![]()
عشية ما تصفه واشنطن بـ”أشد العقوبات” في تاريخها على إيران، تتحرك طهران على مسارين متوازيين: رفض التهديد والضغط الأميركي من جهة، وفتح نافذة دبلوماسية عبر باكستان من جهة أخرى.
وفيما يؤكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الحصار والتهديدات لن يغيّرا موقف بلاده، يصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في زيارة تقول إيران إنها تأتي في إطار جهود إسلام آباد للمساعدة في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.
لكن خلف المشهد الدبلوماسي، تستعد واشنطن لرفع كلفة التعامل مع إيران، عبر توسيع العقوبات وتضغط على الصين وحلفائها للانضمام إلى حملة عزل اقتصادي أوسع.
ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع العقوبات الجديدة دفع طهران إلى تقديم تنازلات لم تحققها الحرب، أم أنها ستفتح جولة جديدة من التصعيد، لكن هذه المرة عبر الاقتصاد؟
واشنطن ترفع سقف العقوبات
تبدأ الجولة الجديدة من واشنطن، حيث يعقد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الإثنين، مؤتمرًا صحافيًا للإعلان عن حزمة عقوبات وصفها بأنها الأشد في تاريخ الولايات المتحدة ضد إيران.
وتستهدف الإجراءات الجديدة تضييق مصادر التمويل الإيرانية، وتشديد القيود على حركة السفن والموانئ، والحد من صادرات النفط التي تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة لطهران.
لكن الضغط الاقتصادي الأميركي لم يبدأ مع هذه الحزمة.
ففي 13 يوليو/ تموز، أعادت واشنطن فرض قيود على حركة السفن والموانئ الإيرانية، عقب انهيار اتفاق وقف الحرب. وفي 7 أغسطس/ آب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شبكات مالية قالت إنها تساعد إيران في تحصيل عائدات النفط وتحويل العملات، عبر شركات مرتبطة بالصين والإمارات وهونغ كونغ وسنغافورة.
وتبدو الجولة المقبلة أوسع نطاقًا، إذ هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أي دولة أو مؤسسة أو شركة تقدم ما وصفه بـ”الدعم الحيوي” لإيران بعواقب اقتصادية كبيرة.
كما يدعو بيسنت الصين إلى التعاون مع واشنطن في حملة الضغط على طهران، في وقت تشير بيانات عام 2025 إلى أن بكين تستورد أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا. لكن الصين ترفض الانخراط في هذا المسار، وتؤكد أن حل النزاعات لا يكون عبر العقوبات والضغوط.
طهران ترفض التهديد وتحذر الجوار
في المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا ومباشرًا، ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي التهديدات الأميركية بأنها دليل على “اليأس”، مؤكدًا أن بلاده لم تخشَ الحصار أو التهديدات، وأن التحركات العسكرية والاقتصادية السابقة لم تنجح في تغيير موقفها.
وقال عراقتجي إن الولايات المتحدة لا تملك طريقًا سوى التحدث مع الإيرانيين باحترام، والتوصل إلى حل يقوم على العدالة والكرامة.
عقوبات أميركية مرتقبة على إيران.. وطهران ترد بالتصعيد وتفتح نافذة دبلوماسية#الأخيرة@jamel_ezzedini pic.twitter.com/KhKMdUb8gL
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 23, 2026
ولم تتوقف الرسائل الإيرانية عند رفض العقوبات، إذ حملت تحذيرًا لدول المنطقة من المشاركة في الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن.
وحذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي دول الجوار من الانخراط في هذه الحملة، قائلًا إن إيران ستعتبر أي دولة تشارك فيها “عدوًا”.
كما اعتبر أن العدوان الأميركي على إيران دفع العالم نحو امتلاك القنبلة النووية، في إشارة غير مباشرة ترفع مجددا حساسية الملف النووي.
عاصم منير يدخل على خط الأزمة
وسط هذا التصعيد، تبرز زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران.
ووصل منير، الإثنين، على رأس وفد رسمي، فيما وضعت الخارجية الإيرانية الزيارة في إطار الجهود الباكستانية للمساعدة في ترسيخ السلام والأمن في المنطقة.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل الدور الذي تحاول إسلام آباد لعبه كوسيط بين الأطراف، لكن أي اختراق يصطدم بملفات تتجاوز العقوبات وما زالت عالقة منذ اندلاع الحرب: البرنامج النووي، الحصار البحري، وشروط أي تسوية أوسع.
هل تنجح العقوبات حيث فشلت الحرب؟
وتراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي المتزايد قد يحقق ما لم تتمكن العمليات العسكرية من تحقيقه، لكن العقوبات الجديدة لا تستهدف إيران وحدها، بل تمتد إلى الشركات والمصارف والوسطاء والدول التي تساعد في إبقاء قنوات التجارة والتمويل مع طهران مفتوحة.
وهنا تكمن نقطة الاختبار الأخطر. فبينما تستعد واشنطن لرفع الضغط الاقتصادي إلى مستوى غير مسبوق، تؤكد طهران مسبقًا أن العقوبات ستفشل، وتحذر دول الجوار من المشاركة فيها، في وقت تواصل فيه باكستان مساعيها الدبلوماسية بحثًا عن مخرج من الأزمة.
ويبقى السؤال الأهم: كيف سترد طهران إذا مضت واشنطن في تنفيذ العقوبات الجديدة؟
هل تختار الرد عبر المصالح والشركاء الذين يلتزمون بالعقوبات؟ أم تعود إلى أدوات الضغط في المنطقة والممرات البحرية؟ أم تستخدم التصعيد كورقة تفاوضية لفرض شروط جديدة على طاولة الحوار؟
ماذا تحمل زيارة قائد الجيش الباكستاني؟
وبشأن سؤال حول دلالات زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى إيران، أوضح الكاتب والباحث السياسي صالح قزويني أن الأمر يرتبط بإنهاء حالة الحرب بين البلدين، وليس بملف الاتفاقات السياسية أو ما شابه ذلك.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من طهران، أشار قزويني إلى أن إيران ما زالت تعتبر نفسها في حالة حرب، وأن القضية لا تتعلق بمجرد تمديد وقف إطلاق النار أو إجراءات شكلية أخرى.
وأضاف أن الإيرانيين يترقبون ما سيحمله منير معه إلى طهران: هل سيطرح مبادرة أميركية؟ أم سيقدّم مبادرة باكستانية؟
وتابع قائلًا إنه ليس من المستبعد أن يكون هناك حديث عن “تحالف مكة” الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا، خاصة وأن الإيرانيين يؤكدون أنهم تلقوا دعوة للانضمام إلى هذا التحالف.
هل ملف ”اتفاق مكة“ على جدول مباحثات عاصم منير في طهران؟ #الأخيرة pic.twitter.com/j7Y0AHv3nB
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 23, 2026
“واشنطن تراهن على العقوبات”
من جهته، قال مارك كيميت، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق للشؤون السياسية، إن من الضروري النظر بجدية إلى العقوبات المفروضة على إيران، معربًا عن أمله أن تحمل زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير رسالة تدعو إلى مفاوضات إضافية، وهو ما تسعى إليه واشنطن نظرًا لتأثير العقوبات الكبير على إيران وشعبها.
وأوضح كيميت، في حديثه للتلفزيون العربي من واشنطن، أن العقوبات الاقتصادية أدت إلى انهيار العملة الإيرانية وتفاقم التضخم إلى مستويات مؤذية للشعب الإيراني، ما يجعل التركيز على العقوبات الجديدة أمرًا بالغ الأهمية.
وأضاف أن هذه العقوبات لن تقتصر على إيران مباشرة، بل ستستهدف أيضًا الأطراف الثالثة لضمان عدم بيع أو توريد أي سلع للإيرانيين.
