![]()

د. عبد الوهاب همت
تتحلى بشخصية مهذبة جادة أقرب إلى الصرامة عندما تشاهدها من على البعد، لكن عندما تقترب منها وتتعرف عليها تزول تمامًا فكرة أنها صارمة، وتكتشف جديتها ومثابرتها وإصرارها على الاقتحام، ومن سمات الصحافي الناجح الشجاعة والاقتحام دونما تلكؤ أو لجلجة.
كان لقائي الأول بها في مدينة جوبا عروس جنوبنا الحبيب، وعندها كانت مفاوضات السلام التي رعتها تلك المدينة عند منتصفها، ووتائر الأمور تعلو وتهبط، وتترنح تكاد أن تصل إلى نهايات غير سعيدة، وكل أهل الإعلام يحاولون حشر أنوفهم عبر ما هو متاح من منافذ صغيرة عَلَّها تقود إلى رأس خيط رفيع يوصل إلى شيءٍ ما، وهذا النوع من التسريبات التي قد تطمئن أحيانًا وتفزع في أحايين كثيرة لا يتوافر للكل، إنما لمن يعرفون المداخل الآمنة والكواليس الخفية، وهنا تسطع أنجم أهل الإعلام النجباء، فبينما يتبادل الغالبية أطراف الحديث والتكهنات، يختفي البعض اختفاءات تترك علامات استفهام، وهنا تسطع نجومية الإعلامي الشاطر كي ينتزع تصريحًا في جُبّ صمت المكان، أو خبرًا مدويًا يعيد وضع الحسابات المبعثرة في مكانها الصحيح، وفطناء الإعلام أكثرهم يتحلون بالقلق الصامت.
من أكتب عنها هذه الكُليمات البسيطة من النوع الأخير الذي وصفته، إذ عملت بمهنية عالية وحازت على احترام غالبية من كانوا هناك.
أي وصف عنها سيكون غير مكتمل وأي كلمات عنها ستكون قاصرة في حقها، ولكن فليكن على طريقة المثل السوداني (الكُحة ولا صمة الخشُم)، ورغم أن كلمة الخشم مستخدمة في غير مكانها سودانيًا لكنها سارت ليصبح الخشم هو الفم (وما لي دخل في ذلك).
لا الصدفة ولا الحظ يمكنهما أن يخدما الشخص على التوالي، ولأدلل على قولي فقد فازت (بت إبراهيم) بجائزة محمد عيسى الشرقاوي للتغطية الخارجية ضمن جوائز الصحافة المصرية (دورة محمود عوض للعام ٢٠٢٦) والجائزة مقدمة من نقابة الصحافيين المصرية.
وفي خواتيم شهر سبتمبر المنصرم وشحت (بت إبراهيم) صدرها بالجائزة التشجيعية لمؤسسة هيكل للصحافة العربية للعام الحالي ٢٠٢٦، وهذا يعني أن هذه الشابة قد غرست أرجلها بعمق وثبات في قلب الصحافة المصرية، وهو موضع لا يلج إليه إلا من تسلح بدرجة مشير.
الجائزة المخصصة باسم مؤسسة هيكل حازت عليها (بت إبراهيم) نتيجة تميزها بعد أن اقتحمت بشاعة معسكرات النازحين في السودان فوجدت القبول المرجو من النازحين وعاشت فيما بينهم ما جعلها تخرج بحصيلة إعلام دسمة.
العمل في معسكرات النازحين ليس بالأمر السهل ويحتاج لأنواع مختلفة من التعامل والتعاون وخلق قنوات التواصل مع المسؤولين، إضافة للنازحين أنفسهم.
عوالم الصحافة المصرية المتلاطمة الأمواج بتعددها وتنوعها ومدارسها،
فمن يأتيها بحمل خفيف لا يستمر كثيرًا، ومن يستعد لها فله الظفر والغلبة. أما العمل في أوساط معسكرات النازحين و(في السودان كمان) فهذا يعني للبعض أنه انتحار بقدر مساحة السودان، والبعض يعني له السودان الغول والعنقاء و(ود أم بُعُلو) وهو اسم موغل في العامية السودانية.
مصريون كثر السودان يعني لهم (الكون ذلك المجهول) وفيه المجاعات والأوبئة وووووو………. والسودانيين (طيبين) وفي الوصف تلميحات كثيرة لا تفوت على الفطناء.
(وبت إبراهيم دي بقت مننا وفينا) أو كما يقول المثل الذي لا يحتاج إلى شرح، ورغم أن ابن النيل هو المصري والسوداني هو (الزول) ساكت، هناك من أهل مصر من يولون الشأن السوداني اهتمامًا خاصًا، وكما قال الشاعر حسن عوض أبو العلا بعد أن أصيب بالشلل نتيجة ارتطامه بصخرةٍ صماء في عمق النيل (فيك يا مصر أسباب أزياي وفي السودان همي وعزايا).
فقد تغنّى الشاعر التقدمي المصري صلاح عبد الصبور للسودان بقصيدة (يا سمرا) والتي كتبها عند حضور للسودان لمؤتمر اللاءات الثلاث في العام ١٩٦٧، وقد تغنّى بهذه القصيدة المبدع السوداني الراحل المقيم سيد خليفة بعد أن أخرجها في قالب لحني بديع مضيفاً إليها بعضًا من ملامح موسيقى جنوب شرق آسيا وما يتماشى مع (السامبا والرُمبا التانجو سوينجو).
يقول نص القصيدة:
ولا السامبا ولا الرُّمبا تساويها
ولا التانجو ولا سوينجو يُدانيها
ولا دَقٌّ لدى العُربانِ يومَ الثأرْ
ولا رقصُ الهنود الحمر حول النارْ
ولا هذي ولا تلكَ
ولا الدنيا بما فيها
تساوي رقصة الخرطومِ يومَ النصر يا سمرا
أيا قَدَرَان في مجرَى
تبارك ذلك المجرَى
فيُمناهُ على اليسرى
ويسراهُ على الأخرى
فهذا الأزرق العاتي تدفَّقَ خالدًا حُرّا
وهذا الأبيض الهادي يضمُّ الأزرق الصدرَا
فلا انفصلا ولا انحسَرا
ولا اختلفا ولا اشتجرا
ولا هذى ولا تلكَ
ولا الدنيا بما فيها
تساوي ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمراء.
جمّل سيد خليفة الأغنية إذ أدخل عليها إيقاعًا حركيًا رباعيًا راقصًا على إيقاع حركي رباعي راقص يتماشى ومعاني كلماتها التي تذكر رقصات عالمية (كالسامبا والرمبا والتانجو)، مما أضفى على القصيدة جمالًا فوق جمالها وحيوية شديدة وحولها من قصيدة فصحى جادة إلى عمل استعراضي مسرحي مبهج بأدائه المتميز.
وإن تغنت كوكب الشرق أم كلثوم للشاعر السوداني الهادي آدم في ستينيات القرن الماضي فهذا يعني أن من كتبوا في الصحف المصرية من الشعراء والكتاب السودانيين كان لهم تأثيرهم الجزئي في الحياة الثقافية المصرية منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي من أمثال الفيتوري وخليل فرح والتجاني يوسف بشير ومحمد سعيد العباسي وتاج السر الحسن ومحيي الدين فارس وجيلي عبد الرحمن وحمزة الملك طمبل.
أما الشاعر المصري إبراهيم رجب والذي عاش في السودان فقد كتب بقلم صادق (بلد أحبابي) “يا وطني يا بلد أحبابي في وجودي أحبك وغيابي/ يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان/ طول عمري ما شفت مثالك في أي مكان/ أنا هنا شبيت يا وطني”.
ولأن المقام مقام احتفاء بالأستاذة سمر إبراهيم فلن يسمح المكان بالإبحار أكثر من هذا.
للصحافية الباذخة سمر إبراهيم كل التهاني والتبريكات لأنها مشروع لصحافي عملاق قادم في دنيا الصحافة.
التبريكات للأستاذة سمر إبراهيم والتي ناسبتنا لتصير (سمر السمراء) لها ولزوجها الزول الأخو ومزيد من النجاحات والثمر الطيب يا سمر.
و(تتسهل عليك محل ما تقبلي).