![]()
لم يعد الشتاء في قطاع غزة مجرد فصل يحمل الأمطار والبرد، بل تحول إلى محنة تتجدد مع كل موسم، إذ تجد عائلات نجت من الحرب نفسها في مواجهة مياه تقتحم خيامها ورياح تهدد ما تبقى من مأوى.
تكمن المفارقة في أن الخيمة، التي أصبحت الملاذ الأخير لآلاف النازحين، لم تعد قادرة على حمايتهم من الأمطار، فيما تقف مبانٍ متصدعة، كان يفترض أن توفر جدرانها مأوى أكثر أمانًا، مهددة بالانهيار فوق رؤوس ساكنيها.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات بشأن كيفية مواجهة كارثة إنسانية باتت فيها أبسط مقومات الإيواء والإنقاذ عاجزة عن حماية السكان.
قطاع غزة.. معاناة النازحين تحت الحصار
وكانت 12 ساعة من الأمطار الغزيرة كافية لإغراق نحو 70 ألف خيمة في قطاع غزة، وفق المكتب الإعلامي الحكومي، في أضرار لا تقتصر على الخسائر المادية، لكنها تشكل أماكن احتمت بها عائلات نازحة قبل أن تغمرها المياه.
وامتدت تداعيات المنخفض الجوي، المصحوب برياح شديدة وعواصف، إلى مخيمات نزوح في مناطق مختلفة من القطاع، فيما قُدّرت الخسائر الأولية بنحو 3 ملايين دولار، وسُجلت إصابات متفاوتة الخطورة.
وفي موازاة ذلك، تلقى الدفاع المدني أكثر من 1500 نداء استغاثة منذ بدء المنخفض، في وقت تؤكد فيه فرق الإنقاذ عجزها عن مواجهة حجم الكارثة بمفردها، في ظل نقص الإمكانات والمعدات اللازمة.
ولا تتوقف المخاطر عند تداعيات الأمطار، إذ حذر المكتب الإعلامي الحكومي من احتمال انهيار عشرات المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، ما يضيف تهديدًا جديدًا إلى حياة السكان ويعمق معاناتهم.
هشاشة المأوى في غزة
ويكشف هذا الواقع أن تداعيات المنخفض الجوي تتجاوز آثار حالة طقس عابرة، لتسلط الضوء على هشاشة المأوى في غزة، في ظل تضرر البنية التحتية ونقص مواد الإيواء ومعدات تصريف المياه، فلا تجد العائلات مأوى بديلًا، ولا تمتلك فرق الإنقاذ الإمكانات الكافية للاستجابة لنداءات الاستغاثة.
وفي سياق متصل، دعت فصائل فلسطينية اللجنة الإدارية إلى التوجه فورًا إلى قطاع غزة، فيما حملت حركة حماس إسرائيل والجهات الدولية المعنية مسؤولية الكارثة وتفاقمها، منتقدة إخفاق “مجلس السلام” في ضمان إدخال المساعدات إلى القطاع.
معاناة النازحين تتجدد مع كل شتاء
وفي هذا الإطار، يقول الصحفي في التلفزيون العربي باسل خلف إن المشهد الإنساني في قطاع غزة يتكرر مع حلول كل فصل شتاء، مشيرًا إلى أن التحذيرات من تداعيات المنخفضات الجوية بدأت منذ الأسابيع الأولى للحرب، عندما كانت المنظمات الدولية تطالب بالتدخل لتوفير احتياجات السكان وحمايتهم من الظروف الجوية القاسية.
ويوضح خلف أن الشتاء الأول مرّ على الفلسطينيين وسط القصف والدمار وسقوط الضحايا، ثم تكرر المشهد خلال العامين التاليين، من دون أن تتحقق الاستجابة الإنسانية التي كان السكان يأملونها بعد وقف إطلاق النار.
ويضيف أن الفلسطينيين كانوا يتطلعون إلى حلول تستجيب، ولو بالحد الأدنى، لاحتياجاتهم الإنسانية الأساسية، لكن ذلك لم يحدث، بل تراجع الاهتمام الدولي والإعلامي بمعاناتهم مع مرور الوقت.
ويلفت إلى أن المشاهد التي ظهرت خلال الساعات الماضية، مع غرق خيام النازحين، أعادت تحريك حملات التضامن والتفاعل الإنساني والإعلامي، لكنها تبقى موسمية ومرتبطة بتطورات الأحداث.
ويحذر خلف من أن الأنظار لا ينبغي أن تقتصر على تداعيات المنخفض الحالي، لكن يجب أن تمتد إلى المنخفضات الجوية المقبلة، مشيرًا إلى أن نحو 70 ألف خيمة تضم، وفق التقديرات المطروحة، أكثر من 300 ألف فلسطيني، بينهم أطفال ونساء وكبار سن.
ويشير إلى أن صورًا أظهرت تناثر مستلزمات الطلاب وقرطاسيتهم داخل الخيام التي غمرتها المياه، فضلًا عن تضرر مبانٍ آيلة للسقوط بفعل الرياح الشديدة، في ظل استمرار تدهور البنية التحتية.
ويؤكد أن معاناة السكان ازدادت عمقًا، لأنهم كانوا ينتظرون بعد وقف إطلاق النار تحسنًا في ظروفهم المعيشية وتوفير مستلزمات الإغاثة والإيواء، لكن الواقع لم يشهد الانفراجة المنتظرة.
إسرائيل تتحمل مسؤولية تفاقم الكارثة الإنسانية
من جهته، حمّل الكاتب السياسي مصطفى إبراهيم، في حديث إلى التلفزيون العربي من مدينة غزة، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن استمرار الكارثة الإنسانية، معتبرًا أن ما يشهده القطاع مع حلول الشتاء الحالي امتداد لمعاناة متواصلة منذ سنوات الحرب.
ويوضح إبراهيم أن السكان كانوا يدركون مسبقًا حجم المخاطر التي يحملها فصل الشتاء، في ظل تهالك الخيام والنقص الحاد في الغذاء والمستلزمات الأساسية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يواصل فرض حصار مشدد ويمنع دخول المساعدات الإنسانية، سواء الغذائية أو الإغاثية والطبية.
ويقول إن ما يدخل إلى القطاع لا يتجاوز، وفق ما تشير إليه المنظمات الدولية، نحو 18% من المساعدات المطلوبة، رغم أن البروتوكول الإنساني للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار نصّ على إدخال 600 شاحنة يوميًا.
ويضيف أن إسرائيل لم تلتزم بهذا العدد، بل قلصت دخول الشاحنات، معتبرًا أن الحديث عن وقف إطلاق النار لا يعكس حقيقة الأوضاع الميدانية، في ظل التضليل الإسرائيلي واستمرار العمليات العسكرية والقتل والاغتيالات وإخلاء مناطق سكنية.
ويشير إلى أن هذا الواقع يجعل الأزمة الإنسانية في غزة مستمرة، رغم الاعتقاد السائد دوليًا بأن وقف إطلاق النار يعني انتهاء الحرب وتوقف تداعياتها.
لماذا لم يتمكن مجلس السلام من الاستجابة للاحتياجات الإنسانية؟
وفي ما يتعلق بدور “مجلس السلام”، يقول إبراهيم إن المجلس لم يستكمل حتى الآن تشكيل هياكله وآلياته التنفيذية، رغم الإعلان عن وعود بتوفير نحو 17 مليار دولار لإعادة إعمار القطاع.
ويوضح، في حديثه إلى التلفزيون العربي من غزة، أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة والمكتب التنفيذي لمجلس السلام، الذي يقوده نيكولاي ملادينوف، تشكّلا، لكن هيئة الاستقرار وقوة الاستقرار لم تتشكلا بعد، كما لا توجد معلومات واضحة بشأن موازنة المجلس أو خططه العملية للتعامل مع الأوضاع في القطاع.
ويضيف أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة ذات طابع خدمي ومدني، لا تزال ممنوعة من دخول القطاع بقرار الاحتلال الإسرائيلي، رغم الحديث عن دورها في إدارة الشؤون المدنية وتوفير الخدمات للسكان.
وانتقد ما وصفه بغياب الخطط العملية لتنفيذ تعهدات إعادة الإعمار والتعافي، مشيرًا إلى أن الحديث عن إنشاء ما يسمى “مدينة إنسانية” في رفح ونقل السكان إليها لا يزال في إطار الخطط والتصريحات.
ويرى إبراهيم أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومجلس السلام لم يمارسا الضغط الكافي على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ التزامات وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلته الثانية، معتبرًا أن السكان يدفعون يوميًا ثمن استمرار هذا التعثر.
كما انتقد تصريحات ملادينوف بشأن دخول 600 شاحنة يوميًا وحدوث خروقات من الطرفين، معتبرًا أن هذه التصريحات لا تعكس حجم الدمار والقتل والعمليات العسكرية التي يقودها الاحتلال الإسرائيلي.
ويشير إلى أن بعض الدول بدأت تتجه إلى تمويل مجلس السلام، في وقت تعاني فيه المؤسسات الدولية نقصًا حادًا في التمويل، بالتزامن مع القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المساعدات والخيام ومستلزمات النزوح.
