![]()
شكّلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، التي كان اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أريئيل شارون باحات المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول 2000 شرارتها المباشرة، إحدى أبرز المواجهات بين الشعب الفلسطيني في الداخل ودولة الاحتلال. تخللتها مراحل دموية مسلحة، واستخدام وحشي للعنف الاستعماري الإسرائيلي، أسفر عن استشهاد وإصابة آلاف الفلسطينيين، فيما قتلت العمليات الفلسطينية أكثر من ألف إسرائيلي. [1]
تولت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مسؤولية مركزية، ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية بما فيها الجيش كذراع تنفيذي، في معركة إسرائيل ضد الانتفاضة الفلسطينية؛ بما لها من مهمات في جمع المعلومات، وتحديد الأهداف، والسعي لإحباط العمليات، وتفكيك الخلايا، واغتيال القيادات والنشطاء أو اعتقالهم، وتجنيد المصادر البشرية (العملاء) وغيرها.
واجهت الاستخبارات الإسرائيلية، خاصة جهاز “الشاباك”، وضعًا معقدًا في المعركة مع التنظيمات الفلسطينية، التي نفذت سلسلة من العمليات الفتاكة في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، ومدن وتجمعات الداخل، وأسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف الإسرائيليين.
مجتمع الاستخبارات.. تعددية الأجهزة والتنافسية
تستلزم محاولة فهم العوالم الفكرية والعملانية للاستخبارات الإسرائيلية خلال انتفاضة الأقصى، العودة إلى أساسيات تتعلق بطبيعة الأجهزة وتقسيماتها وانقساماتها.
يضم ما يُعرف في الأدبيات بـ”مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي” أجهزة أساسية، منها “الشاباك” [2]، المسؤول عن الأمن الداخلي، والذي يتولى في الساحة الفلسطينية محاربة التنظيمات ومنع العمليات وملاحقة المناضلين وتجنيد المصادر البشرية (العملاء)، إلى جانب مكافحة التجسس وغيرها من المهمات. ويضم أيضًا جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان” التابع للجيش [3]، الذي لا تقتصر مهماته على جمع المعلومات عن الجيوش والقوى المعادية، إذ يقدم تقارير ودراسات بحثية حول موضوعات اجتماعية واقتصادية وسياسية مرتبطة بالمجتمعات العربية والإسلامية، ويكتب تقديرات موقف للمستوى السياسي. وفي طليعة مهماته توجيه إنذار باحتمالات وقوع الحرب أو تنفيذ عمل تعدّه إسرائيل “عدائيًا”.
ينضم إلى المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي جهاز “الموساد” [4]، المسؤول عن الاستخبارات والعمليات الخارجية، وأجهزة أخرى بينها قسم تابع لوزارة الخارجية مختص بتقديم المعلومات وتقديرات الموقف، وجهاز استخباراتي تابع للشرطة، وآخر لإدارة السجون. لكنها لا تحظى بالنفوذ نفسه الذي تتمتع به الأجهزة الثلاثة الرئيسية في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وفي علاقاتها بالحكومة وتحديد التوجهات الأمنية.
سجل التاريخ الاستخباري الإسرائيلي تنازعات على تقاسم النفوذ بين هذه الأجهزة، عززها اشتراكها في متابعة ملفات مترابطة، وغياب مظلة مؤسسية موحدة تدير عملها على غرار نماذج قائمة في دول أخرى. وفي الملف الفلسطيني، خلال مرحلة الانتفاضة وما قبلها، تقاسم “الشاباك” و”أمان” مسؤوليات مع الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى في العمليات ضد الفلسطينيين وتنظيماتهم. [5] ورغم أن الرواية الإسرائيلية تعزو ما تسميه “نجاحها” في محاربة القوى الفلسطينية خلال الانتفاضة إلى التنسيق “العالي” بين هذه الأطراف، تكشف مذكرات ومقابلات مع ضباط كبار سابقين عن تنازعات وصلت في مراحل إلى قطيعة بين رؤساء الأجهزة. [6]
في التسعينيات، وقّع “الشاباك” و”أمان” ترتيبات لتقاسم المهمات الاستخباراتية في الساحة الفلسطينية، عُرفت في الأدبيات الإسرائيلية بـ”الماغنا كارتا”، في سياق التغييرات التي أعقبت قيام السلطة الفلسطينية. تولى “الشاباك” متابعة التنظيمات وأجهزة الأمن الفلسطينية، فيما شملت مهمات “أمان” البحث في القدرات الأمنية والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ونصت الوثيقة الثانية عام 1998 على مسؤولية متوازية للجهازين عن تقديم إنذار بشأن اندلاع عنف واسع النطاق في الساحة الفلسطينية. [7]
اللامتوقع في سيناريو متوقّع
لم يكن اندلاع انتفاضة بهذه الضخامة، واستمرارها لسنوات، متوقعًا على النحو الذي حدث لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، رغم أن المنظومة الأمنية والعسكرية أدرجت احتمال وقوعها في سيناريوهات سابقة. حاولت هذه المنظومة تكييف نفسها بما يسمح لها بضرب البنى العملياتية والتنظيمية للفصائل الفلسطينية، التي قامت في حالات متعددة على خلايا موزعة تقودها أجسام تنظيمية، قد تكون قياداتها مجهولة للاستخبارات أو تلجأ إلى التخفي. وانتقلت المواجهة من مرحلة إلى أخرى، بين إخفاقات وما تصفه إسرائيل بنجاحات في الوصول إلى قيادات وكوادر وتدمير بنى عسكرية وأمنية فلسطينية. غير أن حملة الاغتيالات طالت أيضًا قيادات مدنية وسياسية، وتسببت بمجازر وقع ضحيتها أطفال ونساء.
شكّل جهاز “الشاباك“، عقب الفشل الاستخباراتي في توقع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قسمًا للأبحاث مختصًا بإجراء دراسات عن المجتمع الفلسطيني والتنظيمات وتقديمها للحكومة الإسرائيلية. [8] وتزاحمت في الحيز الاستخباري أجهزة تشاركت الاهتمامات نفسها. كانت التعددية البحثية من التوجهات التي دفعت إليها لجنة أغرانات بعد تحقيقها في أسباب الفشل قبيل حرب 1973، انطلاقًا من أن تعدد قنوات التحليل والتفسير يحدّ من احتكار الاستخبارات العسكرية لتقديم التقدير والإنذار، ويفتح أمام صناع القرار حزمة من الآراء تبعدهم عن التشبث بمفهوم واحد. [9]
أجرت قيادات الجيش الإسرائيلي تمارين يُطلق عليها في العرف العسكري “ألعاب الحرب” [10]، تعاملت فيها مع سيناريوهات مختلفة في الساحة الفلسطينية، بينها اندلاع انتفاضة بتوجيه من السلطة الفلسطينية، وتحديدًا الرئيس ياسر عرفات. دفع انخراط عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في اشتباكات هبّة النفق عام 1996 مسؤولين أمنيين وعسكريين إسرائيليين إلى ترجيح تجدد المواجهة، انطلاقًا من قناعات مسبقة بأن القيادة الفلسطينية تريد تفجير الأوضاع لتحقيق أهداف سياسية. عبّر عن هذا الرأي صراحة موشيه يعالون، الذي ترأس الاستخبارات العسكرية قبل الانتفاضة، ثم أصبح رئيسًا للأركان خلال سنواتها. [11]
قاد يعالون الاتجاه الأمني والعسكري المتبني لرواية أن الرئيس عرفات هو من يقود الانتفاضة، والداعي إلى الحرب على السلطة الفلسطينية، في مقابل اتجاه آخر داخل “الشاباك” رأى أن الانتفاضة أفلتت من يد القيادة الفلسطينية ولم تعد تسيطر عليها. لاحقًا، اتجه شارون، بعد توليه رئاسة الحكومة، إلى توسيع الحرب على السلطة ومحاصرة مقر المقاطعة.
ياسر عرفات خلال لقاء في مقره المحاصر برام الله في 18 أبريل 2002 – غيتي
توقع الأمن الإسرائيلي، وفق روايته في الوثائق المتاحة، احتمال اندلاع الانتفاضة، لكن شدتها وحجم العمليات والخسائر تجاوزت التقديرات، كما يقر عدد من الضباط. وكان أحد التصورات السائدة أن عرفات حرّك الانتفاضة للضغط على إسرائيل، قبل العودة إلى التفاوض لتحقيق إنجازات بعد خيبة الأمل في مفاوضات “كامب ديفيد”. يكشف ذلك أن المعرفة المسبقة ورسم السيناريوهات قد لا يكفيان أمام سيولة الواقع، وما ينتج عن دخول جهات وأطراف متعددة إلى ساحة واحدة.
في حالة الانتفاضة، اجتمعت في الساحة الفلسطينية تنظيمات ذات أيديولوجيات مختلفة، وتعددت داخل حركة فتح الآراء والمواقف من العمل العسكري. [12] وانخرط كوادر وقيادات منها في عمليات مشتركة مع فصائل ساد الخلاف معها لسنوات طويلة، على رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وأجهزتهما العسكرية. يعزز هذا المسار أهمية فهم الواقع الاجتماعي إلى جانب السياسي؛ إذ قد تكون العلاقات الاجتماعية داخل فلسطين، أحيانًا، عاملًا أقوى في تشكيل التحالفات الميدانية من الاختلافات الأيديولوجية.
بنت أجهزة الأمن والاستخبارات والجيش في إسرائيل تصورات وأفكارًا في مرحلة ما قبل الانتفاضة. وإذا استُعير لها تعبير “المعرفة القبلية”، فلا بد من التمييز بين هذا الاستخدام المجازي ومفهومه لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يحيل إلى معرفة مستقلة عن التجربة، لا إلى معلومات وخبرات سابقة عنها. [13] المقصود هنا تصورات لم تكن خالية من تحيزات الضباط والمسؤولين. ويصلح يعالون مثالًا بارزًا؛ إذ حاجج بأن رأيه في نوايا عرفات يستند إلى معرفة بالفلسطينيين والعرب تتفوق على معرفة زملائه. وذهب، وفق قراءته، إلى أن القيادة الفلسطينية لم تتخلّ، حتى عند دخولها عملية التسوية، عن طموح تدمير إسرائيل، زاعمًا أن هذا هو الرأي الشعبي السائد في المجتمع الفلسطيني. [14]
دخلت الاستخبارات الإسرائيلية مواجهة الانتفاضة وهي تملك معرفة سابقة بجزء كبير من الكوادر والبنى التنظيمية والسياسية الفلسطينية والأجهزة الأمنية. وفي مقدمتها “الشاباك”، الذي اتسع عمله في الساحة الفلسطينية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. كانت مهماته قبل ذلك تتركز في ما يسميه “مكافحة التجسس” وملاحقة فلسطينيي الداخل، مع ارتباطات سياسية بحزب “ماباي” بقيادة ديفيد بن غوريون، قبل إجراء إصلاحات على الجهاز. [15] تراكمت لدى “الشاباك”، بفعل عمله الطويل ضد الفلسطينيين، معلومات وبيانات من المراقبة والاعتقالات والتحقيقات.
يمكن استخلاص بعض ملامح هذا العمل من مقابلات القادة السابقين، مع الانتباه إلى أنهم قد يخلطون الوقائع بتصوراتهم، وينشرون روايات انتقائية في ظل رقابة على ما يكشفونه. يعتمد “الشاباك” في عمله ضد المجتمع الفلسطيني على تقسيمات مختلفة، بينها التقسيم المناطقي أو القطاعي؛ إذ يتولى كل ضابط متابعة منطقة، قد تكون قرية أو عدة قرى أو مخيمًا أو أحياء داخل مدينة، ويشرف عليه مسؤولون أعلى رتبة. وتشمل مهمته التواصل مع المصادر البشرية (العملاء). ولتركيز المراقبة على مفاصل محددة، قد يتجه الاهتمام إلى أفراد تنظيم معين، أو مكان جغرافي، أو شخصية ومحيطها. [16]
تعمل المنظومة الأمنية والاستخباراتية عادة على تحويل الخبرات المتراكمة إلى قواعد توجه الضباط والكوادر خلال المهمات الوقائية أو الهجومية. لكن من معضلات العمل الاستخباراتي الخلط بين امتلاك المعلومة وفهمها؛ إذ قد تحرف المعلومات المتدفقة، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل والشبكات الرقمية، نظرة الأجهزة عن النقطة المركزية نحو مسارات مضللة. وقد واجهت الاستخبارات الإسرائيلية هذه المعضلة في محطات متعددة، من أبرزها الإخفاق الذي كشفه هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
تركز عمل الاستخبارات الإسرائيلية في مواجهة انتفاضة الأقصى أساسًا على المستوى التكتيكي؛ أي العمليات اليومية والميدانية لإحباط العمليات الفلسطينية، وضرب القيادات والخلايا، وتفكيك التنظيمات، خاصة العسكرية منها. وكان للضباط المسؤولين عن المناطق دور مركزي في سباق متلاحق مع الخلايا الفلسطينية لمنعها من تنفيذ العمليات. اعتمدوا على خبرات سابقة، وجولات دورية للتعرف إلى الطبيعة الاجتماعية والشخصيات البارزة في العمل الوطني، وعلى العملاء والمصادر البشرية، إضافة إلى الوسائل التكنولوجية التي يعدّ مسؤولون إسرائيليون استخدامها المكثف عاملًا مساعدًا في مواجهة الفلسطينيين. [17]
سعت المخابرات الإسرائيلية إلى تجنيد عملاء في المجتمع الفلسطيني، خاصة في الأوساط القريبة من التنظيمات والمطاردين وقيادات العمل العسكري والسياسي، بما يتيح تقديم إنذار مسبق بالعمليات، وخصوصًا التفجيرية التي مثّلت معضلة للحكومة الإسرائيلية. ويورد آفي ديختر، رئيس “الشاباك” خلال تلك الفترة، مثالًا عن متابعة تغير السلوك الشخصي: فقد يلاحظ عميل أن شخصًا لم يكن يعتني بمظهره أصبح فجأة حليق الذقن ومهتمًا بأناقته. وبحسب رواية ديختر، يستدعي ذلك المتابعة؛ فقد يكون مقبلًا على الزواج، وقد يُفسَّر التغير، إذا ترافق مع لقاءات بشخصيات تنظيمية، بوصفه مؤشرًا على التحضير لعملية. وهذا تفسير أمني للسلوك، لا قرينة حاسمة عليه.
رغم محاولة قادة الاستخبارات الإسرائيلية تقديم أنفسهم خبراء بالمجتمع الفلسطيني وعاداته وتقاليده، فإن آراءهم وتقديراتهم لا تخلو من نزعة استشراقية صادرة عن الحقل الأمني. وما يهم هنا أن هذه المعارف السابقة قد لا تحمي الضابط من التضليل في واقع شديد التعقيد. ومن أبرز الأمثلة قصة حسن أبو شعيرة من بيت لحم، الذي قتل عام 2001 الضابط يهودا أدري من الوحدة 504 التابعة لـ”أمان”، بعد استدراجه إلى لقاء، عقب شهور من العلاقة اعتقد خلالها الضابط أنه ضمن ولاءه. وقد أعاد وثائقي إسرائيلي تناول القضية وتفاصيلها. [18]
طورت التنظيمات الفلسطينية، بما لديها من خبرات، تكتيكات أمنية تقوم أساسًا على التخفي وبناء أشكال تنظيمية تحمي من الضربات الواسعة. [19] كان جزء من كوادر الانتفاضة وقياداتها قد خاض الانتفاضة الأولى، وتعرض بعضهم للاعتقال والمطاردة لسنوات. كما استقطبت التنظيمات شبانًا لم تكن لدى المخابرات الإسرائيلية معلومات كافية عن بعضهم، ونجحوا في تنفيذ عمليات أوقعت خسائر في الجيش الإسرائيلي.
لم يكن الوضع التنظيمي في الساحة الفلسطينية على صورة واحدة. فقد اعتمدت حماس، في مراحل ومناطق من الضفة الغربية، قيادة تشرف على خلايا صغيرة قد لا يعرف بعضها بعضًا، قبل أن تتبدل بنيتها تحت ضغط الملاحقة. [20] وحضرت أشكال العمل السري والخلايا أيضًا لدى الجهاد الإسلامي [21] والجبهة الشعبية [22] والجبهة الديمقراطية [23] ولجان المقاومة الشعبية [24]، مع اختلاف في التنظيم والانتشار بين فصيل وآخر. وتبنت مجموعات مسلحة تابعة لفتح هذا الأسلوب في جانب من عملها، خاصة خلايا كتائب شهداء الأقصى السرية. في المقابل، برز في مناطق أخرى، ولا سيما شمال الضفة، ظهور علني لقيادات ومجموعات مسلحة شاركت فصائل أخرى في التصدي للاجتياحات والتنسيق لعمليات مشتركة. كما شهد قطاع غزة تعاونًا ميدانيًا بين الفصائل. [25]
اختلف التفاعل العسكري مع الانتفاضة بين منطقة وأخرى وتنظيم وآخر. [26] وتشير دراسات في تطور المقاومة بالضفة إلى تريث خلايا من حماس في الخليل في مراحل مبكرة، مقارنة بخلايا انخرطت في شمال الضفة. وبعد الضربات الإسرائيلية للخلايا والكوادر في الشمال، استمر نشاط خلايا في الخليل لسنوات لاحقة. [27]
وصل عدد المطاردين إلى المئات، ونجح بعضهم في الإفلات من الاستخبارات الإسرائيلية لسنوات. ولم تتمكن من كشف بنى مجموعات وخلايا إلا بعد ملاحقات طويلة واعتقالات واغتيالات، خاصة أن المجموعات الفلسطينية اعتمدت أساليب بسيطة تقنيًا يصعب على أدوات المراقبة الرقمية رصدها، من الأسماء الحركية وإخفاء الهوية إلى وسائل اتصال غير مباشرة. أمام هذه التعقيدات، تصلح المعرفة السابقة أساسًا للعمل الاستخباراتي، لكنها لا تكفي وحدها، بسبب التحولات المستمرة في الواقع واتساع نطاق المواجهة.
هنا تحضر معضلة في تاريخ الاستخبارات:
هل المعرفة الاستخباراتية مجرد بيانات تصل إلى المشغّل الميداني، ثم إلى قياداته والمحللين، ويُتخذ بناء عليها الإجراء اللازم؟ أم أن لها سمات المعرفة العلمية، بما يفرض إخضاعها لقواعد الفحص والتحقق؟
في هذا السياق، حاول إسحاق بن إسرائيل، الضابط السابق في استخبارات سلاح الجو والباحث في فلسفة العلوم والتكنولوجيا، مع آخرين، اشتقاق منهج للاستخبارات من فلسفة العلم، بعد صدمة الفشل في توقع الهجوم المصري والسوري عام 1973. [28] لكن “غير المتوقع” بقي يهز هذه الأجهزة [29]، رغم سنوات من الاجتهادات واللجان، خاصة أنها مؤسسات بيروقراطية قد تتراكم داخلها تقاليد عملية ومعرفية تحول دون رؤية جانب آخر من الواقع، مهما اتسع الكلام عن الإبداع الفردي.
امرأة فلسطينية تتأمل الدمار في مخيم جنين عقب الاجتياح الإسرائيلي، في 20 أبريل 2002 – غيتي
استخدمت الاستخبارات والأجهزة العسكرية الإسرائيلية حزمة من الأدوات لضرب الانتفاضة، أبرزها الاغتيالات التي طالت قيادات وكوادر، وأوقعت أيضًا ضحايا مدنيين، بينهم أطفال ونساء. [30] وشمل الاستهداف منظومة القيادة والسيطرة والتوجيه، والرموز السياسية في المجتمع الفلسطيني. اتجه شارون، بصفته رئيسًا للحكومة وبما كان يدّعيه من خبرة في الحرب مع الفلسطينيين والعرب، نحو اغتيال قيادات مؤثرة، في مسعى يمكن قراءته ضمن استهداف ما يسميه المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز “مراكز الثقل”. [31] ولم يقتصر الاستهداف على القادة العسكريين؛ إذ شمل قادة سياسيين، في حرب استهدفت حرمان حركة التحرر الفلسطيني من قدرات بشرية قادرة على اجتراح أدوات وتكتيكات وسياسات لاستمرار النضال.
تولى “الشاباك” أساسًا، مع أجهزة أخرى، تحديد الأهداف المدرجة على قوائم الاغتيال والاعتقال. ولم تكن المهمة سهلة في حالات عديدة؛ إذ أفشل مطاردون وقيادات محاولات اغتيال متكررة، وبقي بعضهم على رأس الأجهزة العسكرية للفصائل لسنوات طويلة. [32] وأتيحت للاستخبارات الإسرائيلية قدرات تكنولوجية في الرصد والتعقب، استغلت معها هفوات كوادر فلسطينية في حرب أمنية شديدة القسوة.
سعت هذه الأجهزة، عبر الاعتقالات الواسعة، خاصة بعد اجتياح المدن والمخيمات في العملية المعروفة إسرائيليًا بـ”السور الواقي“، التي بدأت في 29 مارس/ آذار 2002 وامتدت خلال أبريل/ نيسان، إلى الوصول إلى بيانات تتيح تفكيك البنى التنظيمية والعسكرية الفلسطينية. وشملت أساليب التحقيق التي وثقتها تقارير حقوقية وسائل تعذيب وضغط جسدي ونفسي. [33] ويذكر القيادي في حركة فتح وأحد قادة الانتفاضة مروان البرغوثي، في كتابه عن تجربته في التحقيق والعزل الانفرادي عقب اعتقاله، أن محققي “الشاباك” ضغطوا عليه لانتزاع اعتراف يتيح لهم إدانة عرفات بالوقوف خلف عمليات كتائب شهداء الأقصى. [34]
معتقلون فلسطينيون معصوبو الأعين داخل حافلة عند حاجز سالم في 10 أبريل 2002 – غيتي
المعرفة.. دور الاستخبارات في تشكيل الواقع
في التصور المهني المعلن، تظهر الاستخبارات أجهزة تقدم معرفة موضوعية ومحايدة، غير خاضعة للاعتبارات الشخصية أو التصورات الفكرية الخاصة. لكن القطاع الأمني والعسكري في إسرائيل، وهي موضع البحث هنا، له تأثير كبير في السياسات، ولا تختزل علاقته بالمستوى السياسي في علاقة مرؤوس برئيس.
يظهر في الأدبيات الإسرائيلية اتجاهان بشأن دور الاستخبارات في العلاقة مع الحكومة. يتمسك الأول بالشكل المهني الذي يحصر عمل الباحث والضابط في تقديم المادة المعرفية اللازمة لتمكين الحكومة من التقدير واتخاذ القرار. أما الثاني، فينطلق من أن المعرفة الاستخباراتية لا تنمو في فراغ من الموضوعية المطلقة، وأن من واجباتها إنتاج معرفة تؤثر في صناعة القرار بما يخدم ما تعدّه “المصالح الأمنية الإسرائيلية”. [35]
في مقال منسوب إلى ضابط في وحدة البحث في “الشاباك”، لا يكشف الناشرون اسمه ويكتفون بالرمز “ش”، يجادل الكاتب بأن المعرفة الاستخباراتية ليست موجهة إلى المسؤولين لإطلاعهم على الواقع فحسب، وإنما لتشكيل رأي ودعم اتجاه أيضًا. [36]
في أدبيات أخرى، بينها كتاب حواري للمسؤول السابق في الجيش والاستخبارات دوف تماري، ورئيس الاستخبارات العسكرية خلال جانب من فترة الانتفاضة أهارون زئيفي فركش، يحاول الاثنان تقديم بنية نظرية لعمل الاستخبارات مدعومة بالتجربة الشخصية. يقوم اتجاههما على أن مهمة ضابط الاستخبارات تقديم معرفة تنير لصانع القرار الواقع والاتجاهات ونوايا العدو وموقفه، وتساهم كذلك في التأثير في خياراته. ويشير فركش إلى تجربته مع شارون، الذي فاجأه حين سأله عن الحل المطلوب بعد جلسة نقاش حول المواجهة مع الفلسطينيين. [37]
في التحليل، ليست المعرفة كلمة مجردة؛ فإنتاج التصورات عن الواقع داخل أجهزة الاستخبارات يتأثر بالضباط المسؤولين عن البحث، وبالمستويات الأخرى المعنية بتحليل المعلومات وتوجيهها إلى صناع القرار. كما لم تعد دورة العمل التي تبدأ بجمع المعلومات ثم تحليلها ثم رفعها لاتخاذ القرار، الصيغة الوحيدة القائمة؛ إذ أتاحت تطورات العقود الماضية وجود جامعي المعلومات والباحثين والمحللين وأصحاب القرار في أطر عمل أكثر تقاربًا، وصولًا إلى غرفة عمليات واحدة. [38]
في حالة الانتفاضة الثانية، أثرت أجهزة الاستخبارات في تصورات الحكومة، رغم أن شارون جاء إلى الحكم حاملًا مواقفه المسبقة المعادية لعرفات، والداعية إلى الحسم العسكري العنيف. هنا التقت معارف وتصورات سابقة، بينما استمرت الخلافات والمجادلات حول الوقائع اليومية والأحداث المتسارعة. كما لعبت الأجهزة دورًا في الاتصالات وتقديم رؤى إلى الوفود الأميركية والدولية التي زارت المنطقة، في إطار محاولات التوصل إلى اتفاقات بين السلطة وإسرائيل. [39]
لا يقف جميع ضباط الاستخبارات على صورة واحدة من الفهم والتحليل، خاصة في مجال الاستخبارات الاستراتيجية، المعنية بتقدير قدرات العدو ونواياه وطبيعة مجتمعه وتشكيلاته، بخلاف التركيز المباشر لاستخبارات الأهداف والعمليات. وقد نمت داخل الاستخبارات الإسرائيلية اتجاهات متنوعة، بينها اتجاه ثقافي يدعو إلى إعداد ضابط يعرف ثقافة المجتمعات ودواخلها. وهو ما عبّر عنه يهوشفاط هاركابي، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية وأحد المنظرين الأمنيين والاستراتيجيين، حين شدد على قيمة معرفة الضابط العميقة بثقافة مجتمع العدو، بما يعزز، في رأيه، القدرة على توقع خطواته.
لكن هذه المقاربة تواجه إشكاليات:
أي معرفة ثقافية يمكن أن يمتلكها الباحث الاستخباراتي، ومن أي مصادر؟ وهل ثقافة المجتمع واحدة؟ وأين تقع الحدود بين المعرفة والانطباعات والتحليلات الشخصية؟
يذهب اتجاه آخر يمثله فركش وتماري، وربما تأثر بتجربة معهد أبحاث النظرية العملياتية [40]، إلى أن الاستخبارات عملية تفكير منظومي تتعامل مع العدو بوصفه منظومة متكاملة، يجب تكوين معرفة بعُقدها ومفاصلها لفهمها وضربها. وتؤكد هذه المقاربة أن صورتنا عن الواقع ليست منفصلة عن المفاهيم التي نستخدمها في قراءته.
في جانب من التحليل الثقافي الدارج في الأوساط الأمنية الإسرائيلية والدوائر القريبة منها، اتجه تفسير العمليات التفجيرية الفلسطينية إلى التركيز على الأدبيات الدينية، أو ما تسميه هذه القراءات تقديس الموت وكراهية الحياة، وعلى الإحباط وانعدام الأمل. وتكمن مشكلة هذا التفسير، حين يتحول إلى إطار وحيد، في حجبه الأسباب السياسية المرتبطة بخضوع شعب للاحتلال لعقود. [41]
ماذا تقول لنا الانتفاضة عن الاستخبارات؟
شاركت الاستخبارات الإسرائيلية في بناء الأساس المعرفي والمعلوماتي والعملاني للحرب على الانتفاضة الثانية. وكان الإنجاز الذي تقدمه بوصفه “هزيمة التنظيمات الفلسطينية” قائمًا أيضًا على القدرات العسكرية والتكنولوجية الفتاكة، وعمليات الاغتيال أو “القتل المستهدف”، كما تسميها، والزج بقوات كبيرة في قلب المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية.
لم تمنحها المعرفة السابقة، المتراكمة في غرفها قبل الانتفاضة وخلالها، قدرة على منع تصاعدها إلى مستويات واسعة من العمل العسكري. واستطاعت التنظيمات الفلسطينية المناورة باستخدام معارفها الخاصة، والصمود لسنوات، وحماية أجزاء من أجهزتها التنظيمية وخلاياها وتجديدها. ولم تمنع الضربات القاسية للفصائل استمرار أثر الانتفاضة في الوعي والحركة الفلسطينية في مراحل لاحقة، مع تجدد المواجهات والعمليات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
يمكن هنا استحضار “تفاهة الشر” لدى حنّة أرندت على سبيل المقاربة النقدية، حين يتحول التعامل مع البشر إلى إجراءات وتصنيفات بيروقراطية تُعطّل مساءلة آثارها الأخلاقية. فالعمل الاستخباراتي الإسرائيلي يصنّف مجتمعًا كاملًا بين “مخربين” و”مسالمين” و”مشبوهين”، في مقابل ادعاء السعي إلى معرفة عميقة به. وقد تنجح هذه الأجهزة في الاستخبارات العملياتية والتكتيكية المرتبطة بتحديد الأهداف ومتابعة المطلوبين، من دون أن يعني ذلك نجاحها في فهم المجتمع. وحتى حين تثابر على إنتاج أبحاث اجتماعية، تبقى العلاقة بين المعرفة والواقع إشكالية، بحكم ارتباطها بالجهة المنتجة للمعرفة وأهدافها.
المراجع
[1] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: المرجع الوارد في مسودة الكاتب بشأن الانتفاضة الثانية.
[2] المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”: شاباك.
[3] مركز الزيتونة: ورقة علمية عن التغلغل الاستخباري الإسرائيلي.
[4] التلفزيون العربي: سياسة القتل خارج القانون.. الموساد كأداة للاغتيال في استراتيجية إسرائيل.
[5] كوبي ميخائيل ودودي سيمانتوف وأورن يوآل، دراسة عن تطور مفهوم التكامل والعمل المشترك في منظمات الاستخبارات، معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي.
[6] دراسة تتضمن مقابلة مع الرئيس السابق للموساد داني ياتوم.
[7] مائير فينكل، خمسون عامًا على الإخفاق الاستخباراتي في حرب أكتوبر: التعددية البحثية بين المؤسسات، أصل أم عبء على مجتمع الاستخبارات؟.
[8] دراسة عن البحث الاستخباراتي في الشاباك.
[9] مقال مائير فينكل، مصدر سابق، المرجع [7].
[10] مائير فينكل، دراسات في فن القيادة العسكرية: دروس من رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي.
[11] الدراسة الواردة في مسودة الكاتب بشأن التقديرات الإسرائيلية والانتفاضة.
[12] نافذ أبو حسنة، “التجربة العسكرية الفلسطينية: ملاحظات في النظرية والأداء”. مراجعة الكتاب لدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
[13] إيمانويل كانط، “نقد العقل الخالص”.
[14] مصدر سابق، كما ورد في مسودة الكاتب.
[15] مشاركة دان مريدور في ندوة القانون والاستخبارات، مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي.
[16] كتاب “حراس البوابة“، الذي يتضمن مقابلات مع رؤساء سابقين لجهاز الشاباك.
[17] مقابلات رؤساء الشاباك في كتاب “حراس البوابة”، مصدر سابق، المرجع [16].
[18] وثائقي “مصيدة عسل”، الذي عرضته القناة 12 الإسرائيلية في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 حول مقتل يهودا أدري عام 2001. المادة التعريفية بالوثائقي.
[19] حسام بدران، “كتيبة الشمال.. السبّاقون للجنة”، حول تجربة العمل العسكري والسياسي لحماس في شمال الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية.
[20] بلال شلش، تحولات المقاومة المسلحة لحركة حماس في الضفة الغربية أثناء انتفاضة الأقصى: من المركزية إلى الشظايا المتفجرة.
[21] محمد أبو طبيخ وأنور عليان، “درب الصادقين”، حول سير كوادر وقيادات في الجهاز العسكري للجهاد الإسلامي في الضفة الغربية. مادة تعريفية بالكتاب.
[22] بوابة الهدف: في ذكرى انتفاضتين.. كتائب أبو علي مصطفى تدعو لتوحيد الصفوف.
[23] المعرفة: كتائب المقاومة الوطنية.
[24] عرب 48: لجان المقاومة الشعبية تعلن مسؤوليتها عن تفجير دبابة إسرائيلية وإصابة ثلاثة جنود.
[25] نموذج من العمليات المشتركة بين كتائب شهداء الأقصى وكتائب القسام.
[26] متراس: هل تأخّرت حماس عن الالتحاق بالانتفاضة؟.
[27] إطار: جهود الفصائل لإحياء المقاومة في الضفة.
[28] إسحاق بن إسرائيل، فلسفة الاستخبارات العسكرية ومنهجيتها: مراسلات مع بول فاييرابند.
[29] المقابلة المرئية التي أحال إليها الكاتب، عند التوقيت المحدد.
[30] الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية: التسلسل الزمني.
[31] معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، تطور التفكير الأمني والعسكري في الجيش الإسرائيلي.
[32] من أبرز المطاردين الذين نجوا من محاولات اغتيال إسرائيلية متكررة، القائد العام السابق لكتائب القسام محمد الضيف؛ مثال أورده الكاتب.
[33] بتسيلم، تقرير “ممنوع منعًا باتًا” عن التعذيب وسوء المعاملة، مايو/ أيار 2007.
[34] مروان البرغوثي، “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”.
[35] إيتي برون، بحث استخباراتي: توضيح الواقع في عصر التغيرات والتحولات، معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي.
[36] “الاستباقية والنهج التصميمي: مبادئ الفهم المنظومي لقسم الأبحاث في الشاباك”، مقال منشور في العدد الثاني من مجلة الاستخبارات: النظرية والتطبيق.
[37] دوف تماري وأهارون زئيفي فركش، “وكيف سنعرف؟ استخبارات، عمليات، سياسات“.
[38] إيتي برون، مصدر سابق، المرجع [35].
[39] المادة الأرشيفية لدى مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.
[40] التلفزيون العربي: من شمعون نيفيه إلى كوخافي.. كيف دخلت الفلسفة إلى عقيدة الحرب الإسرائيلية؟.
