![]()
تواصل إسرائيل توسيع بنك أهدافها داخل سوريا، في وقت أثارت فيه غارات جديدة على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي انتقادات سورية، بالتزامن مع انتقاد أميركي علني للتصعيد.
وتأتي الضربات في توقيت حساس، خصوصًا مع الحديث عن أعمال لإعادة تأهيل المطار، ووسط تزايد الدور التركي في سوريا. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الرسائل التي تريد تل أبيب إيصالها إلى دمشق وأنقرة، وحدود التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
غارات إسرائيلية على مطار أبو الظهور
وفجر الثلاثاء، استهدفت غارات جوية إسرائيلية مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، وهو مطار خارج الخدمة منذ أكثر من عقد.
ونقلت وسائل إعلام سورية عن مصدر عسكري أن الطيران الإسرائيلي نفذ ثماني غارات على مدرج المطار، ما أدى إلى أضرار مادية في بنيته التحتية، من دون تسجيل إصابات.
ووصفت دمشق الضربات بأنها “عدوان غير مبرر”، فيما قالت وزارة الخارجية السورية إن الغارات تمثل انتهاكًا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتصعيدًا يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وفي الأثناء، اتهم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوريا بقبول نشر قوات في قاعدة عسكرية في شمال شرق البلاد، معتبرًا أن ذلك “يهدد أمن” تل أبيب.
وجاء في بيان صادر عن المكتب “اتفقت إسرائيل وسوريا على وضع قائم في المسائل الأمنية، وكانت سوريا على وشك خرقه من خلال الموافقة على انتشار قوات تركية في قاعدة جوية قرب حلب”.
وأضاف “حذّرت إسرائيل سوريا مرارًا من أن انتشارًا كهذا سيهدد أمن إسرائيل. اختارت سوريا تجاهل هذه التحذيرات”، مشددًا على أن الدولة تل أبيب “لن تتساهل مع أي تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع القائم”.
لكن توقيت الضربة يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز استهداف المطار نفسه. فقد أظهرت صور أقمار صناعية التُقطت بين 7 و17 أغسطس/ آب تغيرات في مدرج مطار أبو الظهور، تشير إلى بدء أعمال لتسوية الحفر وإعادة تأهيل أجزاء منه، بعد سنوات من تعرضه للأضرار وخروجه عن الخدمة.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، جاءت الغارات بعد زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار لبحث إمكانية تأهيل مدرجه.
وأفادت المصادر بأن أعمال التأهيل كانت لا تزال في مراحلها الأولى، بينما رُصدت عربات إشارة تركية داخل المطار بالتزامن مع تحليق طائرة استطلاع من طراز “بيرقدار”.
وهنا تبرز إحدى أهم دلالات الضربة؛ إذ تراقب إسرائيل مسار إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، بالتزامن مع تنامي الحضور التركي، باعتبار أن أنقرة تعد من أبرز الداعمين للسلطات السورية الجديدة.
كما تبرز مخاوف إسرائيلية من توسع الدور العسكري التركي داخل سوريا، ولا سيما في ما يتعلق بإمكانية نشر منظومات دفاع جوي.
انتقاد أميركي للضربات الإسرائيلية
اللافت في هذه الضربة أن الانتقاد لم يقتصر على دمشق، بل جاء أيضًا من واشنطن. ووصف المبعوث الأميركي توم براك الغارات الإسرائيلية على أبو الظهور بأنها “تصعيد غير ضروري” لا يخدم جهود تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وقال باراك عبر منصة “إكس” إن حكومة الرئيس أحمد الشرع لم تتبنَّ موقفًا عدائيًا، ولم تحتفظ بقوات للقتال بالوكالة، مؤكدًا أنها شددت مرارًا على تفضيل خفض التصعيد مع إسرائيل.
وأضاف أن واشنطن استضافت وستواصل استضافة محادثات بهدف تشجيع المسار الدبلوماسي بدلًا من الخيارات العسكرية، داعيًا الأطراف إلى إعطاء الأولوية لضبط النفس والحوار.
“بهدف منع الانتشار التركي”.. غارات إسرائيلية تستهدف مطار أبو الظهور العسكري في سوريا#الأخيرة @ahmedkhair pic.twitter.com/Kxu16ARyHM
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 18, 2026
بالتوازي مع التصعيد العسكري، تحركت الاتصالات الإقليمية، وبحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية نقلتها وكالة الأناضول، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالًا بنظيره السوري أسعد الشيباني، تناول آخر تطورات المنطقة.
وجاء ذلك بالتزامن مع اتصال آخر أجراه فيدان مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، من دون إعلان تفاصيل إضافية بشأن مضمون المحادثات المتعلقة بسوريا.
من جهتها، دانت قطر بشدة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور، معتبرة أنها انتهاك صارخ لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، ومخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقالت وزارة الخارجية القطرية إن استمرار إسرائيل في انتهاك سيادة دول المنطقة من دون رادع يمثل نهجًا خطيرًا لفرض الأمر الواقع بالقوة.
رسالة إسرائيل إلى دمشق وأنقرة
تأتي ضربة أبو الظهور ضمن سياق أوسع بدأ منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، إذ نفذت إسرائيل منذ ذلك الحين ضربات عديدة استهدفت مواقع عسكرية داخل سوريا، في محاولة لمنع إعادة بناء قدرات عسكرية تعتبرها تهديدًا لأمنها.
لكن استهداف مطار يجري الحديث عن إعادة تأهيله، عقب زيارة عسكرية تركية، يرفع مستوى الحساسية، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بما تبقى من ترسانة النظام السابق، بل باتت ترتبط بمستقبل البنية العسكرية للدولة السورية الجديدة، وحدود الدور التركي فيها، والقواعد التي تريد إسرائيل فرضها بالقوة على هذا المسار.
ويبقى السؤال الأوسع مرتبطًا بحدود السياسة الإسرائيلية داخل سوريا: هل تتجه حكومة بنيامين نتنياهو إلى تثبيت حرية حركة عسكرية مفتوحة داخل الأراضي السورية، حتى عندما تتعارض بعض ضرباتها مع مسار خفض التصعيد الذي تقول واشنطن إنها تعمل على دعمه؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية مع استمرار التحركات الدبلوماسية الأميركية والإقليمية الهادفة إلى منع اتساع رقعة التوتر.
ما هي رسائل إسرائيل؟
وفي هذا الإطار، أوضح مراسل “العربي الجديد” داخل الخط الأخضر نايف الزيداني أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وإن لم تُذكر أسماؤهم، والتي نقلتها وسائل إعلام عبرية، تشير إلى أن الرسائل موجّهة بالأساس إلى تركيا.
وأضاف أن ما قامت به إسرائيل يندرج ضمن عقيدتها الأمنية التي كثّفتها في السنوات الأخيرة، حيث اعتادت إرسال رسائل إلى دول وأطراف على خلاف معها، لكن دائمًا بقدر كبير من الحذر.
وبيّن أن هذه الرسائل في الحالة الراهنة موجّهة جزئيًا إلى تركيا، وجزئيًا إلى سوريا، فيما يبقى الهدف الأساسي ـ وفق قراءات متعددة ـ هو الحفاظ على ما تصفه إسرائيل بـ حرية عمل سلاح الجو في المنطقة.
دبلوماسية ”ضبط النفس“.. لماذا تفضل دمشق حشد الحلفاء على الرد العسكري ضد إسرائيل؟#الأخيرة@ammarfarhod@ahmedkhair pic.twitter.com/STl7Iq657n
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 18, 2026
من جهته، أوضح الباحث في الشأن الأمني وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود أن الحكومة السورية عبّرت، عبر وزير الخارجية في بيانه الأخير، عن تفضيلها استخدام الأدوات الدبلوماسية في مواجهة التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية، معتبرة أن هذا الخيار يوجّه رسالة بأن الضربات لا تستهدف الأمن السوري والمؤسسات السيادية فحسب، بل تهدد أيضًا حالة تشاركية إقليمية يجري بناؤها بين الولايات المتحدة وتركيا وسوريا الجديدة ودول أخرى في المنطقة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من حلب، أضاف فرهود أن دمشق تسعى إلى إشراك أكبر قدر ممكن من الحلفاء الإقليميين والدوليين عبر المسار الدبلوماسي، إذ ترى أن الخيار العسكري قد يحدّ من تدخل هؤلاء الحلفاء في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
وأوضح أن تعذّر استخدام الأدوات العسكرية السورية في الوقت الراهن يعود إلى أن المؤسسة العسكرية ما زالت في طور إعادة البناء، مشيرًا إلى أن استهداف مطار أبو ظهور يحمل دلالات مهمة، خاصة مع إعادة تهيئته وبدء القوة الجوية السورية تنفيذ طلعات تجريبية لإظهار عودتها التدريجية.
وبيّن أن هذه الضربات تأتي أيضًا كرسالة مباشرة إلى سلاح الجو السوري الذي بدأ بإعادة تأهيل المطارات، بالتعاون مع روسيا عبر استخدام مطار حميميم لأغراض تدريبية، وتنفيذ طلعات فوق مناطق عدة أبرزها إدلب.
وختم فرهود بالقول إن مجمل هذه السياقات تدفع الحكومة السورية إلى الاعتماد على الأدوات الدبلوماسية في المرحلة الحالية، نظرًا لعدم كفاية القدرات العسكرية، ولإمكانية حشد الحلفاء في معركة سياسية ودبلوماسية أكثر من معركة عسكرية مفتوحة.
.jpg)