![]()
بقلم : أ صفاء الزين
إن دعوة البرهان للإعلاميين الذين يدورون في فلك الكيزان جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، فخياراته السياسية تضيق، ومحاولات إنتاج شرعية جديدة عبر الحوار تواجه عقبات، بينما تتزايد الضغوط الخارجية على شخص البرهان وسلطته، لذلك لم يعد الإعلام بالنسبة إليه مساحة لنقل الأحداث، ولكن أداة لإدارة الأزمة وصناعة رواية تحمي السلطة من كلفة الأسئلة السياسية المتصاعدة والملاحقات الأخلاقية المتتالية، واستدعاء هذه الأصوات تحديدًا يعني أن البرهان يريد معركة إعلامية منظمة، قادرة على تعبئة الجمهور وتحويل الضغوط الواقعة عليه إلى معركة سياسية ضد خصومه.
في مقدمة هذه الضغوط يقف ملف الأسلحة الكيميائية شاخصاً، واللافت أن بعض هذه الأصوات اختارت إنكار وجود الملف والتشكيك فيه عوضًا عن مساءلة ما ورد حوله والتحقيق في الوقائع، وهنا تكشف المعركة الإعلامية وظيفتها الحقيقية هي حماية الرواية السياسية قبل أن تتحول القضية إلى سؤال عن المسؤولية، فإنكار وجود الكيماوي لا يجيب عن الأسئلة التي أثارها الملف، ولا يلغي ما يتردد حوله من معلومات وتحركات دولية، والسؤال الذي يفترض أن يشغل الإعلام هو “ماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية؟”، أما تحويل القضية إلى حملة إنكار وهجوم، فهو دفاع عن السلطة أكثر منه بحثًا عن الحقيقة.
لهذا فإن اجتماع البرهان بالإعلاميين أمس يمكن قراءته كمحاولة أخيرة لإعادة بناء جبهة سياسية وإعلامية حوله في مواجهة أزمة تتجاوز الحرب نفسها، فالبرهان الذي يريد الظهور كرجل دولة يجد نفسه محتاجًا إلى أصوات موالية تدافع عنه في أكثر الملفات حساسية التي ستجعل منه “مجرم حرب”، وهذه مفارقة سياسية كاشفة، فكلما ضاقت مساحة البرهان السياسية، ازدادت حاجته إلى أدوات التعبئة القديمة، لذلك فالصور التي ظهر فيها الإعلاميون وهم يحتفون به لا تعكس قوة سياسية بقدر ما تكشف حاجة متبادلة؛ سلطة تبحث عمن يحرس روايتها ويحمي رأسها، وأصوات تعرف أن نفوذها يرتبط ببقاء هذه الرواية.
إن السلطة التي تحتاج إلى شبكة إعلامية منتقاة كي تدافع عن روايتها في أكثر الملفات حساسية تكشف مقدار هشاشتها أكثر مما تثبت تماسكها، فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالتصفيق ولا تُدفن بالإنكار، وإنما بالوقائع والأدلة والمساءلة، وإذا اختار البرهان أن يواجه الأسئلة السياسية والقانونية بحشد الأصوات الموالية للبشير قبل أن تواليه، فسوف يربح ضجيجًا مؤقتًا ويخسر ما هو أثقل: الثقة، والشرعية، والقدرة على إقناع الداخل والخارج بأن سلطته تملك جوابًا يتجاوز الدعاية.
ظهرت المقالة إعلاميو الكيزان في فلك البرهان أولاً على السودانية نيوز.