إخلاء مقرات وإلغاء وظائف.. الأمم المتحدة في جنيف تواجه أزمة تمويل كبرى

إخلاء مقرات وإلغاء وظائف.. الأمم المتحدة في جنيف تواجه أزمة تمويل كبرى

Loading

تواجه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف واحدة من أكبر أزمات التمويل وإعادة الهيكلة في تاريخها الحديث، مع تقليص واسع للوظائف ونقل مكاتب وموظفين إلى دول أخرى، وسط تحذيرات من تراجع دور المدينة السويسرية كمركز للنظام الدولي متعدد الأطراف.

وكانت عصبة الأمم، التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى بهدف الحفاظ على السلام العالمي، قد غادرت قصر ولسون في جنيف عام 1937 مع دخولها مرحلة الانهيار، قبل أن ينتهي وجودها بالكامل مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

واليوم، تستعد الأمم المتحدة، التي خلفت عصبة الأمم بعد الحرب، لإخلاء المبنى نفسه خلال الصيف المقبل، في خطوة تعكس حجم الأزمة التي تضرب المؤسسات الدولية في جنيف، في ظل تراجع التمويل، وتخلي الولايات المتحدة تدريجيًا عن نهج التعددية.

إلغاء وظائف 

وأظهر مسح أجرته وكالة رويترز لعشرات الوكالات الدولية والسلطات المحلية أن أكثر من 3 آلاف وظيفة أُلغيت، أو نُقلت من جنيف إلى مواقع أقل تكلفة منذ عام 2025، بما يشمل نحو خُمس وظائف الأمم المتحدة في المدينة.

وفي هذا السياق، قررت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مغادرة قصر ولسون والانتقال إلى جناح داخل مقر الأمم المتحدة في قصر الأمم القريب، مبررة القرار بما وصفته بـ”الأزمة المالية”. كما أخلت منظمة العمل الدولية طابقين من أصل 11 طابقًا في مقرها بجنيف خلال الفترة الأخيرة.

وفي خطوة مشابهة، تعتزم منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” نقل نحو 70% من موظفيها البالغ عددهم 400 موظف خارج جنيف.

وتواجه بعض الوكالات الدولية خطر الإغلاق الكامل، من بينها برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.

وفي المقابل، بدأت وكالات أخرى بتقليص حجم عملياتها، إذ خفضت المنظمة الدولية للهجرة عدد موظفيها في جنيف من ألف موظف إلى نحو 600 فقط، ونقلت موظفين إلى مدن أخرى بينها سالونيك في اليونان ونيروبي في كينيا وبانكوك في تايلاند وبنما.

كما قلّصت المنظمة عدد موظفيها عالميًا من 23 ألفًا إلى 16 ألف موظف.

التقليص الأكثر حدة

ويُعد هذا التقليص في التمويل الأكثر حدة خلال تاريخ الأمم المتحدة الممتد على مدى 80 عامًا، في وقت لا يزال الغموض يحيط بما إذا كانت الولايات المتحدة ستسدد أكثر من ملياري دولار من الرسوم المستحقة عليها ضمن الميزانية الأساسية للمنظمة.

وفي الوقت نفسه، خفضت دول مانحة أخرى مساهماتها المالية، مفضلة توجيه الإنفاق نحو قطاعات الدفاع، ما فاقم الضغوط على المنظمات الدولية في جنيف.

وتنتشر مكاتب الأمم المتحدة في جنيف على مساحة تعادل تقريبًا مساحة مدينة الفاتيكان، وتتمركز حول قصر الأمم، المجمع الضخم الذي بُني أساسًا ليكون مقرًا لعصبة الأمم.

تفكك أبرز نظام دولي

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن موظفيها الدوليين، المعفيين من الضرائب السويسرية، يحصلون على زيادة تصل إلى 89.4% فوق رواتبهم الأساسية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في جنيف، إضافة إلى بدلات خاصة بالزوج أو الزوجة والتعليم.

لكن دبلوماسيين ومسؤولين حاليين وسابقين في الأمم المتحدة يحذرون من أن تفريغ جنيف من المؤسسات الدولية يعني عمليًا تفكيك أحد أبرز رموز النظام الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية للحفاظ على السلام العالمي.

وتُظهر وثائق داخلية أن الأمم المتحدة تتجه نحو نموذج أصغر حجمًا وأكثر تجزئة، في وقت تتنافس فيه دول عدة، بينها كازاخستان وقطر ورواندا، على استضافة مكاتب ومنشآت تابعة للمنظمة الدولية.