![]()

د. عمار حسن خميس
في حياتي لم أرَ أكثر من السودانيين يبصق في الإناء الذي يأكلون فيه… الجحود والنكران، وتفشي ظاهرة إنكار فضل الوطن، والسودان تحديدًا، أصبحت طبيعةً لن تجعل منك شخصًا مختلفًا، سواء كنت من أحقر أو أعز السودانيين. فأنت سوداني، ملامحك وتاريخك وتركيبتك ودمك وأصلك وفصلك، كلها تشهد بذلك.
هذا النكران والجحود والإساءة لا تخرجك من دائرة من تصفهم بالسوء. جلوسك في الخارج، أو حصولك على أوراق ثبوتية أخرى أو إقامة، لا يجعلك غير سوداني، ولا يبرّئك من الانتماء إليه.
أولًا، لا كرامة لإنسان دون وطن، ومن يسيء إلى أصله لا يُبكى عليه.
الذين تلقّوا تعليمهم في السودان وترعرعوا فيه، كثيرٌ منهم يسيئون إليه. لا أدري، أهو إحباط من قلة دورهم، أم هروب من مسؤولية أن لهم يدًا فيما يحدث؟
لا وجيعَ للسودان إلا من يكتوون بحاله الراهن.
إذا لم يكن لك دور، وأصبحت عاجزًا أو نرجسيًا كما يفعل الآخرون، فلتكن أقصى درجات نشاطك هي الصمت. وإن فتح الله لك، فادعُ للسودان فقط، ردًّا لجميلٍ في عنقك، فلولا هذا البلد، لما كنت أنت، ولا أسرتك، ولا خرج منك هذا الصوت وهذه الأوصاف الغريبة في حقه وحق أهله.
أولًا، نكران الجميل ليس صفة تُلصق إلا بالهائمين من الناس.
وعدم الإحساس بحال السودانيين الضعفاء، الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق، لا يليق. هؤلاء يستحقون على الأقل تعاطفك وحنينك. فإن كان لك مال، فأعنهم، وإن كانت لك دعوة، فاسأل الله لهم، وإن كنت عاجزًا، فتجنّب الإساءة لبلدك ولأبناء جلدتك، فأنت لن تكون غيرهم، مهما فتح الله لك من منصب، أو غيّرت أوراقك الثبوتية.
أنا لا أتحدث عن ما يدور في البلد، فذلك شأنٌ آخر، لكنه لا يمنحك الحق في الإساءة إلى الوطن ولا إلى أهله.
الانسلاخ من واقع لم نكن جزءًا من صناعته، ولا سببًا في حدوثه، لا يبرر الإساءة إلى الوطن وأبنائه.
فللوطن في أعناقنا حقٌّ ودَينٌ يجب أن يُرد.
أما إنكار فضل الوطن، ومحاولة تصوير نفسك على أنك لست من الآخرين، فهذا هراء، وإساءة لنفسك أولًا.
اتقوا حرمة الأوطان، واتقوا حرمة من يقبضون على جمر وطنهم، مهما أظلمت بهم الظروف.
اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.