![]()


كتبت – سليمى إسحق
لامني الكثيرون لأننا لم نوثق لأبي كما يجب، وكنت قبل سنوات، وتحديداً في عام 2012م، قد وثقت لأبي “إسحق محمد الخليفة شريف” في مجموعة (صور السودان القديمة)، وكتبت:

إسحق الخليفة شريف؛ ولد في 15 يوليو 1923م، وهو وحيد والديه: السيد محمد الخليفة شريف الذي كان من أثرى رجال السودان في ذلك الزمان، ووالدته السيدة مريم ابنة الإمام المهدي.
درس الأولية والوسطى بمدارس الأحفاد، والثانوي بكلية فكتوريا، ثم جامعة أكسفورد 1945م، وجامعة دبلن 1950م، وكلية الفنون الجميلة بباريس 1951م، ومدرسة الألسن الشرقية العليا بباريس 1957م. زامل وصادق إبان دراسته بطرس غالي وآخرين؛ مثل مجدي باشا وهبة الذي ربطته به صداقة منذ الدراسة بفكتوريا استمرت حتى وفاتهما.
كان زاهداً برغم البيئة المترفة التي تربى فيها، لا يعطي قيمة كبيرة للمال، وتأثر بوالدته روحياً ودينياً، وتميز بالذكاء والفكر الثاقب. ومن زامله في الدراسة شهد كيف كان ينافس أساتذته بالمعرفة والاطلاع. كان صفي النفس، اجتمع على محبته وصداقته أناس تختلف مشاربهم السياسية والدينية والفكرية، وكان بشوشاً مرحاً، سريع البديهة، وذات روح دعابة لطيفة. كان موسوعياً في التراث والتاريخ والأدب، وعالماً كريماً أريحياً، ومع ثرائه العلمي والفكري والخلقي عاش مسكيناً ومات مسكيناً؛ فلم يطمع يوماً في سبق سياسي رغم أهليته وكفاءته وشعبيته. سُلبت أمواله في التأميم وقبله، لكنه لم يعش على ذكراها، وفضّل الوظيفة وخدمة الناس والعلم.
صالونه الأدبي ببيته بالعباسية كان ملتقى الأدباء والفنانين والمثقفين السودانيين والأجانب، كما جمعته الصداقة وحب الأدب مع البروفيسور عبد الله الطيب الذي أهداه ديوانه الأول (أصداء النيل) وكتب له: “إلى الأخ السري الأديب اللبيب السيد إسحق محمد الخليفة شريف، مَن ظل وداده ثابتاً على تقلب الأيام وأنبائها، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”. كما ربطته الأواصر نفسها بالأديب والسفير جمال محمد أحمد، وصلاح أحمد إبراهيم، وعلي المك، والكثيرين من المثقفين والمهتمين بالأدب والكتابة. ومن أصدقائه أيضاً الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، وجاك بيرك، والدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي الشاعرة والأديبة الفلسطينية.
لم يهتم فعلياً بالسياسة، ولكنه كان نائباً برلمانياً وكان وطنياً غيوراً، ولكنه كان صادقاً ومثالياً؛ فاستقال من البرلمان عندما لم ترقَ الخطوات السياسية لتمثيل الديمقراطية التي كان يمثلها. وفي إبان الديمقراطية الثانية قام بمجهودات دبلوماسية مقدرة توقع الكثيرون أن يُعطى معها منصباً سياسياً، لم ينله ولم يأسَف عليه.
كان ملمّاً بأربع لغات ويجيدها: الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، والایتالية، ويتحدث القليل من الإسبانية. زار نيويورك في زيارة نظمتها جمعية الأمريكيين الأفارقة في الستينيات، وألقى قصيدة باللغة الإنجليزية أدهشت كل الحضور عن نيويورك وأسماها (BABEL)، وترجم ديوان (أزهار الشر) لبودلير.
عمل لمدة 13 عاماً كرئيس لقسم الترجمة برابطة العالم الإسلامي، وترجم القرآن لأربع لغات، ولم يقتصر دوره على الترجمة، بل تعداه لمحاولته الدؤوبة لإصلاح فهم الدين المتطرف لدى المسلمين الجدد بجهود ذاتية؛ فمنهم جماعات كثيرة عاشت معنا بالمنزل فعلياً كأفراد من الأسرة لفهم الدين الوسطي المعتدل المبني على أسس الرحمة والخلق الحسن والصدق.
كان باراً بأهله، مهتماً بصلة الرحم، شغوفاً بالعلم لآخر لحظة في حياته. عمل في أخريات أيامه أستاذاً للفلسفة بجامعة الأحفاد للبنات. كان فناناً تشكيلياً وسريالياً، قام بتصميم الرسوم الموجودة بديوانه المنشور الوحيد (زهر وقفر)، وله ديوان آخر بعنوان (الجناح الغريب) وقد سُرق، وكان ناقداً فنياً بصيراً ومن الأعضاء المؤسسين لاتحاد الفنون الجميلة. عشق الموسيقى الكلاسيكية، وعُيّن رئيسًا لمجلس إدارة معهد الموسيقى والمسرح.
توفي بأم درمان يوم 3 ديسمبر 1993م. وفي زواج اختي في يوليو من السنة نفسها -وكان عيد مولده- قال: “هذه آخر أيامي، فقد بلغت السبعين ولن أعيش أكثر من هذا”، وكان مستمراً في وداع الجميع وتوصيتهم بقوله: “المنية قربت”. وفعلاً فارق الدنيا بعد حياة حافلة بالعطاء بدون انتظار مقابل، مبتسماً راضياً، رقد في فراش الموت كما النائم.. ربنا يرحمه رحمة واسعة يا رب.
