![]()
في ديسمبر الماضي، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من غياب فرضته الحرب، عدتُ إلى الخرطوم. كنت أتابع من بعيد أخبار الموت والدمار والجراح التي لم تندمل، كنت أظن أنني هيأت نفسي لما سأراه، لكن لا شيء يهيئك للحظة تقف فيها أمام مدينة سكنت وجدانك عمراً كاملاً، فتجدها غير تلك المدينة التى غرفتها وتجد نفسك غريباً فيها.
حين لاحت من نافذة الطائرة أطراف الخرطوم وخيط النيل يشق طريقه بينها، غمرني فرح هادئ وراحة نفسية افتقدتها طويلاً، وانطوت سنوات الغياب كلها في لحظة واحدة، فخرج الدعاء من القلب قبل اللسان. وفي صالة الوصول كان في انتظاري أصدقاء أوفياء، فكان لقاؤهم أول ما بعث في نفسي الطمأنينة، وكأنهم يقولون إن الوطن ما زال بخير ما دام بعض أهله بخير. ومن حولي وجوه بالملامح التي اشتقت إليها، وفي عيون العائدين فرحة اللقاء وخوف خفي مما ينتظرهم في الخارج. ثم استقبلني هواء الوطن محمّلاً برائحة التراب والنيل وعبق الوطن، فتذكرت أن الوطن هو المكان الوحيد الذي لا نحتاج فيه إلى تفسير ما ينتابك نحوه من مشاعر الحب الفياضة.
غير أن هذه الراحة لم تدم طويلاً. فما إن تبرح شارع المطار حتى تتبدل الصورة: الطرقات التي كانت تعج بالسيارات والمحال المفتوحة حتى ساعات متأخرة في المدينة تحفها الوحشة من الجانبين، وأحياء العمارات والخرطوم 2 غارقة في ظلام دامس، ووسط الخرطوم، نبض البلد وملتقى أهله، خاوٍ على عروشه. مؤسسات الدولة جدران متصدعة ونوافذ بلا زجاج، والبيوت أُوصدت أبوابها على ذكريات أهلها الغائبين، وخلف كل باب مكسور حكاية أسرة خرجت على عجل. هناك أدركت أن الحرب لا تهدم الجدران وحدها، بل تُطفئ المدن.
ويبلغ الحزن مداه حين تمضي بمحاذاة النيل الأبيض، فإذا غابة السنط، التي كانت تزيّن أطرافه وتكون في أجمل حللها في مثل هذا الموسم، قد طالها تعدٍّ جائر حوّلها إلى أرض جرداء على مد البصر. كانت الغابة في هذا الوقت من العام تستقبل أسراب الطيور المهاجرة إليها من شتى أصقاع العالم، وكانت أجمل منتزهات المدينة الطبيعية وأفضلها لسكانها، فلم يبقَ منها اليوم إلا قلة من الطيور تراها تائهة تمشي في الجرداء، وكأنها تشك في أنها ربما ضلت طريقها إلى مكان آخر غير غابة السنط في الخرطوم. وحتى النيل بدا منحسراً منكمشاً على نحو لافت، وكأنه وهو يرى ما حلّ بالمدينة قد لحقه شيء من مآسي الحرب، فأرهبه عن تمدده المعتاد. فيعتصر القلب الأسى والألم، إذ لم تكتفِ الحرب بالإنسان والعمران، بل امتدت يدها إلى الطبيعة ذاتها.
وشاءت المصادفة أن تكون عودتي في ديسمبر، الشهر الذي انطلقت فيه آخر ثوراتنا، فوقفت في المدينة التي هتفت يوماً “حرية، سلام، وعدالة” أسأل نفسي: كيف انتهت عاصمة الثورات، التي علّمت الشعوب كيف تُسقط الطغاة، إلى هذا الخراب؟ واليوم، والذكرى الثانية والستون لثورة أكتوبر تطل علينا، يعود السؤال أكثر إلحاحاً، ولا سبيل إلى الإجابة عنه إلا بالعودة إلى البداية، إلى أكتوبر 1964.
أكتوبر: الشرارة الأولى
في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 خرج السودانيون بصدور عارية فأسقطوا حكماً عسكرياً جثم على صدورهم ست سنوات. انطلقت الشرارة من ندوة في جامعة الخرطوم عن قضية الجنوب. كانت الأهداف واضحة: إنهاء الحكم العسكري، وديمقراطية تصون الحريات، وحل قضية الجنوب بالحوار لا بالبندقية. لكن الصراعات الحزبية وغياب المشروع الوطني الجامع فتحا الباب مجدداً أمام الدبابة في مايو 1969، لحكم عسكري شمولي دام ستة عشر عاماً.
أبريل: الدرس الذي لم يُستوعب
تكررت المعجزة في انتفاضة السادس من أبريل 1985، بالأدوات ذاتها وبذات الآمال. غير أن التجربة الديمقراطية الثالثة، المثقلة بالحرب والأزمة الاقتصادية والتنافس الحزبي، لم تصمد أكثر من أربع سنوات، حتى جاء انقلاب يونيو 1989 ليؤسس لثلاثين عاماً من التمكين والحروب وتفكيك مؤسسات الدولة، انتهت بانفصال الجنوب.
ديسمبر: الحلم الأكبر
جاءت ثورة ديسمبر 2018 أوسع وأعمق، يقودها جيل شاب اختصر تطلعات السودانيين منذ الاستقلال في ثلاث كلمات: “حرية، سلام، وعدالة”. أسقطت الثورة حكم الإنقاذ، وقدمت أروع صور السلمية والوعي، ودفعت ثمناً باهظاً في مجزرة فض الاعتصام. لكن الشراكة الانتقالية بين العسكر والمدنيين وُلدت هشة، وانتهت بإجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، في مفارقة مؤلمة أن تأتي في شهر أكتوبر ذاته. وما زال السودانيون منقسمين حول توصيفها: فهي عند كثيرين انقلاب عسكري صريح على الوثيقة الدستورية، ويراها آخرون نتيجة متوقعة لعجز المدنيين وتشظي تحالفهم وانشغالهم بالمحاصصة عن بناء مؤسسات الانتقال. وجاء اتفاق حمدوك مع البرهان في نوفمبر، ثم استقالته مطلع يناير 2022، ليعمّقا الجدل؛ فمنهم من يراه رجلاً حاول حقن الدماء ثم انسحب حين أُغلقت الأبواب، ومنهم من يرى في موقفه ضعفاً فتح الباب أمام ترسيخ حكم العسكر، ومهّد لواقع لم يستقر حتى انفجر حرباً.
أبريل 2023: من الحلم إلى الكابوس
لم يكن ما حدث في أكتوبر 2021 نهاية المأساة بل بدايتها. ففي الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، فحوّلت الخرطوم إلى ساحة قتال، وشرّدت الملايين، وأزهقت أرواح عشرات الآلاف، ودمّرت المستشفيات والجامعات والأسواق. ضاع الأمان، وتفرق الشعب في المنافي ومدن النزوح، وعادت خطابات الجهوية والقبلية تطل برؤوسها، وصار السوداني الذي ظل يحلم بالديمقراطية والحرية والسلام يمنّي نفسه بالبقاء حياً والعودة إلى وطن شُرّد منه.
الدروس والعبر
تعكس هذه المسيرة حلقة مفرغة لازمت الحالة السودانية: ثورة تنتصر، يعقبها انتقال هش، فصراع نخب، فانقلاب، فنظام شمولي، فثورة جديدة وهو وضع يوجب التوقف عند دروسه وعبره. أما الدرس الأول فهو أن إسقاط الأنظمة أيسر من بناء البديل، وأن الثورة بلا مشروع وطني واضح ومتفق عليه مصيرها الضياع. والثاني أن السلاح خارج جيش قومي مهني واحد قنبلة موقوتة، وأن تعدد الجيوش أكبر الخطايا، يدفع الوطن ثمنها دماً وتشتتاً وغياباً للسلام والاستقرار. والثالث أن النخب المدنية تتحمل جزءاً أساسياً من مسؤولية انهيار الثورات، بانقساماتها وتقديمها المصالح الحزبية والفئوية على مصلحة الوطن. والرابع أن قضايا الهامش والعدالة الاجتماعية ليست هوامش في الأجندة الوطنية، بل جوهرها وبذرة كل حروبنا، وإهمالها قنبلة موقوتة أخرى.
أملٌ يتجاوز الركام.. وعمارٌ يولد من الخراب
في طرقات الخرطوم تتكدس الأنقاض على الجنبات، وتمتد أكوام الأوساخ والحديد الخردة حتى داخل أسوار الحدائق التي كانت متنفس الأسر، وقلب الميادين التي جمعت الناس في أفراحهم، وتركت الحرب توقيعها على كل شبر في المدينة. لكن وسط هذا الركام حركة المواطنين تقاوم الحياة بعناد: صاحب دكان يرمم واجهة محله المحطمة، وأسرة تعيد ترتيب بيت نُهب وخُرّب، وجار يزيل الركام من أمام بابه ليفتحه من جديد. وفي أكثر من حي رأيت شباباً يرفعون الأنقاض وينظفون الشوارع ويغرسون الأشجار تحت شعار “مدينة خضراء”. هؤلاء أحفاد جيل أكتوبر وأبريل وأبناء ديسمبر، وورثة “النفير” الذي عرفه السودانيون حين يجتمعون ليبنوا ويحصدوا ويعين بعضهم بعضاً. بل إن ما يبدو اليوم عبئاً قد يصير فرصة؛ فالحرب التي دفعت كثيراً من السودانيين إلى الهجرة خارج الوطن، أتاحت لهم في الوقت ذاته فرصة الإطلاع على تجارب الدول الأخرى واكتسبوا من خبرات أهلها، وها هم يعودون بها، ومعهم حماس لافت يشاركهم فيه الشباب للإسهام في إعادة الإعمار. وهذا كله يشكّل مدخلاً لأن تنفض الخرطوم عنها غبار الحرب، وتولد من جديد مدينةً تضاهي كبريات المدن، فيتحول عبء الحرب إلى فرصة لنهضة عظيمة وما ذلك على الله ببعيد
ختاماً
الأمل ليس شعوراً ننتظره، بل عمل نصنعه. والوفاء الحقيقي لشهداء أكتوبر وأبريل وديسمبر لا يكون باجترار الذكريات ولا بالتمنيات، بل بفتح الباب أمام مرحلة جديدة تضمّد جراح الوطن، عبر توافق وطني مخلص يوقف الحرب أولاً، ثم عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، يخضع فيها السلاح للقانون، ويتساوى فيها المواطنون، ويُحاسَب فيها كل من ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فإما أن نتعلم من تجاربنا، أو نظل أسرى لها نكتب المراثي في ذكرى كل ثورة.
عدتُ إلى الوطن فوجدته جريحاً، لكنني وجدته حياً وفي طريقه للمعافاة وسيعود السودان، لا لأن الطريق سهل، بل لأننا لا نملك وطناً سواه وشعباً صامداً صابراً لا يقهر.
المستشار البشرى عبد الحميد محمد
21 أكتوبر 2026م