وهو دستور شاركت في صناعته معظم القوى السياسية، بما فيها الحزب الشيوعي، واعتمده برلمان منتخب، بخلاف “الوثيقة الدستورية” التي ولدت مشوهة، بنسخ سرية، وخرجت عنها بعض أطرافها، قوى الحرية والتغيير، والدعم السريع المتمرد.
لقد آن الأوان لإلغاء “مجلس السيادة” الحالي، فهو يكرس لوضعية شائهة استطالت أكثر مما يجب. كما أنه تاريخياً، لم تدم مجالس السيادة الانتقالية في السودان طويلاً، فمجلس ثورة أكتوبر 1964 استمر 6 أشهر ونصف فقط، والمجلس العسكري بقيادة سوار الذهب، الذي أطاح نظام جعفر نميري 1985، سلم السلطة خلال عام واحد لحكومة “منتخبة” – نشدد على كلمة منتخبة حتى لا يظن دعاة “شكراً حمدوك” أننا نعنيهم.
نحن بحاجة لعصف ذهني شجاع، هل ننتظر نهاية الحرب أم أن الوضع الراهن هو ما يطيل أمدها؟ الآن، ومع استعادة العاصمة وسيطرة الجيش على ثلثي الأراضي السودانية، تبدو الفرصة مواتية لقطع الطريق أمام المتربصين الذين يريدون العودة عبر “البندقية”، والذهاب إلى إرادة الشعب حقيقة لا مجازا، إذ أن الجلوس على كرسي في “أرض زلقة” لن يمنحك الاستقرار، ولن يخولك اتخاذ قرارات جريئة، فالخيارات أمامك، إما أن تصبح رئيساً تتحمل كامل المسؤولية، أو تترك الدفة لمن يمتلك الجرأة لقيادة هذه السفينة إلى بر الأمان.،