(المليشيا) .. مسلسل من الانتهاكات الجسمية للقانون الدولي الإنساني..!

(المليشيا) .. مسلسل من الانتهاكات الجسمية للقانون الدولي الإنساني..!

Loading

(المليشيا) .. مسلسل من الانتهاكات الجسمية للقانون الدولي الإنساني..! 

كتب / دكتور عبد الشكور حسن أحمد المحامي

منذ اندلاع الحرب في السودان دخلت البلاد مرحلة من أخطر مراحل تاريخها الحديث، حيث تحولت مساحات واسعة من الوطن إلى ساحات للقتل والنزوح والدمار والانتهاكات واسعة النطاق. وقد ارتبط اسم قوات الدعم السريع في تقارير وشهادات عديدة بارتكاب أفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، الأمر الذي دفع كثيراً من الجهات الحقوقية والإعلامية إلى المطالبة بتصنيفها كمنظمة إرهابية بسبب طبيعة الجرائم المرتكبة ضد المدنيين والبنية التحتية ومؤسسات الدولة.

ومن أبشع الجرائم التي هزت الضمير الإنساني ما حدث في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، حيث تعرضت قبيلة المساليت لعمليات قتل جماعي واستهداف على أساس عرقي، في مشاهد أعادت إلى الأذهان جرائم الإبادة الجماعية التي عرفها العالم في رواندا والبوسنة. وقد تحدثت تقارير وشهادات شهود عن قتل جماعي للمدنيين، وحرق الأحياء السكنية، ومطاردة السكان داخل الأحياء والمعسكرات، إلى جانب التمثيل بجثمان والي غرب دارفور السابق خميس أبكر بعد مقتله بصورة وحشية صدمت الرأي العام المحلي والدولي. وتعد هذه الأفعال مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف ولنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يجرم القتل الجماعي والاستهداف العرقي والتمثيل بالجثث.

كما شهدت قرية ود النورة بولاية الجزيرة واحدة من أبشع المجازر التي استهدفت المدنيين العزل، حيث قُتل عدد كبير من المواطنين بينهم نساء وأطفال وشيوخ، وتم نهب الممتلكات وترويع السكان بصورة ممنهجة. ولم تكن ود النورة حالة معزولة، بل تكررت المأساة في مناطق عديدة منها قرية الهلالية وغيرها من القرى التي تعرضت للهجوم والقتل والحرق والنهب، في انتهاك واضح لمبدأ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

لقد تجاوزت الانتهاكات حدود المواجهة العسكرية لتصل إلى التعدي المباشر على البنية التحتية المدنية التي يحظر القانون الدولي استهدافها. فقد تعرضت المستشفيات للقصف والنهب والاحتلال، ما أدى إلى خروج عدد كبير منها عن الخدمة وحرمان آلاف المرضى من العلاج. كما تعرضت الجامعات والمدارس ورياض الأطفال للتدمير والتخريب وتحويل بعضها إلى مواقع عسكرية، الأمر الذي حرم ملايين الأطفال والطلاب من حقهم في التعليم، وهو انتهاك خطير للمواثيق الدولية الخاصة بحماية المؤسسات التعليمية أثناء الحروب.

ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، بل امتدت إلى هوية الدولة السودانية وتاريخها الثقافي والحضاري، حيث تعرضت المتاحف ودار الوثائق القومية للنهب والتدمير، وفُقدت مقتنيات تاريخية نادرة تمثل ذاكرة السودان الوطنية. إن استهداف التراث الثقافي يعد جريمة وفق اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، لأن تدمير التاريخ والهوية لا يقل خطورة عن تدمير الإنسان نفسه.

كما تعرضت الكنائس ودور العبادة المسيحية لاعتداءات وعمليات تخريب ونهب، وتحدثت تقارير عن استهداف الأقباط وترويعهم داخل مناطق النزاع، الأمر الذي يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية العقيدة وحماية دور العبادة المنصوص عليها في القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.

أما ملف الانتهاكات ضد النساء فهو من أكثر الملفات إيلاماً، حيث ظهرت شهادات صادمة تتحدث عن حالات اغتصاب جماعي واختطاف للنساء والفتيات، واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب لبث الرعب داخل المجتمعات المحلية. كما تداولت تقارير معلومات عن استغلال النساء وإخضاع بعضهن للابتزاز والاتجار، وهي جرائم يصنفها القانون الدولي ضمن الجرائم ضد الإنسانية عندما تتم بصورة واسعة أو ممنهجة.

وفي جانب آخر، برزت قضية الاتجار بالأطفال وتجنيدهم في النزاع، حيث تم الزج بأطفال وقُصّر في الأعمال القتالية أو استخدامهم في أعمال قسرية مرتبطة بالحرب، في مخالفة صريحة لاتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة.

وتشير الوقائع كذلك إلى ارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون، واختفاء قسري لآلاف السودانيين، حيث اختفى عدد كبير من المدنيين والناشطين دون معرفة مصيرهم حتى الآن. والاختفاء القسري يعد من أخطر الجرائم الدولية لأنه يجمع بين الحرمان من الحرية والتعذيب النفسي لأسر الضحايا وإخفاء الحقيقة.

ومن أخطر الأساليب المستخدمة خلال الحرب استهداف مقومات الحياة الأساسية، حيث تعرضت شبكات المياه ومحطات الكهرباء للتخريب، وتم قطع الإمدادات عن مناطق واسعة، ما أدى إلى انتشار العطش والأوبئة والمجاعة. كما وُجهت اتهامات بعرقلة دخول المساعدات الإنسانية ومنع المنظمات من الوصول إلى المتضررين، وهو ما يخالف القانون الدولي الإنساني الذي يوجب تسهيل وصول الإغاثة للمدنيين أثناء النزاعات.

ولم تقف الأزمة عند الداخل السوداني فقط، بل امتدت إلى ما وصفته تقارير عديدة بعمليات تهريب بشر وتجنيد مقاتلين أجانب للمشاركة في الحرب داخل السودان، إلى جانب الاستعانة بمرتزقة من خارج البلاد، الأمر الذي يهدد الأمن الإقليمي ويزيد من تعقيد النزاع. ويجرم القانون الدولي استخدام المرتزقة لما يمثله من تهديد لسيادة الدول واستقرارها.

إن مجموع هذه الانتهاكات، إذا ثبتت بالأدلة والتحقيقات الدولية والقضائية، يشكل نمطاً واسعاً من الجرائم المنظمة ضد المدنيين والدولة والمجتمع، وهي أفعال لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية. فالقانون الدولي الإنساني وضع قواعد واضحة لحماية المدنيين والأعيان المدنية حتى أثناء الحروب، وأي تجاوز لهذه القواعد يفتح الباب للمساءلة الجنائية الدولية.

لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لهذه الحرب؛ آلاف القتلى والمصابين، ملايين النازحين واللاجئين، مدن مدمرة، واقتصاد منهار، ونسيج اجتماعي تعرض لتمزيق خطير. وأصبح من الضروري فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في كل الجرائم والانتهاكات المرتكبة، وعدم الإفلات من العقاب، لأن العدالة وحدها هي التي تمنع تكرار المآسي وتعيد الثقة في سيادة القانون.

إن توصيف أي جماعة بأنها “إرهابية” يخضع في النهاية لإجراءات قانونية وسياسية دولية معقدة، لكن المؤكد أن استهداف المدنيين، ونشر الرعب، وتدمير البنية التحتية، والقتل الجماعي، والاغتصاب، والاختفاء القسري، واستخدام الأطفال في النزاعات، كلها أفعال تتعارض بصورة جوهرية مع القانون الدولي ومع أبسط القيم الإنسانية.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تنتهي هذه الحرب الكارثية، وأن يستعيد السودان أمنه واستقراره، وأن يُقدَّم كل من تورط في الجرائم والانتهاكات إلى العدالة، حتى يعرف العالم أن دماء السودانيين ليست رخيصة، وأن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم.
والله المستعان
د/ عبدالشكور حسن احمد
المحامى
عضو (منظمة محامون بلا حدود)
عميد شرطة معاش وخبير
فى الجريمة المنظمة