![]()
بين الاتصالات الأمنية والتوغلات العسكرية، تبدو العلاقة بين دمشق وتل أبيب محكومة بمفارقة يصعب تجاهلها؛ ففي الوقت الذي تراهن فيه سوريا على الدبلوماسية والوساطة الأميركية للتوصل إلى اتفاق أمني يوقف الهجمات الإسرائيلية ويمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية داخل سوريا.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول ما الذي تحقق فعليًا من جولات التفاوض والاتصالات المباشرة؟ وعلى ماذا تراهن دمشق في استمرارها رغم غياب الثقة واستمرار التصعيد؟ وهل يمكن أن تقود هذه القنوات إلى اتفاق أمني ثابت، أم أنها تتحول إلى مسار طويل بلا نتائج حاسمة؟
اجتماع أمني بين مسؤولين سوري وإسرائيلي
وقال مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية لوكالة الأنباء السورية “سانا”، إن وفدًا سوريًا رفيع المستوى، برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني وعضوية رئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية، عقد الأحد اجتماعًا مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى، بوساطة أميركية واستضافة أردنية.
وأوضح المصدر أن الاجتماع جاء في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، في أعقاب القصف الإسرائيلي الأخير على الأراضي السورية وتصاعد التوترات في جنوب سوريا، إلى جانب بحث سبل دعم الاستقرار في سوريا والمنطقة.
وتركزت المناقشات على وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، إلى جانب إحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساسًا لاتفاق أكثر شمولًا في المستقبل.
وأكد الجانب السوري خلال الاجتماع أن سوريا دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره، وتحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، مشددًا على رفض أي ترتيبات أو آليات من شأنها تقييد حقوقها السيادية.
كما جددت سوريا موقفها القائل إن الجولان المحتل أرض سورية، مشيرة إلى أن مناقشة وضعه النهائي والمسار المؤدي إلى ذلك لا تزال سابقة لأوانها في المرحلة الراهنة.
وأوضح المصدر أن الأولوية المباشرة تتمثل في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل.
مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية لـ سانا:
▪ عقد وفد سوري رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية، وضم رئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية، اليوم الأحد، اجتماعاً مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى، بوساطة أمريكية واستضافة أردنية، في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في أعقاب القصف… pic.twitter.com/XHShUU0arv
— الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا (@Sana__gov) August 23, 2026
وتناولت المباحثات كذلك أهمية دعم استقرار سوريا والحفاظ على أمن المنطقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل، وضمان عدم انعكاس التوتر القائم بين البلدين على الأراضي السورية.
وأكد الاجتماع أهمية اتخاذ خطوات عملية لخفض التصعيد، بالتوازي مع بحث سبل العودة إلى مسار التفاوض، مع تشديد سوريا على أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تحترم سيادتها ووحدة أراضيها وحقوقها السيادية.
وفي وقت سابق، نقل موقع “أكسيوس” عن مصدرين مطلعين أن اجتماعًا عُقد، الأحد، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان.
وبحسب الموقع، تناول الاجتماع سبل خفض حدة التوتر بين سوريا وإسرائيل، وذلك عقب قصف إسرائيلي استهدف قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب قبل أيام.
ماذا تريد سوريا من المفاوضات؟
في الواقع، استمرت قنوات الاتصال والتفاوض بين دمشق وتل أبيب خلال الأشهر الماضية، إذ جرت اتصالات بوساطة أميركية، كما التقت وفود رسمية من الجانبين بشكل مباشر وعلني.
ومن أبرز هذه اللقاءات اجتماعات عقدها وزير الخارجية السوري مع مسؤولين إسرائيليين في باريس، من بينهم وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.
وركزت المفاوضات على بحث ترتيبات الوضع العسكري في جنوب سوريا، وتسعى دمشق من خلالها إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها انسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، ووقف الضربات والتوغلات العسكرية، واحترام السيادة السورية والمجال الجوي للبلاد، بالإضافة إلى احترام السيادة والمجال الجوي للبلاد والعودة إلى إطار قريب من اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
لكن ماذا حققت هذه الاتصالات فعليًا، في ظل تأكيد القيادة السورية أن المسار التفاوضي لا يعني تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
في السادس من يناير/ كانون الأول الماضي، أعلنت الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل التوصل إلى تفاهم بشأن إنشاء قناة اتصال أمنية مباشرة بين دمشق وتل أبيب، بهدف استمرار التنسيق في عدد من الملفات، وفي مقدمتها القضايا الأمنية وتبادل المعلومات والعمل على منع التصعيد العسكري.
ورغم جولات التفاوض والاتصالات الأمنية واللقاءات المباشرة بين دمشق وتل أبيب، لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ، إذ يواصل الجيش الإسرائيلي توغلاته وعملياته العسكرية في الجنوب وقصفه مناطق عدة في البلاد، إلى جانب استمرار سيطرته على الأراضي التي احتلها بعد سقوط نظام الأسد.
دمشق وتل أبيب.. مفاوضات لخفض التصعيد أم مسار طويل بلا اتفاق؟#الأخيرة pic.twitter.com/xA5Ywd4otr
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 23, 2026
وتزعم إسرائيل أن ما تفعله ضروري لمنع نشوء أي تهديد عسكري على حدودها الشمالية، ولإبعاد ما تعتبره مخاطر محتملة عن تجمعاتها وسكانها في الجولان والمناطق الحدودية.
وهذه المزاعم تكذبها الوقائع على الأرض، إذ نفذت إسرائيل عددًا من عمليات القصف في مناطق سورية بعيدة تمامًا عن الحدود بين الجانبين، آخرها قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي شمالي سورية، بحجة أن الجانب التركي كان يستعد لنصب رادار ومنظومات دفاع جوي، وهو الأمر الذي نفته أنقرة.
إسرائيل تضع شروطًا لأي اتفاق مع سوريا
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، لم يخفوا توجهاتهم بالبقاء في الأراضي السورية إلى أجل غير مسمى إلى جانب البقاء في غزة وجنوب لبنان.
وفي ظل هذا الواقع تبرز تساؤلات عدة بشأن الأسباب التي تدفع المسؤولين السوريين إلى الاعتقاد بإمكانية التوصل لاتفاق أمني ثابت وراسخ مع الجانب الإسرائيلي يحقق كافة مطالب دمشق بشأن وقف كافة أشكال العدوان الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية أوصت بوضع مجموعة من الشروط التي لا يمكن التنازل عنها ضمن أي اتفاق مع سوريا.
وتشمل هذه الشروط، بحسب القناة، منع وجود موطئ قدم تركي تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، ونزع السلاح من منطقة الجولان، ومنع الجيش السوري من امتلاك أسلحة استراتيجية، إلى جانب ضمان أمن الدروز.
كما تتضمن المقترحات الإسرائيلية أن يكون أي انسحاب من المنطقة العازلة مرتبطًا بتحقيق تقدم سياسي.
لماذا تتمسك دمشق بالمسار الدبلوماسي؟
في معرض الرد على سؤال حول ما الذي حققته سوريا من خلال اللقاءات والاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، أوضح عضو مجلس الشعب السوري حسن الدغيم أن التعامل مع العدوان الإسرائيلي المتكرر يُعد أبرز التحديات أمام سوريا الجديدة.
وأكد في حديثه للتلفزيون العربي من دمشق أن سوريا تنظر إلى هذه الاعتداءات من زاوية واقعية، إذ أعلنت منذ البداية أنها لا تنوي الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، باعتبار أن الأخيرة كيان مدعوم من قوى دولية كبرى، وبالتالي فإن الخيار المتاح أمام سوريا هو الاعتماد على المسار الدبلوماسي.
هل تراهن دمشق على الدبلوماسية والمصالح الأميركية لاحتواء التصعيد الإسرائيلي؟#الأخيرة@Hasan_Dagim pic.twitter.com/JPMFyYUqk1
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 23, 2026
وعن الضغوط الأميركية، شدّد دغيم على أن ما يظهر للعلن يشير إلى أن واشنطن تمارس ضغوطها على تل أبيب أكثر مما تضغط على دمشق، لافتًا إلى أن المسؤولين الأميركيين حذّروا إسرائيل مرارًا من أن استمرارها في الاعتداء على الأراضي السورية يهدد شرعية المرحلة ويحوّل المنطقة إلى ساحة فوضى، وهو ما لا يصب في مصلحتها بعد أزماتها في غزة وجنوب لبنان.
وبيّن دغيم أن الحديث عن ضغوط أميركية على دمشق غير واقعي، متسائلًا: “ما الذي يمكن أن تطلبه واشنطن من سوريا؟ أن تصبر وتسمح لإسرائيل بانتهاك سيادتها؟ هذا أمر غير منطقي”.
وأكد أن سوريا لا تنظر إلى إسرائيل ككيان مستقل، بل كأداة مدعومة من قوى دولية، مشددًا على أن دمشق لا تثق بها إطلاقًا وتعتبرها كيانًا غادرًا.
