![]()
ما هو معروف عن لبنان أنّ نظامه ديمقراطي برلماني، فيما ارتبط تاريخه الحديث بحروب واضطرابات ساهمت في إضعاف سيطرة الدولة على أراضيها، وجعلت القوى العسكرية الشرعية الحلقة الأضعف خلال حقبات سوداء، ولا سيما مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
لكن قبل ذلك التاريخ، عرف لبنان “قبضة أمنية” تركت أثرًا عميقًا في الحياة العامة، وخصوصًا الحياة السياسية. وكان الجهاز الذي أرسى تلك القبضة هو الجيش اللبناني، من خلال ما عُرف باسم “المكتب الثاني” أو “الشعبة الثانية”.
ما هو “المكتب الثاني”؟
لم يكن “المكتب الثاني” جهازًا عاديًا في ذاكرة اللبنانيين…
فقد بقي اسمه حاضرًا حتى اليوم، بوصفه عنوانًا لمرحلة تداخل فيها الأمني بالسياسي، وتحوّل فيها جهاز استخباري داخل الجيش إلى قوة نافذة في الدولة، قادرة على التأثير في الانتخابات، ومراقبة الأحزاب، وصناعة النفوذ، والتدخل في مسارات الحكم.
وتعزّزت هذه الصورة خصوصًا بعد محاولة الانقلاب التي نفّذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ضد حكم الرئيس فؤاد شهاب في نهاية عام 1961. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد “المكتب الثاني” مجرد جهاز يجمع المعلومات ويحللها، إنما صار، في نظر كثيرين، سلطة أمنية واسعة الحضور، تراقب الداخل اللبناني بعين لا تنام، وتتعامل مع السياسة بوصفها جزءًا من الأمن.
فما قصة “المكتب الثاني” في لبنان؟من أين جاءت تسميته؟ وكيف انتقل من بدايات تقليدية داخل الجيش إلى جهاز وُصف بأنه “حاكم في الظل”؟
من الاستخبارات الفرنسية إلى الجيش اللبناني
يعود تأسيس المكتب الثاني إلى عام 1945، وقد عُرف أيضًا باسم “الشعبة الثانية” منذ ذلك الحين، إلى أن اعتُمدت تسمية جديدة عام 1979 هي “مديرية المخابرات في الجيش”.
أما تسمية “المكتب الثاني” فمأخوذة من التسمية الفرنسية لجهاز الاستخبارات في قيادة أركان الجيش الفرنسي، المعروف بـ”Deuxième Bureau”، أي “المكتب الثاني”، وكان يتولى جمع المعلومات وأعمال الاستعلام والتجسس.
وتشير كتب تاريخية إلى أنّ الوجود الاستخباراتي الفرنسي في لبنان يعود إلى عام 1860، في خضم الحرب التي اندلعت بين الموارنة والدروز. حينها، تدخلت فرنسا عبر الجنرال دوبول لوقف الحرب، ورافقته شبكة استخباراتية سرية عملت على جمع المعلومات ورصد المتعاملين مع السلطنة العثمانية التي كانت تحكم لبنان في ذلك الوقت.
ومنذ تلك المرحلة، أسست فرنسا خلايا استخباراتية في لبنان، وتعزّز هذا الدور بعد بدء الانتداب الفرنسي عقب نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918. وقد وصل الجنرال الفرنسي هنري غورو، الذي تولّى الحكم الفرنسي في لبنان، مصطحبًا رجال استخبارات فرنسيين، من أبرزهم الكولونيل ريشار، الذي استعان بعملاء لبنانيين.
وبعد تولي الجنرال مكسيم ويغان مهامه خلفًا لغورو عام 1923، تسلّم الكولونيل رفاييل رئاسة الاستخبارات الفرنسية في لبنان، وأنشأ جهازين استخباريين لمهمة واحدة تقريبًا تخدم “المكتب الثاني” الفرنسي. كان الجهاز الأول يتعاون مع السياسيين والشخصيات الدينية والاجتماعية، فيما تعامل الثاني مع “قبضايات الأحياء” والمواطنين العاديين.
وفي عام 1928، ومع وصول الكومندان شارل ديغول إلى لبنان وسوريا، عُيّن رئيسًا لفرع المكتب الثاني الفرنسي في سوريا، وأعاد النظر في دور الاستخبارات العسكرية الفرنسية العاملة في البلدين، فحصره في نطاق الاستعلام وجمع المعلومات.
وكان للمكتب الثاني الفرنسي مقر رئيسي في منطقة بئر حسن في بيروت، أُخلي عام 1946 مع جلاء القوات الفرنسية نهائيًا عن لبنان، وفق ما يذكر كتاب “المكتب الثاني: حاكم في الظل”.
وفي لبنان، تأسس الجيش في أغسطس/ آب 1945، واعتمد تسمية “المكتب الثاني” لجهاز استخباراته، وبقيت هذه التسمية قائمة 34 عامًا، من عام 1945 حتى عام 1979.
ما هو “المكتب الثاني”؟
-
أصل التسمية: مأخوذ من التسمية الفرنسية Deuxième Bureau
-
الاسم اللاحق: مديرية المخابرات في الجيش
-
مرحلة الاسم القديم: 1945 – 1979
بدايات تقليدية لجهاز جديد
عام 1945، كان الجيش اللبناني بقيادة فؤاد شهاب، الذي عيّن النقيب إميل بستاني، المولود في جونية عام 1909، في منصب مستحدث لجهاز لم يكن موجودًا بعد بصورته اللبنانية: الاستخبارات العسكرية. وسُمّي هذا الجهاز بـ”المكتب الثاني”، وتولّى بستاني مهمة تنظيمه ووضعه موضع التنفيذ.
في بداياته، ارتبط دور المكتب الثاني بمبادئ تقليدية، شملت جمع المعلومات، ومقاطعتها، وتصنيفها، وتحليلها، وإرسالها إلى السلطات المختصة، بما يتيح للقيادة تكوين صورة واضحة عن الوضع الداخلي، إضافة إلى نيات أعداء لبنان وخططهم.
كما شملت مهامه مكافحة التجسس المعادي بالتجسس المضاد، ومكافحة الخطط التخريبية، وتهريب المخدرات والأسلحة، وفرض رقابة مشددة على أي أنشطة تخريبية داخلية، واستباق أعمال الشغب والتمرد والانقلابات والتظاهرات المعادية. كذلك، أوكل إليه الدفاع عن معنويات الجيش، ومراقبة المنشورات والشائعات والدعايات التي يمكن أن تؤثر سلبًا على العسكريين.
وكان مقر المكتب الثاني، عند تأسيسه، داخل مبنى وزارة الدفاع قرب المتحف الوطني في بيروت، في بناء قديم تركته السلطنة العثمانية عند جلاء قواتها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
في تلك المرحلة، كان دور الاستخبارات اللبنانية محدودًا وتقليديًا، لكنه شكّل مؤشرًا على قيام دولة مستقلة تمتلك جهازًا استخباريًا خاصًا بها، بعدما كانت الاستخبارات تُدار أساسًا عبر المكتب الثاني الفرنسي قبل الجلاء عام 1946.
ورغم محدودية الإمكانات، واظب إميل بستاني على تأسيس الجهاز بفعالية، فوزّع مخبرين في إدارات الدولة لرصد أي معلومات تمس بأمنها.
ومنذ عام 1945 حتى عام 1949، استمر بستاني في منصبه، إلى أن خلفه الملازم أول إلياس الحسواني في رئاسة الشعبة الثانية حتى عام 1952، حين أُبعد عن موقعه نتيجة “وشاية” ذات طابع إداري، قيل لاحقًا إنها كانت ملفقة.
وتفيد الرواية بأنّ الحسواني اتُّهم بتقاضي رشوة من متعهد لبيع اللحوم للجيش، غير أن فؤاد شهاب رفض الأخذ بالاتهام من دون أدلة. كما برزت رواية أخرى تفيد بأنّ الحسواني كان مسؤولًا عن تهريب يهود لبنانيين إلى فلسطين عبر وادي التيم – حرمون، عند الحدود اللبنانية – السورية، وأنّ السلطات السورية نقلت شكوى بهذا الخصوص إلى الجانب اللبناني.
وبعد سنوات، وأثناء رقود رئيس أركان الجيش توفيق سالم في المستشفى، زاره فؤاد شهاب مطمئنًا، فأبلغه سالم أنّ الوشاية بحق الحسواني لم تكن صحيحة، وأنها كانت ملفقة.
بقي الحسواني في الجيش ولم يُسرّح، رغم الأذى الذي لحق به نتيجة الوشايات، وقدّم استقالته أكثر من مرة، غير أن قائد الجيش رفضها. وفي عام 1952، وبعد تركه رئاسة المكتب الثاني، عُيّن قائدًا للسرية الثالثة في الفوج الثالث للقناصة في بيروت، قبل أن يترك الجيش عام 1953.
بعد الحسواني، تولّى الملازم أول موسى كنعان رئاسة المكتب الثاني في يناير/ كانون الثاني 1952، لكنه أُبعد لاحقًا عن هذا الموقع. وقد طُرحت أسباب عدة لإبعاده، منها اتهامه بالتردد في اتخاذ القرارات، إضافة إلى أقاويل أفادت بأنه كان يتقبّل أفكار الحزب السوري القومي الاجتماعي ويميل إليه.
كما وردت أسباب أخرى لإقصائه، أبرزها فشله في تنظيم الشعبة الثانية خلال الأسابيع الأولى من توليه المنصب. ولهذا، أُقيل بعد شهرين فقط من تسلمه مسؤولية المكتب الثاني، وتم اختيار أنطوان عرقتي خلفًا له، إلا أنّ الأخير لم يتسلم منصبه بعدما اعترض ضباط كبار في الجيش على تعيينه، ما أدى إلى إلغاء القرار.
ومن الأسباب التي أدت إلى إبعاد عرقتي أيضًا، سماحه بإقامة زياح عيد القديس مارون في ثكنة مرجعيون العسكرية جنوبي لبنان، ردًا على خطوة ارتبطت بقائد الثكنة، العقيد جميل الحسامي، الذي سمح للضباط والجنود المسلمين بالصلاة داخلها.
أنطون سعد.. الرجل الذي منح المكتب هيبته
بعد عرقتي، جرى اختيار النقيب أنطون سعد رئيسًا للمكتب الثاني في نهاية فبراير/ شباط 1952. ومنذ ذلك الحين، شهدت الشعبة الثانية انعطافة كبيرة، أرساها سعد بشخصيته ودوره، ما جعل هذا المكتب صاحب قبضة أمنية شديدة في لبنان، وفق ما يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني هشام جابر لموقع “التلفزيون العربي”.
بدأ انخراط سعد في الجيش عام 1930 من ثكنة عندقت في عكار شمالي لبنان، وتدرج في الرتب حتى بلغ رتبة عميد عام 1965. وبعد تخرجه في المدرسة الحربية في حمص، خدم في عدد من القطعات العسكرية، من فوج القناصة الأول إلى فوج الشرق الأول، ثم الفوج الثاني للقناصة، حيث شغل مناصب قيادية عدة قبل انتقاله إلى رئاسة المكتب الثاني.
واعتبارًا من مارس/ آذار 1952، عُيّن أنطون سعد رئيسًا للمكتب الثاني، وكان حينها برتبة نقيب، وبقي في منصبه مدة 12 عامًا، حتى انتهاء ولاية فؤاد شهاب في رئاسة الجمهورية. وكان مكتبه يقع في المبنى القديم لوزارة الدفاع قرب المتحف الوطني في بيروت.
في عهد أنطون سعد، تأسس فرع اللاجئين الفلسطينيين وإسرائيل ضمن الشعبة الثانية، وأُسندت مهمة إدارته إلى فرنسوا جينادري حتى عام 1960. وبشكل أساسي، تولى هذا الفرع جمع الأخبار والمعلومات عن الفلسطينيين المقيمين في المخيمات داخل لبنان، إضافة إلى مراقبة أنشطة التجسس لصالح إسرائيل.
في ذلك الوقت، لم تكن ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني قد بدأت في لبنان، غير أن الاهتمام بالوجود الفلسطيني كان قائمًا بشكل مكثف. وكان قائد الجيش فؤاد شهاب يطّلع على تقارير هذا الفرع عبر أنطون سعد، الذي نجح، من خلال المكتب الثاني، في تجنيد فلسطينيين للعمل لصالحه.
وكان بعض هؤلاء الفلسطينيين يتسللون إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما كان آخرون يترددون إليها دوريًا لبيع البيوت المهجورة والعقارات. وكان يُطلب منهم جمع معلومات من وجهاء فلسطينيين ونواب عرب حول الأوضاع الداخلية في إسرائيل، والجيش الإسرائيلي، ومراكز أنشطته العسكرية، إضافة إلى المنظمات اليهودية. وقد أتاح ذلك للمكتب الثاني الحصول على كمّ كبير من المعلومات من داخل إسرائيل.
ورغم حجم المعلومات التي كان يتلقاها، رأى المكتب الثاني ضرورة إخضاعها للتدقيق والتحقق، فوضع ضمن أولوياته تعيين مخبرين لبنانيين معنيين بالشأن الفلسطيني، انطلاقًا من الحرص على الاستقرار الداخلي.
وبعد استقالة الرئيس اللبناني بشارة الخوري، إثر أزمة سياسية مع معارضيه التزم الجيش خلالها الحياد، جرى في 23 سبتمبر/ أيلول 1952 انتخاب كميل شمعون رئيسًا للجمهورية خلفًا له. في تلك المرحلة، كان قرار المكتب الثاني محصورًا برئيسه بعد مراجعة قائد الجيش، وكان أنطون سعد هو من يبتّ بأمور المكتب، في ظل علاقة وثيقة جدًا جمعته بفؤاد شهاب.
ثورة 1958.. حين اختبر لبنان جيشه واستخباراته
كان كميل شمعون ثاني رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال، وقد تبنّى نهج الانحياز إلى المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، في مواجهة منظومة الدول الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي.
آنذاك، اتجه لبنان، إلى جانب الأردن والعراق والسعودية، نحو المعسكر الغربي، في حين انضمت مصر وسوريا إلى المعسكر الشرقي. وقد شكّلت هذه التوجهات السياسية سببًا مباشرًا في اندلاع اضطرابات عُرفت باسم “ثورة 1958” ضد حكم شمعون.
وفي عام 1955، أُنشئ ما عُرف بـ”حلف بغداد“، الذي ضم العراق وبريطانيا وباكستان وإيران، وكان يهدف إلى مواجهة التمدد الشيوعي في المنطقة، مع تعهّد الولايات المتحدة بدعم دوله. وقد أيّد شمعون هذا الحلف من دون أن ينضم لبنان رسميًا إليه، الأمر الذي أثار غضب معارضيه في الداخل اللبناني، وفي طليعتهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي آنذاك كمال جنبلاط.
في موازاة ذلك، كان النفوذ السياسي للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر يتصاعد في لبنان، وهو ما لم يكن موضع ترحيب لدى المعسكر الغربي. وفي هذا السياق، رفض شمعون قطع العلاقات مع الدول الغربية التي هاجمت مصر خلال أزمة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، الأمر الذي زاد الاحتقان الداخلي، خصوصًا أنّ عبد الناصر كان يعتبر حلف بغداد تهديدًا مباشرًا للقومية العربية.
واستمرت الأزمة بين شمعون ومعارضيه، إلى أن أعلنت مصر وسوريا، في فبراير/ شباط 1958، قيام الجمهورية العربية المتحدة، وهي خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا من القوى المعارضة لشمعون في لبنان.
وإلى جانب العوامل الإقليمية، برزت أسباب داخلية لثورة 1958، أبرزها اتهام قوى المعارضة لحكم شمعون بتزوير الانتخابات النيابية التي جرت عام 1957، إضافة إلى استخدام المال الانتخابي والسياسي على نطاق واسع لإيصال نواب موالين له ولمعسكره الغربي إلى البرلمان. (5)
أما الشرارة الأولى لاندلاع اضطرابات عام 1958، فتمثلت في اغتيال نسيب المتني، مؤسس ورئيس تحرير جريدة “التلغراف” وعضو الحزب التقدمي الاشتراكي. وقد اغتيل المتني في بيروت بين ليلتي 7 و8 مايو/ أيار 1958، لتندلع على إثر ذلك ثورة شعبية وإضراب عام، أعقبه انتشار مسلحين في مناطق لبنانية عدة.
شكّلت هذه الأحداث مؤشرًا إلى مرحلة جديدة، كشفت عن ظهور السلاح علنًا في أيدي فئات شعبية، وبرزت مجموعات مسلحة انضوت تحت لواء المعارضة، معلنة الثورة ضد شمعون وضد القوى التي حملت السلاح إلى جانبه. في المقابل، ضمت القوات الحكومية الموالية للرئيس أنصاره، وقوى الأمن الداخلي، ومتطوعين من حزبي الكتائب والقوميين السوريين.
أما الجيش، بقيادة فؤاد شهاب، فقد التزم الحياد حيال ما يجري، انطلاقًا من قناعة مفادها أن المؤسسة العسكرية لا يجب أن تنخرط في الأزمات السياسية، وأن مهمتها الأساسية تنحصر في صد أي عدوان خارجي. وبناءً على ذلك، لم يتمكن شمعون من استخدام الجيش لقمع قوى المعارضة.
واستمرت الأحداث نحو ستة أشهر، شهدت صدامات دامية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، قبل أن تنتهي بالتدخل الأميركي الذي جاء بناءً على طلب الرئيس شمعون.
وفي يوليو/ تموز 1958، وصلت إلى لبنان قوات أميركية على دفعات، بلغ عددها أكثر من عشرة آلاف جندي من الجيش الأميركي وقوات المارينز. وترافق ذلك مع إلقاء مناشير تشرح أسباب الوجود العسكري الأميركي، مؤكدة أنه جاء بناءً على طلب الدولة اللبنانية، وأن الانسحاب سيتم فور استتباب الأمن وعودة الاستقرار.
وحملت العملية الأميركية اسم “الخفاش الأزرق”، فيما أوفدت واشنطن روبرت مورفي لإيجاد تسوية سلمية للأزمة، التي انتهت بعدم ترشح شمعون لولاية رئاسية جديدة، وبقائه في منصبه حتى نهاية ولايته الدستورية، ليُصار لاحقًا إلى انتخاب فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، ما أدى إلى انحسار الأزمة.
ويُشار إلى أن هذه العملية تُعد أول تطبيق عملي لمبدأ الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، الذي يجيز للولايات المتحدة التدخل في شؤون الدول المهددة بالمد الشيوعي، ولا سيما لبنان. وفي الأساس، جاء طلب شمعون للمساندة الأميركية انسجامًا مع تبنّيه لهذا المبدأ وتأييده للمعسكر الغربي.
وقبيل اندلاع الثورة، كان المكتب الثاني يشدد مراقبته للرعايا السوريين والمصريين الذين اشتُبه بضلوعهم في إضعاف عهد شمعون، احتجاجًا على سياسته الخارجية المناهضة لجمال عبد الناصر. وفعليًا، راهن شمعون على الجيش ليكون الركيزة الأساسية في المرحلة الأخيرة من عهده، غير أن فؤاد شهاب فضّل الالتزام بالحياد.
وعقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، شهد لبنان موجة تفجيرات متنقلة في مناطق عدة. ووفق ما يورد كتاب “المكتب الثاني: حاكم في الظل”، تبيّن لاحقًا لأنطون سعد أن الاستخبارات السورية والمصرية كانت تقف خلفها، عبر ضباط دخلوا إلى بيروت متخفّين بزي رجال دين، وأشرفوا على زرع العبوات الناسفة لإحداث بلبلة داخلية.
وفي تلك المرحلة، تمكن أنطون سعد من توقيف شخص كان ينقل كمية من المتفجرات في سيارته. وعند إبلاغ شمعون بالأمر، أصدر الأخير توجيهاته لسعد بجعل المكتب الثاني قوة أساسية في مواجهة الاستخبارات المصرية في لبنان.
عهد شهاب.. كيف تمدّد نفوذ المكتب؟
في عام 1959، أي بعد انتهاء عهد شمعون وتولي فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية، عمد أنطون سعد إلى توسيع ملاك جهاز الاستخبارات، فاستحدث فروعًا للشعبة الثانية في المحافظات اللبنانية الخمس، ومنحها صلاحيات واسعة مكّنتها من استقطاب السياسيين والوجهاء وفئات اجتماعية مختلفة، من خلال تقديم الخدمات والمساعدات ومنح رخص حمل السلاح، مع التشديد على أن مهمتها ليست سياسية.
وعلى هذا الأساس، جرى تعيين النقيب إميل كلاس رئيسًا لفرع المكتب الثاني في البقاع، والنقيب كمال عبد الملك في الجنوب، والمقدم أنيس أبو زكي في جبل لبنان، والملازم أول سامي الشيخة في الشمال. أما بيروت، فبقيت خاضعة مباشرة لإمرة رئيس المكتب الثاني، بمساعدة المعاون جوزيف كيلاني لفترة قصيرة، قبل استحداث فرع الأمن الداخلي الذي أُسندت مهامه إلى الملازم أول سامي الخطيب.
في هذا السياق، برز اسما الملازم أول غابي لحود والنقيب أحمد الحاج، اللذين شكّلا، إلى جانب أنطون سعد وسامي الخطيب، نواة النفوذ الأمني في العاصمة. وقد تحوّل سامي الخطيب إلى مرجعية كبرى في بيروت، مستقطبًا العائلات البيروتية، وامتلك كلمة مسموعة لدى رئيس الجمهورية، ونفوذًا واسعًا داخل إدارات الدولة.
وتعزّز نفوذ المكتب الثاني بشكل غير مسبوق، وفرض حضوره بقوة في الأوساط السياسية والشعبية. وكان لوجود فؤاد شهاب في رئاسة الجمهورية دور حاسم في ترسيخ هذه السطوة.
وبعد أشهر على انتخاب شهاب، لوحظت حالة غير اعتيادية داخل الجيش، تمثلت في اعتبار العامة لأي رتيب بمثابة “صاحب نفوذ” قادر على إيصال أي مطلب إلى العقيد أنطون سعد. كما بات الوجهاء المحليون يسعون إلى استرضاء قادة المناطق العسكرية ورؤساء فروع الشعبة الثانية.
ونشأ هذا الواقع من شعور عدد كبير من العسكريين بنشوة “الانتصار” مع وصول شهاب إلى الحكم. غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ بدأ بعض الضباط والرتباء بإصدار أوامر إلى موظفين في الإدارات العامة، والتدخل في شؤون القضاء، في محاولة لإظهار قدرتهم على تقديم الخدمات والوصول إلى مصادر النفوذ.
وعليه، انتقل الإحساس بالقوة إلى الضباط الكبار، وانخرط الجيش تدريجيًا في لعبة الاستقطاب السياسي الناتجة عن سطوته الجديدة، ما كشف خطر نشوء طبقة عسكرية موازية للطبقة السياسية.
إثر ذلك، تحرّك قادة المكتب الثاني، وتوجّه أنطون سعد إلى رئيس الجمهورية، واضعًا بين يديه تفاصيل هذه الظاهرة، علمًا أن شهاب كان مطّلعًا عليها مسبقًا عبر التقارير الأمنية.
وقد شكّل هذا التدخل المتزايد للجيش في الحياة السياسية دافعًا مباشرًا لشهاب لتقديم استقالته من رئاسة الجمهورية في 20 يوليو/ تموز 1960، ما أثار ضجة واسعة في الأوساط السياسية اللبنانية.
في تلك اللحظة، زار النقيب غابي لحود الرئيس شهاب في منزله في جونيه، حيث أكد الأخير أن تدخل الجيش في السياسة كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى اتخاذ قرار الاستقالة. وأدرك لحود جدية موقف الرئيس، واعتبر أن الاستقالة قد تكون الوسيلة المناسبة لمعالجة مشكلة انخراط الجيش في الشأن السياسي.
غير أن شهاب عاد وتراجع عن استقالته بعد ساعات، إثر اجتماع نحو 80 نائبًا وقّعوا عريضة طالبوه فيها بالعدول عن قراره، وحملوها إلى منزله في جونيه ضمن موكب ضم عشرات السيارات ومسيرات حاشدة.
انقلاب 1961.. لحظة القبضة الفولاذية
بعد استقالة فؤاد شهاب وتراجعه عنها، طُلب من أنطون سعد التنبه إلى وطأة التدخلات المتزايدة في شؤون الجيش، ولا سيما أن انخراط المؤسسة العسكرية في السياسة كان آخذًا في التصاعد.
غير أنّ حدثًا مفصليًا غيّر مسار الأمور، تمثّل بمحاولة الانقلاب التي نفّذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ضد حكم الرئيس شهاب. وقد وضع هذا الحدث “المكتب الثاني” أمام مرحلة جديدة، فُرضت فيها قبضة أمنية وعسكرية مشددة، لمنع تكرار أي محاولة انقلابية تهدد النظام والاستقرار.
وعقب الحدث الذي هزّ لبنان عام 1961، بات “المكتب الثاني” العنوان الأبرز لقبضة أمنية فولاذية جرى فرضها على البلاد، وتحول أنطون سعد إلى شخصية تثير الرعب في أوساط واسعة من اللبنانيين. في المقابل، نقم معارضو فؤاد شهاب على ممارسات المكتب الثاني، وتكاثرت العداوات تجاه الجيش والاستخبارات العسكرية، وارتفعت حدّة الانتقادات، ولا سيما بعد تداول أنباء عن تعرض قوميين لتعذيب قاس أثناء التحقيق معهم عقب محاولة الانقلاب.
ماذا كانت تستهدف خطة انقلاب 1961؟
-
اعتقال الرئيس فؤاد شهاب في منزله في جونيه.
-
اعتقال رئيس الحكومة رشيد كرامي ورئيس مجلس النواب صبري حمادة.
-
توقيف عدد من كبار الضباط المقربين من شهاب.
-
السيطرة على وزارة الدفاع.
-
قطع الاتصالات عبر احتلال وزارة البرق والبريد والهاتف.
-
احتلال الإذاعة اللبنانية لإعلان نجاح الانقلاب.
-
تحريك وحدات عسكرية من الجنوب نحو بيروت.
-
طلب دعم سياسي داخلي واعتراف خارجي بعد السيطرة على الحكم.
تفصيلًا، وقع الانقلاب الذي قاده الحزب السوري القومي الاجتماعي في منتصف ليل 30 ديسمبر/ كانون الأول 1961، وكان ثمرة افتراق حاد بين شهاب والحزب، خصوصًا بعدما تقرّب الرئيس من حزب الكتائب، فيما كان يعتبر أنّ الحزب السوري القومي لا يزال حليفًا لكميل شمعون. كذلك، أبعد شهاب الحزب عن أي دور سياسي في عهده، ولم يمنحه الرعاية التي حظيت بها أحزاب لبنانية أخرى.
وتصاعدت مشاعر العداء بين الطرفين، وتعززت أكثر عندما لمس الحزب أنّ سلطة شهاب ساهمت مرارًا في إسقاط مرشحيه خلال الانتخابات النيابية، ولا سيما انتخابات عام 1960. وفعليًا، نوقشت فكرة الانقلاب على مستويات قيادية عليا داخل الحزب، فيما شكّل انهيار الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في سبتمبر/ أيلول 1961 فرصة سانحة للإقدام على هذه الخطوة.
انبثقت فكرة الانقلاب بداية لدى القيادي القومي أسد الأشقر في منتصف عام 1961. ورغم أنه لم يكن حينها رئيسًا للحزب، فإن نفوذه داخله كان كبيرًا، وقد لقي طرحه اهتمامًا من عدد من القادة. في تلك المرحلة، كان عبد الله سعادة رئيسًا للحزب، ونجح في انتزاع موافقة القيادة على تنفيذ الانقلاب، رغم إبداء آخرين مخاوفهم وتشكيكهم في فرص نجاحه.
وسبق تلك الموافقة عقد اجتماعات عدة، كان أولها في أكتوبر/ تشرين الأول 1961، حين التقى عبد الله سعادة ضابطين لبنانيين مؤيدين للحزب، هما النقيب شوقي خير الله، آمر سرية في الفوج الأول للقناصة في ثكنة مرجعيون، والنقيب فؤاد عوض، قائد الكتيبة المصفحة المستقلة الثانية في ثكنة صور.
وقد جرى اللقاء داخل سيارة خير الله على الطريق العام لمدينة صيدا، حيث أبلغ الضابطان سعادة بوجود تذمر واسع في صفوف ضباط الجيش من سياسة شهاب، ما يتيح، بحسب رأيهما، إنجاح انقلاب عسكري بدعم جنود وآليات.
لاحقًا، توالت الاجتماعات بين سعادة وخير الله وعوض، وتبلورت خطة الانقلاب التي قضت باعتقال رئيس الجمهورية في منزله في جونيه على يد مسلحين قوميين، إضافة إلى اعتقال رئيس مجلس النواب صبري حمادة، ورئيس الحكومة رشيد كرامي، وعدد من كبار الضباط المقرّبين من شهاب، بينهم قائد الجيش اللواء عادل شهاب، ورئيس الأركان يوسف شميط، وقائد الدرك ميشال نوفل، وقائد المنطقة العسكرية لبيروت عبد القادر شهاب، ورئيس المكتب الثاني أنطون سعد، ومدير الأمن العام توفيق جلبوط، فضلًا عن ضباط آخرين.
كما هدفت الخطة إلى احتلال وزارة البرق والبريد والهاتف لقطع الاتصالات، والسيطرة على وزارة الدفاع، واحتلال الإذاعة اللبنانية لإعلان نجاح الانقلاب، ونشر مسلحين قوميين في عدد من المناطق لمواكبة التحرك العسكري، بالتزامن مع تحرك وحدات من الجنوب نحو بيروت، وعرقلة خروج المدرعات الموالية للرئيس، وصولًا إلى كسب دعم سياسي داخلي واعتراف خارجي بالانقلاب.
حُددت ساعة الصفر عند منتصف ليل السبت 30 ديسمبر/ كانون الأول 1961، عشية رأس السنة، على أن يتم احتلال وزارة الدفاع قرابة الساعة الثانية فجر 31 ديسمبر، إيذانًا بسقوط نظام شهاب. وجاء اختيار التوقيت استنادًا إلى كون عدد كبير من الضباط والعسكريين في إجازات، مع غياب أي حالة استنفار داخل الثكنات.
وخلال مساء السبت، أعلن النقيب فؤاد عوض استنفارًا عامًا في ثكنة صور، لتتحرك لاحقًا قافلة عسكرية ضخمة مؤلفة من 13 مصفحة و30 سيارة جيب و140 عسكريًا باتجاه بيروت. وفي الأثناء، بدأت خيوط الانقلاب تنكشف لدى المكتب الثاني، إثر معلومات نقلها مخبرون، ما دفع أنطون سعد إلى اتخاذ إجراءات احترازية شملت استنفار الجيش والاتصال بقيادة الحرس الجمهوري.
تطورت الأحداث سريعًا، وشهدت ساعات الليل اعتقالات لضباط كبار، وقطعًا للاتصالات، ومحاولات للسيطرة على مواقع حساسة، قبل أن يتمكن الجيش، بفضل تحركات مضادة واستنفار شامل، من إحباط الانقلاب وإنهائه صباح 31 ديسمبر.
عند الساعة السادسة والربع صباحًا، انتهت المحاولة الانقلابية واستسلمت مصفحات فؤاد عوض. أُخضع الجنود للتحقيق، ثم أُفرج عنهم لاحقًا بعد ثبوت عدم علمهم المسبق بالانقلاب. أما عوض، ففرّ قبل أن يُعتقل لاحقًا، فيما أُلقي القبض على شوقي خير الله في بيروت.
عقب الانقلاب، فرض المكتب الثاني قبضة أمنية مشددة، وازدادت تدخلاته في الحياة السياسية، ولا سيما في الانتخابات النيابية. وأفضت التحقيقات إلى تسجيل انتهاكات بحق الموقوفين، وسط سجال داخلي حول مسؤولية التقصير في عدم اكتشاف الانقلاب مسبقًا.
ومع الإقرار بوجود ثغرات أمنية، اتُخذت سلسلة إجراءات لمنع تكرار ما حصل، شملت تعزيز عديد الشرطة العسكرية، وإقامة حواجز دائمة، وتشديد الرقابة على تحركات الوحدات العسكرية، وتوسيع جهاز الشعبة الثانية، إضافة إلى تكثيف العمل الاستخباري داخل الأحزاب والنوادي السياسية، وتعزيز الشبكات الاجتماعية بوصفها مصدرًا أساسيًا للمعلومات.
سؤال بقي مفتوحًا
هل كان “المكتب الثاني” يحمي الدولة من الانقلابات والفوضى، أم أنه تجاوز وظيفته الأمنية وتحول إلى لاعب سياسي داخل النظام؟
أين تنتهي حماية الدولة؟
لم تكن محاولة انقلاب 1961 حادثًا أمنيًا عابرًا في تاريخ لبنان الحديث. فقد منحت “المكتب الثاني” فرصة الانتقال من جهاز استخباري يعمل في نطاق الجيش إلى سلطة أمنية واسعة الحضور، تراقب الأحزاب والسياسيين والإدارات والشارع، وتتعامل مع الاستقرار الداخلي بوصفه ملفًا أمنيًا مفتوحًا.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ السؤال الأكبر يرافق الحياة السياسية اللبنانية:
أين تنتهي حماية الدولة، وأين يبدأ حكم المخابرات؟
فالمكتب الذي بدأ بجمع المعلومات وتحليلها وجد نفسه، بعد الانقلاب، في قلب المعادلة السياسية. وبقدر ما رأى أنصاره أنه حمى النظام من الانهيار، رآه خصومه جهازًا خنق الحياة الديمقراطية، وتجاوز وظيفة الأمن إلى صناعة القرار والتأثير في السلطة.
ترقبوا في الجزء الثاني: من توقيف ياسر عرفات إلى قضية طائرة الميراج واتفاق القاهرة، كيف بدأ نفوذ “المكتب الثاني” يتراجع بعدما بلغ ذروته؟
المراجع:
