![]()
كانت الغابة تروي عروقها من الأبيض وتغرق في ثورة الأزرق حين يفيض، ترقص أشجار السنط على تغريد البلابل في أعشاشها، تحتمي بالماء والظلال وتعانق كل قادم ومغادر عبر الجسر الجميل، حتى تلك الشجيرات التي علقت بجزيرة صغيرة تكونت امتداد ضحكة عالية من توتي، القربان الأخضر في وجه الشمس التي تلمع في السماء فتطرز كل شبر على الأرض ذهبًا من ضياء الشمس…
كنت دومًا أجلس في أطراف الغابة أشرب القهوة، الترفيه الوحيد والذي يجعلنا نتقاسم رزقًا ساقه الله للصبيات من بائعات الشاي والقهوة، أجبرتهن الظروف فأصبحت تلك مهنة تمارسها فئة كبيرة حتى شكلت إطارًا يطرز النيل وكل ظل للأشجار أينما ذهبت. في كل مدن السودان تجد هذا النشاط التكافلي والذي كان يكتم ثورة عارمة ومظهر اجتماعي يدعو للتأمل المرير، انتشرت هذه الممارسة ودخلت خانة المهن مثل صيادي الأسماك وباعة الخضار والفاكهة والماء البارد، والكوانين الصغيرة على الأرصفة، باعة الأقاشي، مهن فقيرة دخلت قاموس الاقتصاد الاجتماعي والسياسي وصارت من أعمدة الاقتصاد منذ أن تعطلت عجلات الإنتاج وصار الناس يتحلقون طوال ساعات اليوم يحتسون الشاي والقهوة ولا يجترون أي ذكرى للإنتاج حين كانت مصانع النسيج تستوعب فائض العمالة وورش المنطقة الصناعية، ما خرجت النساء وجلسن لبيع الشاي والقهوة والعدسية والباكمبا إلا في سنوات عجاف أجدبت الحقول وأخرست ماكينات المصانع، احتارت المدينة وافترشت ظلال الأشجار نهارًا كمأتم دائم، وامتلأت الميادين ليلًا وكنت أقول لأصدقائي هذه صورة غير مألوفة وغير طبيعية، ستتفرق لأن هذه العطالة المقنعة ستكسر طوق المدينة الصدئ. ليست هذه صورة العاصمة، هذا عنوان شائه لصفحات مدينة تمثل عصب البلاد وقلبها الذي توقف فهو ينزف ببطء، ونحن في ركضنا وسرعة دوران الزمن لم نجلس لندرس الظاهرة، فقط نأتي ومجلس على كراسي أصبحت ثابتة عنوان حياة عصية على التعريف…
كل الميادين تعج ليلًا بتلك الصور الشائهة والمهذبة سلوكًا في الغالب، يا لعنف التناقض والعوز وقلة الحيلة وتمادي الفساد المسؤول الذي يفرغ الحياة من طابعها ويكتب من سواد القهوة على صفحات الوطن ضياعًا وضياع…
كانت الغابة بقايا رمز حياة مدارية غنية، السنط في هذا الركن القصي جغرافية تتحدث بصمت…
كانت الطيور المهاجرة تتخذ الغابة ملاذًا آمنًا، بعضها يقيم كل فصل الشتاء الدافئ والبعض يسافر أبعد إلى الدندر وغابات النيل الأبيض وجنوب السودان، الغابات سكانها أكثر من البشر.
من قطع غابة السنط، تنفس الخرطوم الطبيعي…
جريمة الحرب الكبرى الاجتثاث، من يخطط وينفذ ثم نلوذ كلنا بالصمت، ولو امتد لسان طويل في مكان الغابة يسخر منا، لا أدري كيف يكون رد فعلنا، الصمت لا شك وقد لا نتذكر شيئًا، فقدنا أغلى من الشجر، فقدنا أرواحًا صعدت إلى السماء مبكرًا بأيدينا…
تحس بالخرطوم وقد فقدت صخبها وضجيجها حتى رائحة البن من الطرقات اختفت، صور الدمار لوحة عبثت بها النار والركام وبقايا أحذية قديمة، صور السيارات التي خربتها أيدٍ آثمة، أحيانًا الأطفال يخربون لأن أول فعل تجريبي يظهر نمو قواهم التخريب، مفرح للطفولة لأنه عمل!!!!!
صمت كبري شمبات بين بحري وأم درمان صمت نائحة فقدت أمل رجعة المفقود فأطبق الصمت كل الشفاه، أكوام من السيارات فقدت قوى المحركات فهمدت كأنها رسوم على سطح الأرض مجسمات، لا تخالها مالًا واحترق أو أتلف…
سحقًا للحمقى وسحقًا للحرب…
هل هنالك قافية تصلح كبيت شعر، أو مناحة أو صورة مأتم امتدت سنوات حزنه دون أمل في صبر يشفع لتتوقف فلسفة القتل والتدمير…
تراجعت الحياة إلى آماد سحيقة والمدينة شبح مدينة وظلال خراب.
مستلقي على شارع النيل أحضن الماء كما يحضن الماء توتي، هل هي مجمع البحرين حيث التقى سيدنا موسى نبي الله الخضر، هل توتي نمت فوق صخرة حيث اتخذ الحوت سبيله في البحر سربًا… أذهب إلى توتي دومًا يشدني الرويس، وهو الجزء الشمالي من توتي يشاغل بحري بغمزة عين ورشفات ماء حين يفيض الأزرق ويطغى لا يقوى على طوابي أم درمان رغم وداعة شط النيل الأبيض، هنالك طابية كبيرة جدًا في داخل توتي وكأنها شيدت حديثًا، يا لمتانة الطين… ذهبت أول مرة إلى الرويس مكروبًا كربة شديدة وجدت شجرة سنط التهم النيل جذورها فوقعت حية تقبل وجه الأزرق وهي تختلي من الأبيض في جلال، وكان الماء تحت تلك السنطة الساجدة في الماء، كأنه سجادة من نور وماء..
اختفت أحزاني يوم وطئت قدمي ذلك المكان، توضأت وصعدت صليت ونمت وعندما استيقظت تعرفت على صاحب تلك الأرض ونمت بيننا صداقة قوية وصرت أتردد بشكل راتب على ذلك المكان، المكان يحدثني بتاريخ طويل مليء بالأحداث منذ نبوة موسى وحتى المهدية وما تلاها من تاريخ إلى الوقت الراهن، الذي داسته الأقدام والأقدار المتلاحقة صخبًا وقنابل وكل دمار نتصوره…
جلست على النيل قبالة توتي وفي ظهري برج الفاتح وامتداد المدينة المزدهر والذي تآكل إلى حدود زوال غابة السنط بقايا جغرافيا تتحدث بمنطق صامت…
وذات ليلة تلحفت السماء وكان القمر في مهرجان الضوء يضحك ملء السماء ما استطعت أن أنام، يأخذني نور القمر إلى أبعد من تصوراتي البسيطة فأعشق السهر في الليالي البيض ويرهمني نص النهارات الحزينة المتجذرة في مخيلتي تاريخ مشوه وسياسة عرجاء واقتصاد كسيح وحياة تزخر بالتفاصيل المتناقضة تناقض رؤانا وأحلامنا ذات الحدود البسيطة والتي لا تغادر أفقًا صوفيًا بسيطًا يقنع بكسرة بموية وقليل ملح..
ما أفظع الأحداث حين تستنطق المرارات الصامتة دهورًا طويلة انفجر في صدام هتك عذرية العاصمة التي ترقد بين التقاء نيلين وغابة وطمبور تحول غناء جميل يحكي جمال حواء السودانية وعطرها وكل فلسفتها الوجودية والتي زادها العلم الحديث فلسفة جميلة تحكي عراقة دم هاجر في ملامح حواء السودانية…
أتغطى بتلك الثورة من نور القمر وأسبح مع النيل الأبيض جنوبًا حتى ترسو مراكبي في شواطئ جميلة تختزل التاريخ والسياسة والثقافة والطموح في بساطة الناس وأحلامهم الصغيرة وهم يفترشون الثرى يأكلون في طيب خاطر خواطر أحلامهم التي لم تتجاوز أفق الدعاء، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار…
ونلتقي…