![]()
في خضم المقالات الكثيرة التي تتناول أوضاع شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير)، وما بين الانتقادات المشروعة لأدائها والمطالبات بإنقاذ الناقل الوطني، أعتقد أننا بحاجة إلى النظر في تجارب شركات الطيران العالمية التي واجهت ظروفاً مالية وتشغيلية صعبة، واستطاعت أن تتبنى أساليب إدارية مختلفة لتقليل التكلفة ورفع الإنتاجية.
ومن التجارب التي تستحق التأمل تجربة شركة America West Airlines الأمريكية، التي اعتمدت في مراحل تأسيسها وتشغيلها على مفهوم إداري مهم، وهو تعدد مهارات الموظفين (Cross-Utilization).
فبدلاً من أن يكون كل موظف محصوراً في وظيفة واحدة، عملت الشركة على تدريب بعض العاملين وتأهيلهم لأداء أكثر من مهمة، وفقاً لطبيعة العمل والتخصص والتدريب المطلوب.
فالموظف الذي يعمل في خدمات المسافرين يمكن أن يؤدي مهام في إصدار التذاكر أو خدمات البوابة أو الحجوزات، كما استفادت الشركة من تعدد مهارات العاملين في محطاتها الخارجية، بما ساعد على تحسين استخدام الموارد البشرية وتقليل الحاجة إلى أعداد كبيرة من العاملين لكل وظيفة منفصلة.
كانت الفكرة بسيطة ولكنها ذات أثر إداري واقتصادي مهم: الموظف ليس مجرد تكلفة في ميزانية الشركة، بل طاقة إنتاجية يمكن الاستفادة منها بأكثر من طريقة.
وهنا نطرح السؤال: لماذا لا تستفيد سودانير من هذه التجربة؟
إن سودانير، في ظروفها الحالية، لا تحتاج فقط إلى طائرات جديدة أو استثمارات مالية، وإنما تحتاج أيضاً إلى مراجعة شاملة لأسلوب إدارة مواردها البشرية والتشغيلية.
يمكن البدء بخطة عملية تتضمن:
1. إعادة توزيع العاملين وفقاً للاحتياجات التشغيلية الفعلية.
2. تدريب الموظفين على أداء مهام متعددة في المجالات المتوافقة مع تخصصاتهم.
3. تقليل تضخم الإدارات وتداخل الاختصاصات.
4. الاستفادة من الكفاءات الموجودة بدلاً من التوسع في التعيينات.
5. ربط الحوافز بالإنتاجية وجودة الخدمة والانضباط.
6. مراجعة المصروفات الإدارية والتشغيلية دون المساس بسلامة الطيران أو حقوق العاملين.
وبالطبع، لا يعني تعدد المهام أن يقوم الموظف بأعمال فنية أو أمنية أو تشغيلية تتطلب تراخيص وشهادات تخصصية دون تأهيل واعتماد. فسلامة الطيران خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر لتقليل التكلفة.
ماذا نريد من سودانير؟
لا نريد أن نحول النقاش حول سودانير إلى تبادل للاتهامات، ولا أن نكتفي بتعداد الأخطاء والعقبات. نريد أن ننتقل من مرحلة تشخيص الأزمة إلى مرحلة تقديم الحلول.
إن مسؤولية إنقاذ سودانير لا تقع على الإدارة وحدها، ولا على الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الإدارة والعاملين والمستثمرين والجهات الحكومية وكل من يؤمن بأهمية وجود ناقل وطني سوداني.
ومن هنا، فإننا نرى ضرورة تبني برنامج إصلاح إداري وتشغيلي يستفيد من التجارب العالمية، وعلى رأسها تجربة America West، مع تكييفها بما يتناسب مع ظروف سودانير وواقع السودان الحالي.
رسالتنا للعاملين في سودانير:
أنتم لستم جزءاً من الأزمة، بل يمكن أن تكونوا جزءاً أساسياً من الحل. والمرحلة الحالية تتطلب روح الفريق الواحد، والاستعداد للعمل بروح المسؤولية الوطنية، والمحافظة على أصول الشركة، ورفع الإنتاجية، وترشيد الإنفاق.
فسودانير ليست مجرد شركة طيران، بل مؤسسة وطنية وتاريخ من الانتماء والذاكرة السودانية.
إن إنقاذ الناقل الوطني لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالإدارة الرشيدة، والعمل الجماعي، والاستثمار المدروس، والقدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج حقيقية.
فلننتقل من الحديث عن أزمة سودانير إلى العمل من أجل إنقاذ سودانير.