سوداني جدة يتفقون.. والرياض يتفرقون!

سوداني جدة يتفقون.. والرياض يتفرقون!

Loading

لنضع المجاملة جانبًا، ولنقلها كما هي: ما يحدث في جالية السودانيين بالرياض لا يليق بحجمها ولا بتاريخها ولا بالكفاءات التي تزخر بها.
بينما استطاع السودانيون في جدة أن يجمعوا روابطهم المهنية والمناطقية ومكوناتهم الاجتماعية والرياضية والثقافية والتراثية تحت مظلة واحدة، ما تزال جالية الرياض تدور في الحلقة ذاتها من الخلافات والانقسامات والتجاذبات، وكأننا لم نتعلم شيئًا من سنوات الفرقة التي أنهكت السودان وأهله.
المفارقة أكثر إيلامًا لأن الرياض تضم واحدة من أكبر التجمعات السودانية في المهجر، وتحتضن آلاف الكفاءات والخبرات في مختلف المجالات. ومن هذه المدينة خرجت قيادات سودانية تولت مواقع وزارية ووطنية وإقليمية ودولية، وحقق أبناؤها نجاحات وجوائز رفعت اسم السودان.
فكيف يعجز كل هذا الرصيد من الخبرة والعقل والكفاءة عن صناعة جالية متماسكة؟
الإجابة ليست غامضة، ولا تحتاج إلى لجان تحقيق.
المشكلة في تسييس العمل الجالياتي، وفي تحويل الجالية من مظلة جامعة إلى مساحة للاستقطاب والصراع.
لقد دفع السودان ثمن السياسة حين تجاوزت حدودها، ولا يعقل أن نعيد إنتاج المرض ذاته داخل الجالية. عندما يصبح الانتماء السياسي أهم من الكفاءة، وعندما تُقاس المواقف بالقرب والبعد من هذا الطرف أو ذاك، وعندما تتقدم الحسابات الشخصية والاستقطابات على الخدمة العامة، فلا تنتظروا جالية موحدة.
الجالية ليست حزبًا سياسيًا، وليست ساحة لتصفية الحسابات، وليست ملكًا لمجموعة أو تيار.
الجالية خدمة، ومسؤولية، ومهنية، وانتماء للوطن.
ومن العبث أن نطالب الآخرين بالوحدة بينما نعجز نحن عن الاتفاق على أبسط القواعد: احترام الاختلاف، تقديم الكفاءة، وتغليب المصلحة العامة.
ولماذا نصر على استدعاء خلافات الداخل السوداني إلى مجتمع يفترض أن يكون أكثر تماسكًا في الغربة؟ لماذا نحمل معنا أمراض الاستقطاب إلى بلد مضيف فتح أبوابه للسودانيين، وننسى أننا مطالبون بأن نكون صورة مشرفة لوطننا؟
الرياض تحتاج إلى وقفة جادة، لا إلى بيانات مجاملة جديدة.
تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الخلافات لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، وأن استمرارها يضر بالجميع، ويضعف قدرة الجالية على خدمة السودانيين وتمثيلهم بصورة تليق بهم.
وفي المقابل، فإن تجربة السودانيين في جدة تقدم درسًا واضحًا: الاختلاف لا يمنع الاتفاق، والسياسة ليست قدرًا يفرض نفسه على كل عمل جماعي.
إذا استطاع سودانيو جدة أن يجدوا أرضية مشتركة تجمعهم، فما الذي يمنع سودانيي الرياض؟
الذي يمنعنا هو الإصرار على ذات العقلية القديمة: كل مجموعة تريد مساحتها، وكل طرف يريد أن يكون صوته الأعلى، وكل خلاف صغير يتحول إلى معركة، وكل مبادرة تُقرأ من زاوية سياسية بدل أن تُقرأ من زاوية خدمية ومهنية.
وهكذا تضيع الجالية بين من يريد أن يقودها، ومن يريد أن يلونها، ومن يريد أن يوظفها، بينما يظل السوداني البسيط هو الخاسر.
كفى.
آن الأوان أن نتوقف عن صناعة الانقسامات ثم الشكوى منها. آن الأوان أن نضع حدًا لتسييس الجالية، وأن نجعل الكفاءة والمهنية والخدمة المجتمعية هي معيار العمل، لا الولاءات ولا الاستقطابات.
نحن لسنا بحاجة إلى جالية تتحدث كثيرًا عن الوحدة، بل إلى جالية تمارس الوحدة.
لسنا بحاجة إلى قيادات تتنافس على المواقع، بل إلى من يتنافسون على خدمة الناس.
ولسنا بحاجة إلى استيراد صراعات السودان إلى الرياض؛ فالسودان في قلوبنا جميعًا، لكن خلافاته ليست قدرًا علينا أن نحمله معنا أينما ذهبنا.
والرسالة واضحة:
اجعلوا السودان هو الجامع، والمهنية هي المعيار، والخدمة هي الهدف، واحترموا المملكة التي احتضنتكم، وتوقفوا عن تحويل الجالية إلى ساحة للصراع.
أما إذا ظللنا نعيد إنتاج الخلافات ذاتها، فلا يحق لنا أن نتساءل لماذا يتفق سودانيو جدة بينما يتفرق سودانيو الرياض.
المشكلة ليست في قلة الكفاءات.. المشكلة في سوء إدارة الاختلاف.
المشكلة ليست في غياب الإمكانات.. المشكلة في غياب الإرادة.
والمشكلة ليست في أن الرياض لا تستطيع أن تتفق.. بل في أن البعض لا يزال مستفيدًا من استمرار الفرقة.
وهنا تحديدًا يجب أن يبدأ الإصلاح.
#مشاهدات_ عمر_ المونة